من الحرب إلى الهشاشة.. اللاجئون السودانيون في مواجهة الفقر والعنف بشرق تشاد
تقرير: حسين سعد
عندما يهرب الإنسان من الحرب، يكون حلمه الأول النجاة، أن يجد أرضًا لا يُسمع فيها دويّ المدافع، وسقفًا يحمي أطفاله من الرصاص، لكن بالنسبة لآلاف السودانيين الذين فرّوا من أتون النزاع المسلح إلى شرق تشاد، لم يكن اللجوء نهاية للمأساة، بل بداية لفصل جديد من المعاناة، في مخيمات ومعسكرات تمتد على أطراف الحدود، تعيش أسرٌ كاملة في مآوٍ هشة، بين خوفٍ من هجمات مسلحة، وقلقٍ من مرضٍ يتسلل بصمت، وجوعٍ لا تسده المساعدات المحدودة. هناك، تختلط أصوات الأطفال بأصوات التحذير، وتتحول الخيام إلى شاهد صامت على هشاشة الحماية الدولية، هذا التقرير، الذي أعدّه المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني استنادًا إلى شهادات 50 لاجئًا ولاجئة عبر حلقات نقاش بؤرية، يكشف صورة مفصلة عن الأوضاع الأمنية والإنسانية في مخيمات شرق تشاد، ويضع أمام المجتمع الدولي شهادة حية عن واقع يتطلب تحركًا عاجلًا.
أولًا: الأمن المفقود:
عندما يصبح المعسكر ساحة خوف الأمن، وهو أبسط ما يبحث عنه اللاجئ، يبدو غائبًا في عدد من مخيمات ومعسكرات شرق تشاد. فقد اعتبر 60% من المشاركين في الاستطلاع أن الوضع الأمني “سيئ”، فيما وصفه 40% بأنه (متوسط)، دون أن يصفه أي منهم بالجيد، وأكدت الدراسة التي أجراها المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني عن أوضاع إنسانية وأمنية بالغة التعقيد يعيشها اللاجئون السودانيون في مخيمات شرق تشاد، في ظل تصاعد الحوادث الأمنية، وتدهور الخدمات الصحية والبيئية، وغياب فرص كسب العيش، وضعف البنية التعليمية.
وإستندت الدراسة التي إطلعت عليها صحيفة (مدنية نيوز) إستندت إلى شهادات 50 لاجئًا ولاجئة جُمعت عبر حلقات نقاش، ركزت على خمسة محاور رئيسية تشمل الوضع الأمني، والتحديات البيئية والصحية، وسبل العيش، والتعليم، إلى جانب التوصيات المقترحة لتحسين الأوضاع.
وقال 60% من المشاركين في الاستطلاع بأن الوضع الأمني في المخيمات (سيئ)، بينما وصفه 40% بأنه (متوسط)، في وقت تعتبر فيه مخيمات أدري وأبوتنجا وماجي باعتبارها الأكثر انعدامًا للأمن.
أصوات من خلف الخيام:
تشير الشهادات إلى تصاعد هجمات تنفذها مجموعات مسلحة مجهولة الهوية، تستهدف اللاجئين السودانيين بعمليات قتل عمد، واغتصاب، واعتداءات جسدية ولفظية، فضلًا عن مضايقات وتهديدات تطال مدافعين عن حقوق الإنسان داخل المخيمات، وتبرز مخيمات أدري وأبوتنجا وماجي باعتبارها الأكثر خطورة، حيث تسجل أعلى معدلات الحوادث. ويُعرف مخيم ماجي تحديدًا بتكرار حالات القتل والعنف الجنسي، النساء هن الأكثر تعرضًا للخطر، خاصة عند خروجهن لجمع حطب الوقود أو التنقل بين المخيمات، بينما وصفت الطرق الرابطة بين أدري وأبوتنجا، وأبوتنجا وماجي، وُصفت بأنها (ممرات خوف)، حيث وقعت اعتداءات متكررة، الأخطر من ذلك، أن التوترات لا تقتصر على المجموعات المسلحة، فقد سجلت حالات قتل لأفراد من المجتمع المضيف خارج المخيمات، وُضعت جثثهم قرب مناطق اللاجئين، ما أدى إلى اتهام اللاجئين بالجريمة، وتبع ذلك محاصرة بعض المخيمات والمطالبة بدفع (ديات) مالية، مع التهديد بإحراقها إن لم تُدفع، كما رُصدت حوادث سطو مسلح داخل المخيمات شملت سرقة الهواتف والأموال، إلى جانب ثلاث حالات قتل لأفراد من المجتمع المضيف خارج المخيمات، وُضعت جثثهم قرب مناطق اللاجئين، ما أدى إلى اتهام اللاجئين بالجريمة، ودفع مجموعات مسلحة من المجتمع المضيف لمحاصرة المخيمات والمطالبة بدفع ديات مالية كبيرة، مع التهديد بحرقها في حال عدم السداد.
شرق تشاد ملاذ هش:
ومنذ يناير 2025، اندلعت حرائق متعمدة في مآوي اللاجئين خلال فترات هدوء، مثل منتصف الليل، مسببة خسائر بشرية ومادية جسيمة، كما أبلغ اللاجئون عن تعرضهم لابتزاز وسوء معاملة في نقاط التفتيش، مع مصادرة أموال وممتلكات أحيانًا، في ظل اتهامات للقوات المسؤولة بالتقاعس عن حماية المخيمات أو ملاحقة الجناة، إذا كان الأمن مفقودًا، فإن البيئة الصحية لا تقل خطورة. فقد وصف 55% من المشاركين الظروف الصحية بأنها (سيئة)، فيما اعتبرها 45% (متوسطة) وتعاني المخيمات من نقص حاد في البنية التحتية الأساسية، خاصة المراحيض المطابقة للمعايير الصحية. كما يتم حرق النفايات الطبية داخل المخيمات، ما يزيد من المخاطر البيئية، في ذات الوقت تمثل أزمة المياه النظيفة تحديًا يوميًا؛ إذ يضطر اللاجئون لاستخدام آبار مكشوفة أو مصادر ملوثة، ما يساهم في انتشار أمراض مثل الإسهال والكوليرا، وتفتقر المخيمات إلى مستشفيات متكاملة، حيث تقتصر الخدمات على مراكز صحية محدودة الإمكانات، يديرها كوادر قليلة التأهيل. أما الحالات الحرجة، فتُنقل لمسافات بعيدة، ما يؤدي إلى وفيات متكررة، خاصة بين النساء الحوامل، فالاكتظاظ الشديد وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال، يعمّقان الأزمة، ويجعلان أمراضًا مثل الحصبة والملاريا والالتهابات الجلدية أكثر انتشارًا. وتشير الشهادات إلى ارتفاع معدلات الوفاة بين الأطفال وكبار السن والحوامل.
مخيمات بلا أمان.. شهادات صادمة:
ومنذ يناير 2025، شهدت المخيمات حرائق متعمدة استهدفت المآوي خلال فترات انخفاض النشاط، مثل منتصف الليل أو الظهيرة، ما أسفر عن خسائر بشرية ومادية جسيمة، كما تحدث اللاجئون عن قيود صارمة على الحركة، مشيرين إلى تعرضهم لسوء المعاملة والابتزاز المالي في نقاط التفتيش، مع مصادرة ممتلكات بعضهم عند رفض الدفع، في ظل اتهامات للقوات المكلفة بالحماية بالتقاعس عن ملاحقة الجناة أو ضمان العدالة، وعلى الصعيد البيئي والصحي، وصف 55% من المشاركين الظروف بأنها سيئة، و45% بأنها متوسطة، مؤكدين انتشار أمراض معدية في ظل نقص الخدمات الأساسية، ومن أبرز المشكلات التي أشار إليها التقريرهي نقص المراحيض والبنية التحتية الصحية الملائمة، وضعف إدارة النفايات، بما في ذلك حرق النفايات الطبية داخل المخيمات، فضلاً عن شح مياه الشرب النظيفة، ما يدفع اللاجئين لاستخدام آبار مكشوفة ومصادر ملوثة، وغياب مستشفيات متكاملة، واقتصار الخدمات على مراكز صحية محدودة الإمكانيات، وأشار اللاجئون إلى صعوبة نقل الحالات الحرجة لمسافات بعيدة، ما يؤدي إلى وفيات متكررة، خاصة بين النساء الحوامل. كما ساهم الاكتظاظ وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال، في تفشي أمراض مثل الحصبة والملاريا والإسهال والكوليرا والالتهابات الجلدية، وأكد التقرير أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى ارتفاع معدلات الوفاة، لا سيما بين الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال وكبار السن والحوامل.
إنعدام سبل كسب العيش:
خلف كل خيمة في معسكرات شرق تشاد هنالك قصة فقدان: منزل دُمّر، أرض زراعية ضاعت، أو وظيفة انتهت، فاللاجئون في شرق تشاد فقدوا تقريبًا كل ممتلكاتهم، ويعتمدون بالكامل على مساعدات إنسانية لا تكفي، المآوي والخيام بالمعسكرات مؤقتة ومصنوعة من مواد محلية غير آمنة، عرضة للسرقة والحرائق، وكذلك الوحدات السكنية مكتظة، حيث تتشارك الأسر مساحات ضيقة، ما يزيد من الضغط النفسي ويؤثر على الصحة العقلية، لا توجد فرص عمل تقريبًا، ولا برامج كافية للتدريب المهني، ما يعمق الشعور بالعجز وفقدان الكرامة، ووصف حوالي (70%) من المشاركين وصفوا ظروفهم المعيشية بأنها (سيئة)، مقابل (30%) إعتبروها متوسطة، ويعتمد معظمهم بشكل كامل على المساعدات الإنسانية، التي لا تلبي احتياجاتهم الأساسية.
التعليم تحت الأشجار:
جيل مهدد بالضياع في المخيمات، لا توجد مدارس نظامية بالمعنى التقليدي. الأطفال يتلقون دروسهم تحت الأشجار أو في أكواخ مؤقتة، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الوسائل التعليمية، ويري 80% من المشاركين أن فرص التعليم (سيئة)، مقابل 20% وصفوها بالمتوسطة، وتتم العملية التعليمية في بيئة تفتقر إلى البنية التحتية؛ إذ لا توجد مدارس نظامية، ويُدرّس الطلاب تحت الأشجار أو في أكواخ مؤقتة، مع نقص حاد في الكتب والمواد التعليمية، كما يواجه الطلاب تحديات تتعلق باختلاف المناهج واللغة، وفقدان الوثائق الأكاديمية أثناء النزوح، إلى جانب صدمات نفسية تعيق التركيز، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التعليم العالي وضعف التمويل المخصص لتعليم اللاجئين.
توصيات عاجلة:
وفي ختام التقرير، قدم اللاجئون جملة توصيات لتحسين أوضاعهم، أبرزها هي : تعزيز الأمن والحماية القانونية، ومنع تسلل المجموعات المسلحة إلى المخيمات، وإنشاء آليات لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وتوفير المياه النظيفة والكهرباء والغذاء الكافي والمتنوع، وطالبت الدراسة بإنشاء مراكز صحية متكاملة تقدم خدمات العلاج والتحصين والدعم النفسي، وإطلاق برامج للدعم النفسي والاجتماعي لمعالجة آثار الصدمات، وتوفير فرص عمل من خلال التدريب المهني وتنمية المهارات، وإعادة تأهيل المآوي وتحسين البنية التحتية للمخيمات، ويؤكد التقرير أن استمرار الأوضاع الحالية دون تدخل عاجل ومنسق من الحكومة التشادية والشركاء الدوليين سيؤدي إلى مزيد من التدهور، ويضاعف معاناة آلاف اللاجئين السودانيين الذين فروا من الحرب بحثًا عن الأمان، ليجدوا أنفسهم في دائرة جديدة من الهشاشة وانعدام الاستقرار.
الخاتمة من المحرر:
إنقاذ الكرامة قبل فوات الأوان إن مخيمات شرق تشاد ليست مجرد تجمعات خيام، بل مدن مؤقتة يسكنها أناس فقدوا كل شيء تقريبًا إلا الأمل. لكن الأمل وحده لا يكفي. فبين تصاعد العنف، وتدهور الصحة، وغياب سبل العيش، يقف آلاف اللاجئين على حافة مستقبل مجهول، إن إستمرار هذه الأوضاع دون تدخل جاد ومنسق من الحكومة التشادية والمجتمع الدولي يعني مزيدًا من الخسائر في الأرواح، ومزيدًا من جيلٍ مهدد بالضياع، فاللجوء يجب أن يكون مساحة للحماية، لا إمتدادًا للخطر، وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تبقى رهينة خيمةٍ مهترئة على حدود الحرب.

