الأربعاء, يناير 28, 2026
اقتصادتقاريرسياسة

قانون بلا توافق ومحاولة إجازة في صمت من مجلس الإدارة إلى مجلس الوزراء: كيف انتقل الصراع؟ (5)

كتب: حسين سعد

عندما تُغلق الأبواب داخل مؤسسة ما، لا يعني ذلك أن الصراع انتهى؛ أحيانًا يعني فقط أنه انتقل إلى مستوى أعلى. هذا ما حدث تمامًا مع مقترح قانون مشروع الجزيرة لسنة 2021. فبعد أن تعثّر تمريره داخل مجلس إدارة المشروع، ولم يحظَ بالتوافق المطلوب، بدأت ملامح مسار جديد تتشكل بهدوء: تم نقل الملف إلى مجلس الوزراء، في هذه المرحلة، لم يعد الخلاف إداريًا أو فنيًا، بل أصبح سياسيًا بامتياز. فالقانون الذي عجز عن كسب شرعية داخل المؤسسة المعنية به، كاد أن يُمرَّر عبر السلطة التنفيذية، بعيدًا عن أعين المزارعين، وبلا نقاش عام، وبلا مساءلة حقيقية، هذه الحلقة تتبع تلك اللحظة الحرجة: كيف جرت محاولة تمرير القانون؟ من هم الفاعلون؟ ولماذا شكّلت هذه الخطوة خطرًا حقيقيًا على مفهوم الحكم الديمقراطي نفسه؟ من التعثّر إلى الالتفاف يكشف الكتاب أن تعثّر المسودة داخل مجلس الإدارة لم يُقابل بمراجعة شاملة للمسار، ولا بقرار شجاع بالعودة إلى القواعد، بل جرى التعامل معه باعتباره عقبة إجرائية يمكن تجاوزها، هنا تظهر أحد أخطر أنماط الحكم في الفترات الانتقالية؟ عندما تفشل الشرعية القاعدية، يتم الالتفاف نحو الشرعية التنفيذية، وبدلًا من طرح سؤال؟ لماذا يرفض المزارعون هذا؟ كيف نجيزه دون تعطيل ؟ القانون؟ تم طرح سؤال آخر مجلس الوزراء كملاذ أخير في النظم الديمقراطية، يُفترض أن يكون مجلس الوزراء حارسًا للمصلحة العامة، لا محطة لتمرير قوانين مثيرة للجدل. لكن في حالة قانون مشروع الجزيرة، كاد المجلس أن يتحول إلى ملاذ أخير لقانون فاقد للقبول الشعبي، بحسب ما يورده الكتاب، بدأت تحركات غير معلنة لرفع المسودة إلى مجلس الوزراء، باعتبارها “جاهزة”، وكونها قد “مرت بمراحل الصياغة والمشورة.

هذه اللغة – لغة الاكتمال الزائف – كانت تهدف إلى طمأنة متخذ القرار، دون كشف حقيقة الاعتراضات الجوهرية، خطورة التمرير التنفيذي تكمن خطورة هذه الخطوة في عدة مستويات، تجاوز أصحاب المصلحة فتمرير القانون عبر مجلس الوزراء كان يعني تجاهل مزارعي الجزيرة تمامًا، وتحويلهم من شركاء إلى متلقين، إفراغ المشورة من معناها إذ تصبح الورش المحدودة مجرد ديكور، لا عائقًا أمام الإجازة، خلق سابقة خطيرة مفادها أن القوانين الاقتصادية الكبرى يمكن تمريرها دون توافق اجتماعي.

في بلد خارج من ثورة، كانت هذه سابقة كفيلة بنسف ما تبقى من الثقة، تحرّك رئيس مجلس الإدارة في هذه اللحظة الحرجة، يبرز مجددًا دور رئيس مجلس الإدارة، الصديق عبد الهادي أبو عشرة. فبحسب الكتاب، لم يقف مكتوف الأيدي أمام محاولة تمرير القانون، بل بدأ تحرّكًا مباشرًا لإيقاف المسار.
لم يكن هذا التحرك سهلًا، ولا مضمون النتائج، لكنه كان – سياسيًا وأخلاقيًا – الخيار الوحيد المتبقي.
لقاءات في أعلى المستويات يوثق الكتاب سلسلة لقاءات أجراها رئيس مجلس الإدارة مع: وزير الزراعة، ووكيل وزارة المالية، ورئيس الوزراء آنذاك، في هذه اللقاءات، لم يُقدَّم الخلاف باعتباره نزاعًا شخصيًا، بل كقضية مشروعية سياسية وحقوقية، تتعلق بكيفية صياغة القوانين في السودان ما بعد الثورة؟ كان السؤال المركزي المطروح؟ هل يجاز قانونًا مرفوضًا من قواعده، لمجرد أنه أُنجز فنيًا؟ كشف ما كان مخفيًا أحد أهم أدوار هذه اللقاءات كان كشف ما لم يُذكر في التقارير الرسمية، حجم الاعتراض داخل مجلس الإدارة، وضعف المشورة ، وغياب التمثيل القاعدي ؟ والمخاطر الاجتماعية والسياسية لتمرير القانون؟ هذه الحقائق لم تكن حاضرة بالكامل أمام السلطة التنفيذية، أو لم تُقدَّم لها بوضوح. وهو ما يطرح سؤالًا مقلقًا حول كيفية صناعة القرار داخل الدولة الانتقالية..

إيقاف المسار:

مؤقتًا نجحت هذه التحركات في إيقاف مسار تمرير القانون إلى مجلس الوزراء، على الأقل في تلك المرحلة. لم يُدرج القانون على جدول الأعمال، ولم يُجاز، لكن الإيقاف لم يكن نتيجة قناعة كاملة، بل نتيجة إدراك متأخر لحساسية الملف، وهنا يبرز درس مهم ؟ أحيانًا لا يُوقف الخطأ لأنه خطأ، بل لأنه أصبح مكلفًا سياسيًا، ماذا لو لم يحدث هذا التدخل؟ يطرح الكتاب، ضمنيًا، سؤالًا افتراضيًا لكنه بالغ الأهمية، ماذا لو لم يتحرك رئيس مجلس الإدارة؟ الإجابة مرعبة ، وقتها كان سيجاز القانون ، وكانت الدولة ستدخل في مواجهة مباشرة مع مزارعي الجزيرة، وكان المشروع سيشهد موجة جديدة من الاحتقان وعدم الاستقرار، وكانت الثورة ستتلقى ضربة معنوية قاسية؟ هذا السيناريو لم يكن خيالًا، بل احتمالًا واقعيًا؟ فالبعد الأخلاقي للصراع تتجاوز هذه المرحلة مجرد خلاف حول قانون، لتلامس سؤالًا أخلاقيًا عميقًا مفاده؟ هل يجوز تمرير قانون تعلم السلطة أنه مرفوض، لمجرد امتلاكها الصلاحية القانونية؟
في الديمقراطيات، الشرعية لا تُقاس فقط بالقانون، بل بالقبول الاجتماعي. وغياب هذا القبول يجعل أي إجازة شكلًا من أشكال الإكراه الناعم، إن أزمة الثقة تتعمق حتى مع إيقاف المسار، كانت الثقة قد تضررت. فمجرد التفكير في تمرير القانون بهذه الطريقة كشف للمزارعين أن أصواتهم ليست محصّنة، ومشاركتهم يمكن تجاوزها، و القوانين قد تُفرض باسمهم دون علمهم، وهذه في تقديري قناعة خطيرة في أي مجتمع يسعى للاستقرار.

محطات الصراع داخل مجلس الإدارة:

ومن جهته قال صديق عبد الهادي في كتابه: في إعتقادي، وهذا ما ظللت أردده وبإستمرار، أن مجلس إدارة مشروع الجزيرة هو وبكل تأكيد يمثل أهم مجلس في البلاد بعد مجلس الوزراء. وذلك مما يضع العظيم من المسئولية على عاتق شاغليه. وهي مسئولية يتطلب حملها توفر مواصفات قيادية نوعية وليس مواصفات إدارية تقليدية، وكذلك يتطلب القيام بها التمتع بقدرات متميزة في بحث القضايا ومعالجتها .كما أنه وبالضرورة لابد ومن الجانب الآخر أن يتم تطوير لمهام المجلس، وذلك بإعطاء سلطات أوسع له وبمنحه إستقلالاً حقيقياً مقترناً ومتكاملاً مع إستقلالٍ أوسع وحقيقي للمشروع نفسه بإعتباره الوح دة الاقتصادية الأكبر في البلاد وبدون منازع. وكمثال لتوسيع سلطات المجلس هو أن يقوم المجلس بتعيين أعضاء أي لجنة مكلفة بوضع أو بتعديل قانون مشروع الجزيرة، وبأن تكون مسئولة لديه، أي لدى مجلس الإدارة، مع إخطار وزير الزراعة والطلب منه فقط إيداع مخرجاتها على طاولة مجلس الوزراء وكذلك الجهات المختصة بإجازة القوانين. فمشروع الجزيرة ولمكانته التي يحتلها في تركيبة وبنية الاقتصاد السوداني يستحق، بل ولا أقل من أن يحظى بمجلس بتلك المواصفات.

إنه، ومن ضمن الختام لا يفوتني أن أشير إلى أن التعامل مع مقترح قانون 2021 كان أحد محطات الصراع داخل مجلس الإدارة. صراعٌ لابد من الإقرار به، وبحقيقة أنه كان يجري علناً أحياناً وأحياناً تحت السطح. كل ذلك كان متوقعاً، فهو صراعٌ قائمٌ على أرضية إختلاف فهم كل منا لموضوع المصالح، أي “مصالح منْ؟” وموقفنا من الدفاع عنها، أي الدفاع عن “مصالح منْ ؟”!. لقد كان لذلك الصراع أثره الواضح وتأثيره في مجرى أعمال المجلس. وبالقطع سيأتي وقت تناول كامل التجربة مستقبلاً، بسلبياتها وإيجابياتها معاً، وبكل الشفافية المطلوبة.

الخاتمة (من المحرر):

عندما تصبح السلطة التنفيذية ساحة للصراع تكشف هذه الحلقة أن أخطر ما واجهه مقترح قانون مشروع الجزيرة 2021 لم يكن الخلاف الفني، بل محاولة تمريره عبر السلطة التنفيذية دون توافق اجتماعي، لقد تحوّل مجلس الوزراء، في لحظة ما، إلى ساحة محتملة لصراع بين منطق الدولة ومنطق المجتمع، بين الصلاحية القانونية والشرعية الشعبية، في الحلقة القادمة، نصل إلى لحظة نادرة في السياسة السودانية؟ الاعتراف بالتقصير والاعتذار، وما الذي يعنيه ذلك في بنية مأزومة؟. (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *