الإثنين, مارس 2, 2026
اقتصادتقارير

البنوك والجمعيات التعاونية وتمويل الزراعة (9)

كتب: حسين سعد

نواصل في هذه الحلقة ما أشار له الدكتور عمر سيد أحمد في ورقته (التمويل وتحديات الإعمار وتطوير قطاعات الأنتاج) التي قدمها في مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل في العام 2025م التي نفذها موقع الاقتصادي السوداني بالتضامن مع المركز السوداني الأمريكي للبحوث والدراسات الاقتصادية تحت شعار (مشروع الجزيرة الحصيلة والوجهة بعد مرور مئة عام من المسير )
بشأن البنوك الزراعية والجمعيات التعاونية وتمويل الزراعة ، وقال سيد أحمد إن البنك الزراعي السوداني الذراع الرسمي لتمويل القطاع الزراعي، لكنه يعاني منذ سنوات من ضعف في رأس المال، تراجع القدرة الإقراضية، وغياب الشفافية. من أبرز سمات الأزمة:

• عجز عن توفير التمويل الموسمي في الوقت المناسب، رغم كونه الجهة المعنية بذلك تاريخي ا.
• اعتماد شبه كامل على تمويل شراء المحاصيل )وليس تمويل الإنتاج.
• انكشاف كبير على المخاطر بسبب غياب التأمين الزراعي، وترّكّز القروض في قطاعات محددة مثل الذرة والقمح.
• غياب ربط التمويل بالخدمات الداعمة كالإرشاد والتخزين والتسويق.

ويضيف عمر : أما الجمعيات التعاونية الزراعية في السودان، فقد شهدت انهياراً شبه كامل منذ التسعينات نتيجة السياسات النيوليبرالية، وتفكك القطاع التعاوني، وغياب التشريعات الداعمة، رغم أنها كانت تمثل في الستينات والسبعينات شبكة تمويل وإنتاج قوية، خصو صا في مشروع الجزيرة، ويشير تقرير من وزارة المالية إلي أن أقل من 15% من المزارعين في السودان يحصلون على تمويل رسمي عبر البنك الزراعي أو القنوات المؤسسية، بينما يعتمد الباقون على التمويل الذاتي أو الديون التجارية المرتفعة الفائدة.
تجارب دولية للبنوك الزراعية: الهند – بنك التنمية الزراعية NABARD

يعتبر بحسب سيد احمد بأنه من أنجح البنوك الزراعية في العالم، وهو يمول ملايين المزارعين عبر شبكة من البنوك الريفية والتعاونيات، ويربط التمويل بخدمات التأمين والإرشاد والتسويق.
المغرب – القرض الفلاحي المغربيCAM: وهو بنك متخصص في تمويل الزراعة والتعاونيات الفلاحية، يقدم تمويلات قصيرة وطويلة الأجل بفوائد مدعومة، فضلاً عن إنه يموّل مشاريع الري، المكننة، البذور المحسنة، والتصنيع الغذائي.
فيتنام – بنك الزراعة والتنمية الريفية VBARD

يغطي أكثر من 80% من القرى بخدمات مصرفية، يعتمد على تمويل تعاوني ومجموعات ضمان جماعي، له دعم قوي من الدولة لتقليل مخاطر التخلف عن السداد .
اليابان -إثيوبيا -يوغنداء – تنزانيا: وبشأن الجمعيات التعاونية تشير الورقة الي تجربة تمويل ريفي اليابان حيث تعتبر الجمعيات الزراعية مسؤولة عن أكثر من 80% من تمويل الزراعة،كما تعمل كبنوك تعاونية متكاملة تدير التمويل، التسويق، التوزيع، والإنتاج، في دولة أثيوبيا فقد دعمت الدولة إنشاء تعاونيات تسويقية وتمويلية كبديل للبنوك التجارية ، وتلعب التعاونيات دور الوسيط المالي وتعيد تدوير الأرباح محلياً. وفي دولتي يوغندا وتنزانيا، فقد انتعشت الجمعيات الزراعية التعاونية بدعم من مؤسسات دولية ، وتقدم الجمعيات ت قرو ض للمزارعين بضمان المحصول أو المدخلات الزراعية.

الدروس المستفادة:
1. لا ينجح التمويل الزراعي دون مؤسسات متخصصة تمتلك رأس مال كافٍ وخبرة فنية.
2. الجمعيات التعاونية ليست فقط وسيط ا إنتاجي ا، بل أداة تمويل محلي فعالة.
3. الدولة تظل مسؤولة عن توفير البيئة التشريعية والضمانات وتسهيل الوصول للأسواق.
4. دمج التمويل مع خدمات التأمين، الإرشاد، والتسويق هو شرط للاستدامة.

نماذج التمويل الخارجي للزراعة في إفريقيا والسودان:

ويقول سيد أحمد في ظل التحديات التمويلية البنيوية التي تواجهها الزراعة في إفريقيا، برزت المؤسسات الدولية كجهات مانحة رئيسية تموّل البنى التحتية الزراعية، وتدعم سلاسل القيمة، وتوفر رؤوس أموال مرنة للدول منخفضة الدخل. وتختلف آليات التمويل بين المنح، القروض الميسّرة، التمويل المختلط، والدعم الفني ، مثل دور الفاو، الإيفاد، البنك الأفريقي، والبنك الدولي التي تلعب تلك المؤسسات الدولية متعددة الأطراف دور محوري في تمويل الزراعة في الدول النامية، خاصة في إفريقيا. وقد شكل السودان نموذجاً مهماً لتدخلات هذه المؤسسات خلال العقود الماضية، عبر برامج متنوعة بين الدعم الفني، التمويل الريفي، والبنى التحتية الزراعية. وتختلف طبيعة التمويل بحسب الجهة، وتتراوح بين المنح والقروض الميسرة، والضمانات السيادية، والدعم الفني .

أوًلا: منظمة الأغذية والزراعة :
تقدّم الفاو تموي لا غير مباشر، عبر برامج بناء القدرات والدعم الفني للحكومات والمؤسسات الزراعية، لا سيما في مجالات السياسات والإحصاء والإرشاد الزراعي، وفي السودان، دعمت الفاو تحديث نظم الري التقليدي في ولايات نهر النيل والجزيرة، وأشرفت على صياغة الاستراتيجية الزراعية الوطنية حتى عام 2020. كما نفذت مشاريع الأمن الغذائي في ولايات دارفور وجنوب كردفان، وعلى المستوى الإفريقي، شاركت الفاو في برنامج Africa Solidarity Trust Fund لدعم المزارعين الصغار ،وطرحت مبادرة Hand-in-Hand لتوجيه الاستثمار الزراعي نحو أكثر المناطق فقراً.

ثانيا: الصندوق الدولي للتنمية الزراعية
يعتبر الإيفاد من أبرز ممولي الزراعة الريفية في إفريقيا، ويقدم قرو ضا طويلة الأجل ومن حا فنية تستهدف المزارعين الصغار والنساء والمنتجين المهمّشين، وفي السودان، موّل الإيفاد عدة مشاريع، منها: مشروع تنمية الزراعة المطرية في القضارف وكسلا ، ومشروع تحسين سبل العيش الريفي في كردفان والنيل الأزرق، وقد ساعد في إدخال نماذج التمويل الأصغر الزراعي والمزارع التعاونية ، وفي إفريقيا، موّل الإيفاد أكثر من 300 مشروع في 44 دولة، منها مشروع“ PASTA” في رواندا لتعزيز التمويل التعاوني، ومشروع إدماج الشباب في الزراعة في إثيوبيا .

ثالثًا: البنك الأفريقي للتنمية
يعد البنك الأفريقي من أبرز ممولي البنية التحتية الزراعية في إفريقيا، ويمتاز بـمزيج تمويلي مرن يجمع بين القروض والمنح والضمانات، وأطلق البنك استراتيجية Feed Africa 2025 بهدف جعل الزراعة رافعة اقتصادية كبرى في القارة ، وفي السودان، دعم البنك برامج الإدارة المتكاملة للموارد المائية في ولايات نهر النيل وسنار، وقدم دع ما فني ا لتطبيق الزراعة الذكية مناخياً، أما في بقية إفريقيا، فقد موّل البنك مشاريع واسعة مثل: مشروع إنتاج الأرز غرب إفريقيا ، ومشروع الري في كينيا، بجانب برنامج في نيجيريا لدعم روّاد الأعمال الزراعيين.

رابعًا: البنك الدولي
يوفر البنك الدولي تمويلا ًمركبًا من قروض بفوائد منخفضة، وتمويل مشروط بالأداء، وضمانات سيادية، وفي السودان، نفّذ البنك مشروع دعم صغار المزارعين في ولايات الجزيرة والنيل الأبيض والقضارف بين عامي 2008–2013. كما موّل برامج لدعم المجتمعات الريفية في دارفور ضمن الصندوق الاستئماني للسودان وجنوب السودان. على المستوى الإفريقي، يدير البنك برنامج AGRI-FIN لرقمنة التمويل الزراعي، ومشروعات تكامل التمويل مع أهداف المناخ والحوكمة الزراعية
.الذهب كمورد سيادي لتمويل الزراعة:

ولفتت الورقة الي ان السودان يمتلك موارد ضخمة من الذهب تعد من الأكبر في القارة الأفريقية. وتقدّر كميات الإنتاج السنوي للذهب في السودان ما بين 100 إل 120 طن ا، بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار سنويا ًحسب أسعار السوق العالمية نحو 75 ألف دولار، غير أن نحو 70% من هذا الذهب يتم تهريبه خارج القنوات الرسمية، وفق تقديرات مؤسسات بحثية مثل تشاتام هاوس والبنك الدولي، ما يعني أن الدولة لا تتحكم فعلياً سوى في 30% فقط من مواردها الذهبية، أي حوالي 1.8 مليار دولار فقط تدخل الميزانية العامة أو الأسواق الرسمية ، وتظهر بيانات منشورة أن أكثر من 2,500 طن من الذهب الأفريقي، بما فيه ذهب سوداني، تم تهريبه إل دولة الإمارات وحدها خلال الفترة بين 2012 و2022، بقيمة تتجاوز 115 مليار دولار ،كما تشير دراسة لمنظمة “جلوبال ويتنس” إل أن التهريب يتم عبر قنوات منتظمة تشمل شبكات قبلية، وقوى مسلحة، وتجار دوليين يعملون بمعزل عن الرقابة الحكومية، واضاف سيد احمد : إذا أخذنا هذه الأرقام كأساس لتحليل الإمكانات التمويلية، فإن مجرد استعادة جزء بسيط من الذهب المهرب، عبر آليات مؤسسية محكمة، وتوظيفه في تمويل القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الزراعة، يمكن أن يُحدث تحول هيكلي في الاقتصاد السوداني (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *