الثلاثاء, فبراير 10, 2026
اقتصادتقارير

قانون أغفل الأرض والنساء والضمان الاجتماعي (7)

كتب: حسين سعد

كل قانون، قبل أن يكون نص مكتوب، هو وعد اجتماعي، وعد بأن الحقوق ستصان، وأن من يزرع الأرض سيكون له النصيب الذي يستحقه، وعد بأن الدولة شريك في حماية المجتمع، لا متحكم فيه، لكن مسودة قانون مشروع الجزيرة لسنة 2021 لم تكن كذلك، فقد غابت عنها عناصر أساسية تمس حياة المزارعين اليومية ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية: حماية الأرض، تمثيل النساء، ضمان حقوق العمال والمزارعين في الدعم والتمويل، في هذه الحلقة، نفتح الملف المفقود في القانون، وسنقوم بتحليل لماذا كانت هذه الثغرات سببًا إضافيًا لسقوط المقترح، وكيف تعكس فلسفة إقصائية قديمة ما زالت تسيطر على التشريع في السودان

الأرض: حقٌ أم سلعة؟

يبدأ أي نقاش حول مشروع الجزيرة بالعنصر الأهم: الأرض هي المورد الرئيسي، وسند المزارع الأساسي، ومصدر الأمن الغذائي لملايين المواطنين، وبحسب ما يورده كتاب صديق عبد الهادي أبوعشرة بعنوان ( مقترح مشروع الجزيرة 2021م ، وحقيقة موقف مجلس الإدارة ) ، لم يتضمن القانون أي حماية حقيقية لملكية الأرض. بدلاً من ذلك، اقترح نصوصًا تجعل الدولة تتحكم بشكل كبير في التصرفات، دون آليات واضحة لضمان حقوق المزارعين، لماذا هذا مهم؟ غياب حماية الأرض يؤدي إلى فقدان المزارعين لأملاكهم عبر التفكيك أو التأجير الإجباري، وتقويض الاستثمارات الصغيرة داخل المشروع، خلق فجوة اجتماعية بين الإدارة والقواعد، ما يزيد الاحتقان، بمعنى آخر، القانون الذي أُعد دون مشاركة القواعد، تجاهل البعد الأساسي للعدالة الاقتصادية والاجتماعية..

النساء: الغياب الأكبر:

على الرغم من أن النساء يشكلن جزءًا كبيرًا من القوة الإنتاجية في المشروع، فإن القانون لم يعترف بدورهن الغياب كان واضحًا في عدة محاور، لا توجد مواد تضمن تمثيل النساء في هيئات اتخاذ القرار، لا توجد آليات حماية للمرأة العاملة من الاستغلال أو من فقدان حقوقها عند انتقال الملكية أو إدارة الأراضي، لم يُعترف بأعباء العمل غير المدفوع الذي تقوم به النساء في الزراعة والبيت، والذي يشكل جزءًا من الإنتاج الوطني، هذا الغياب لا يمثل فقط خللاً في التمثيل، بل انتهاكًا للحقوق الأساسية للنساء ويضع المشروع في صراع مستمر مع العدالة الاجتماعية.

غياب الحماية:

المزارع في مشروع الجزيرة يعيش تحت ضغوط اقتصادية كبيرة: قروض، مستلزمات زراعية، تقلبات الطقس، وأزمات تسويق المحاصيل لكن القانون لم يتضمن أي بند واضح، يضمن التمويل العادل للمزارعين، يوفر حماية اجتماعية للعمال في حالات الكوارث أو الأزمات، يحدد التزامات الدولة تجاه المشروع والقائمين عليه، غياب هذه الحماية يحوّل القانون من أداة تنظيمية إلى أداة ضغط إضافية على المزارع، ما يضاعف أعباء الفقر ويزيد من هشاشة المجتمع الريفي، السيطرة على الإنتاج لا حماية المجتمع من تحليل الكتاب، يظهر بوضوح أن فلسفة القانون فوقية وإدارية أكثر من كونها حقوقية. القانون يعكس تفكيرًا يرى المشروع كأصل اقتصادي يمكن التحكم فيه، وليس كحق اجتماعي واقتصادي لمجتمع قائم عليه هذه الفلسفة هي السبب وراء تجاهل حقوق الأرض، وتمثيل النساء، والضمان الاجتماعي، وهي تعكس نهجًا قديمًا في الإدارة السودانية: تركيز السلطة، إضعاف القواعد، والسيطرة على الموارد، غياب هذه العناصر الأساسية في القانون يؤدي إلى عدة أزمات مباشرة، منها أزمات قانونية حول الملكية: يسهل التلاعب بالوثائق وإلغاء الحقوق، وأزمات اجتماعية: شعور بالإقصاء، غياب المشاركة، فقدان الثقة في الإدارة، وأزمات اقتصادية: تكاليف إضافية، فقدان فرص التمويل، ضعف الإنتاجية.

نتيجة هذا العمل الذي تجاوز المزارعين كان سيجعل مشروع الجزيرة أكثر هشاشة، والمزارع أكثر ضعفًا، والعدالة الاجتماعية أكثر تآكلًا، مقارنة بالمعايير الدولية من منظور حقوقي، أي قانون ينظم مشاريع زراعية بهذا الحجم يجب أن يضمن مشاركة أصحاب المصلحة في الصياغة، وحماية ملكية الأرض، والاعتراف بمساهمة النساء والفئات الضعيفة، وضع آليات واضحة للضمان الاجتماعي والدعم المالي، قانون 2021 لم يستوف أيًا من هذه المعايير بشكل كامل، وهو ما يوضح لماذا واجه رفضًا واسعًا، حتى قبل محاولة تمريره، في حال تم تمرير ذلك القانون المرفوض من المزارعين حتى لو اعتُبر النص قانونيًا، فإن التطبيق كان سيواجه عراقيل جسيمة، ومقاومة المزارعين لقوانين تمس ملكيتهم، وصعوبات في إنفاذ قوانين غير معتمدة شعبياً، واحتمالية اندلاع نزاعات قانونية واجتماعية، وهذا يوضح أن أي قانون فاقد للشرعية الاجتماعية لا يمكن أن ينجح، مهما كانت الصلاحيات القانونية التي تمنحه الدولة.

تصريح وتوضيح:

ويقول صديق عبد الهادي في كتابه :بدعوة من السيد وزير الزراعة الأخ دكتور الطاهر حربي تم اجتماع طارئ لمجلس إدارة مشروع الجزيرة واللجنة المكلفة بصياغة مسودة مشروع قانون الجزيرة الجديد ،والتي شكلها وزير الزراعة السيد عبد القادر تركاوي، الوزير المكلف حينها. إنه، ولسبب تواجدي خارج البلاد لم أتمكن من حضور هذا الاجتماع، إلا انني تمكنت من ان أبين وجهة نظري للمجلس حول مبدأ الدعوة لهذا الاجتماع الطارئ. وقد ذكّرتُ الاخوة في المجلس بما إتفقنا عليه في شأن وضع تقاليد إدارية وتنظيمية فيما يخص مناقشة الوثائق بواسطة المجلس. وهو ألا تتم مناقشة أي وثيقة ومهما بلغت أهميتها او من أي جهة جاءت قبل توزيعها والإطلاع عليها قبل وقتٍ كافٍ بواسطة كافة أعضاء المجلس، وذلك ترسيخاً لثقافة جديدة ومختلفةً عما كان سائداً من قبل في ظل النظام البائد من إستهانة وإزدراء بالعمل المؤسسي. هذا بالإضافة لما ثبتناه فيما يخص أي مقترح او مشروع لقانون الجزيرة الجديد وهو وقبل أن ندفع به إلى جهات التشريع ان تصحب صياغته حوارات مفتوحة مع أهل الشأن، أي أهل الجزيرة، مع ضرورة الإستماع والإستئناس بالاراء المختلفة ،حتى يأتي القانون الجديد ملبياً لتطلعات وآمال وتوقعات أهل المشروع، لانه وبهذه الطريقة نكون قد بدأنا بالفعل في ترسيخ ثقافة جديدة كذلك فيما يخص العلاقة بين إدارة المشروع وأهله.

وأوضح عبد الهادي: علمت بأن الاجتماع لم يجز مسودة القانون وستكون هناك مناقشات لاحقة. على أية حال يظل موقفي ثابت من فتح الحوار الشامل حول أي مسودة للقانون الجديد، وفي ذلك إلتزام بما تم الاتفاق عليه داخل المجلس. حتى هذه اللحظة لم اطلع على المسودة المعنية لأنني لم أستلم نسخة منها. وبالقطع سابدي رأي بوضوح بعد دراستها وتمحيصها، وهو رأي مكانه الطبيعي داخل مجلس الإدارة وسيكون جزءاً من مجموع الآراء التي يتقدم بها أعضاء المجلس في هذا الشأن. وأختم قولي، بألا بديل لمشاركة الناس في الحوار حول القانون إن كنا بالفعل نود إصلاحاً مؤسسياً ديمقراطياً لمشروع الجزيرة.

الخاتمة من المحرر:

تكشف هذه الحلقة أن العدالة الاجتماعية والحقوقية لا يمكن أن تُضمن فقط بالنصوص، بل بالمشاركة الحقيقية والقيم الديمقراطية، فمشروع الجزيرة، بتاريخه الطويل وأهميته الاستراتيجية، يحتاج إلى قانون ينطلق من القاعدة إلى القمة، لا العكس، أزمة قانون 2021م لم تكن مجرد خلاف إداري أو سياسي، بل أزمة جوهرية في فلسفة التشريع نفسها، ذلك كان قانون يجهل حقوق الأرض، قانون يغيّب النساء ،قانون يضع عبء الإنتاج على المزارع دون حماية، كل هذه الثغرات تؤكد أن القانون كان مُحكومًا بالفشل منذ البداية، ليس لأنه نص سيئ، بل لأنه أُعد بعيدًا عن أهله، وبدون قاعدة شرعية حقيقية، في الحلقة القادمة، نجاوب علي السؤال التالي ؟ لماذا سقط مقترح قانون 2021؟ وما الدروس الوطنية التي يمكن استخلاصها لبناء قوانين عادلة في المستقبل؟ (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *