الإثنين, ديسمبر 1, 2025
مقالات

دكتور علي سليمان فضل الله.. رحيل متبتل في محراب الحقوق الإنسانية

بقلم: د. ابوذر الغفاري بشير

امتازت كلية القانون جامعة الخرطوم في تاريخها بعدة معالم شكلت شخصيتها وأصبحت سمات تدل عليها، من بينها قاعة بابكر عبد الحفيظ ومكتبة بروفسير الضرير وميدان الكلية الغربي ، الذي تطل عليه قاعة العم عبد الوهاب وقاعة بروفسير أكولدا مانتير ويفتح على شارع النشاط. ومن بين هذه المعالم الدكتور علي سليمان فضل الله أستاذ القانون الدستوري وحقوق الانسان الذي مثل حضوراً مستمراً في برامج الكلية الأكاديمية ونشاطاتها البحثية ودورها المجتمعي العام طوال أكثر من ستين عام. وبرحيله يوم الخميس التاسع من أكتوبر 2025 فقدت الكلية علماً من أعلامها وركناً مميزاً فيها.

جاء علي سليمان الكلية طالباً في بداية الستينات من القرن الماضي من مسقط رأسه في شمال السودان عندما قبل بها عقب اجتيازه المرحلة الثانوية، فسحرته جامعة الخرطوم بألقها وبديع أثرها كما أخبرني في جلسة أنس نثر فيها غزلاً بديعا في الجامعة أيام زهوها، فانخرط فيها وكرس حياته لها. ويدل مختصر سيرته الذاتية على المستويات الراقية من التعليم والخبرة المميزة التي سكبها في موجات التأثير التي بثتها كلية القانون. فحصل على درجة البكالوريوس من جامعة الخرطوم ودرجة الماجستير من جامعة بيرمنجهام ودرجة الدكتوراة من جامعة لندن. وحصل على منحة فلبرايت للمتميزين من الولايات المتحدة، كما عمل زميلاً لحقوق الانسان بجامعة هارفارد، ثم استازاً بمعهد الإدارة العامة بجامعة أحمدو بيلو بنيجريا، واشتغل حيناً من الزمن خبيراً ببعثة الأمم المتحدة بالصحراء الغربية من عام 1995 حتى 2003. وقد تولى رئاسة قسم القانون العام بالكلية عدة مرات كما تقلد منصب عميد الكلية في الفترة من 1986 وحتى 1990.

كانت روح المدرس هي القوة المسيطرة على كيان د. علي سليمان تظهر في معرفته العلمية الواسعة واطلاعه المستمر وفي طيب معشره وقدرته العالية على التواصل الإنساني وخلق روابط المحبة مع الآخرين وجديته في أداء مهامه ومحاولته توصيل الخير لكل من يستطيع. وقد بادل الطلاب د. علي روح المحبة بمودة بالغة تركت بصماتها في الصلات الأسرية المتفردة التي ربطته بطلابه ومشاعر الود والعلاقات الإنسانية الراقية. ورغم أني لم أكن يوماً من بين طلابه في قاعة الدراسة كبعض زملائي الذين انضموا إلى برامج حقوق الانسان التي كان د. علي يتولى التدريس فيها، إلا أني زاملته مدرساً في الكلية فكان ملهماً لا يملك أي أنسان أن يحتجب عن تأثيره الروحي والأبوي أو أن يغيب عن معارفه الواسعة وسلطته العلمية.

من أكثر الأحداث التي ثار جدل بشأنها في علاقته مع الطلاب، صدامه مع بعض طلاب الاتجاه الإسلامي لمحاولته منع المعرض الذي أقاموه بالقرب من مكتبة الكلية خلال توليه عمادة الكلية في ثمانينات القرن الماضي، وكان مصدر ضوضاء لمرتادي المكتبة. واعتبرت إدارة الجامعة أن الأفعال التي صدرت من الطلاب الذين اشتركوا في الحادثة انتهاكا كبيراً لنظم الجامعة، وأدى ذلك إلى محاسبتهم وصدور قرار من إدارة الجامعة بتجميد دراستهم لمدة عامين. ويذكر حاج ماجد سوار أحد أفراد ذلك الصدام الذي اشتهر أنه كان صداماً حاداً، أن د. علي كان متناسياً ذلك الصدام وتعامل معه بروح المودة فقال (بروفسير علي سليمان كان من أوائل الذين تواصلوا معي لتعزيتي في استشهاد زوجتي) كما ذكر ( بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية وأنا خارج من مركز الدراسات التنموية والاقتصادية بالجامعة وتحديداً جوار معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية التقيت استاذي علي سليمان فتبادلنا السلام والتحايا وذكر لي أنه إلى الكلية ويشرف على دبلوم حقوق الانسان وطلب مني أن أسجل ضمن الدارسين منحة منه). ومثل هذه الروح الملهمة هي التي دعت لتطويق د. علي سليمان بمشاعر الود التي غمرها به طلابه وزملاؤه.

ظل د. علي سليمان طوال حياته المهنية حريصاً على نشر ثقافة حقوق الانسان وبثها بين الناس والإعلاء من القيم الدستورية. فكتب عدداً من المقالات وقدم عشرات المحاضرات وشارك في عشرات الفعاليات للدفاع عن القيم الدستورية ومبادئ حقوق الانسان. وكان صادقاً في رهبنته في محراب الحقوق الإنسانية والقيم الدستورية.

له رأي عتيد في أسباب تدهور القيم الدستورية في السودان بسرعة بعد الاستقلال مرده إلى ضيق الفترة التي جرب فيها السودانيون النظم الديمقراطية، حتى خلال فترة الاستعمار. فيقول إن النظام الذي نشأ بعد اتفاقية الحكم الثنائي اختص فيه الحاكم العام بكل الصلاحيات واستمر هذا الوضع حتى عام 1910 بنشأة مجلس الحاكم العام والذي وسع من دائرة الصلاحيات، ثم بعد ثورة 1924 حصلت ردة باعتماد النظام الاستعماري على زعماء القبائل والكيانات العشائرية. وبعد الحرب العالمية الثانية وتكوين مؤتمر الخريجين ومطالباته تم تشكيل مجلس استشاري كان قاصراً في مفهومه وممارساته. أما بالنسبة للإدارة المحلية في الأقاليم فكان يديرها مفتش المركز الذي جمع في يديه كافة الصلاحيات التشريعية والإدارية والقضائية. وعندما شكلت الجمعية التشريعية في 1948 قاطعتها التكوينات السياسية. وببدء الإدارة المحلية على نسق نظام ويستمنستر وجد الناس أنفسهم أمام تجربة لم يستعدوا لها، فكانت تحدياً أمام السودانيين في الحفاظ على نظام ديمقراطي مستقر. ثم بدأت أفكار الجزب الواحد والدورات غير الثابتة بين العسكر والمدنيين.

كان د. علي سليمان واعياً بدوره كأستاذ في مجال القانون وأفق نشاطه المجتمعي على نحو مفتوح البصيرة فذكر لمحمد القاسم اثناء إحدى القاءات بإذاعة جامعة الخرطوم أن دور علماء القانون والسياسة يشمل (التوعية بالدساتير وأنواعها وأنظمة الحكم وأنواعها والحريات العامة وحدودها وكيفية النص عليها في الدساتير يستطيعون أن يفعلوا كل هذا ويستطيعون أن يساهموا مساهمة فعالة بفكرهم في إثراء النقاش حول هذه الأمور) وقد كانت هذه الكلمات هي الأفاق التي عاش د. علي سليمان على تجسيدها والتي شكلت دوره في الحياة العامة فلا تجده غائباً عن محفل أكاديمي يمكن أن يساهم في تطوير النظام الدستوري أو يعلي من القيم الإنسانية أو يزيد من الوعي العام.

تغمد الله د. علي بوافر رحمته فرحيله غياب قامة سامقة في المعرفة القانونية والنشاط العلمي والمودة الانسانية والقيم الرفيعة يصعب أن تعوض في المدى المنظور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *