عنف جنسي رقمي ضد صانعات المحتوى على فيس بوك
تقریر: ملاذ عصام
“أكثر من عشر ردود تحمل شتائم وإیحاءات جنسیة، بعد منشور على فیس بوك، أوضحت فیه موقفي من حدث سیاسي محدد”، ھذا ما ذكرته سارة، صانعة محتوى سودانیة على منصة فیسبوك.
ھذا لیس استثناءً، بل نمط یتكرر على صفحات العدید من صانعات المحتوى الرقمي على منصة فیس بوك وغیرھا من المنصات خلال الردود والتعلیقات. عشرات العبارات الجنسیة أو التي تحمل إیحاءات ودلالات جنسیة إضافة إلى عدد من الاتھامات تظھر في التعلیقات، لتتحول إلى سلاح یستخدم ضد صانعات المحتوى، بغض النظر عن مضمون ما یكتبن، سواء كان المحتوى سیاسیًا أو اجتماعیًا أو ثقافیًا أو حتى ریاضیًا، فإن ھذه الردود المسیئة تتكرر، لتضع النساء في مواجھة عنف لفظي جنسي منظم ومُیسر بالتكنلوجیا.
وبالرغم من أن بعض الرجال یواجھون نصیبًا من ھذه الردود، إلا أن النساء ھن المستھدفات الرئیسیات، خاصة حین یطرحن قضایا عامة أو یعلنّ مواقف سیاسیة فتوجه الأطراف التي تختلف مع صانعة المحتوى في الموقف حملة تعتمد على ھذه العبارات والكلمات. وفي أوقات كثیرة، یُعاد نشر محتوى قدیم منسوب إلیھن مع إضافات مسیئة، وتبدأ موجة التعلیقات الجنسیة وكأنھا جزء من حملة ممنھجة .ونلاحظ هذه الحملات بوضوح خلال الوقت الراهن ومنذ بداية الحرب في السودان في أبريل 2023.
یتناول ھذا التقریر ظاھرة استخدام الكلمات والعبارات الجنسیة والتي تحمل مدلولات أو إیحاءات جنسیة كأداة للعنف الرقمي ضد صانعات المحتوى السودانیات على منصة فیسبوك، موضحًا كیف تحولت ھذه الممارسات من ردود فردیة إلى حملات منظمة وممنھجة تھدف إلى إسكات النساء وإقصائھن من الفضاء العام الرقمي وإقصاء الآراء المتعددة والمختلفة ودور منصة فیس بوك في استمرار ذلك. و یكشف عن ارتباط ھذه الظاھرة بالسیاق السیاسي في السودان. كما یناُقش استمرار العنف المبني على النوع الاجتماعي وتطور أنماطه مع تطور التكنولوجیا وامتداده إلى مساحات جدیدة، ویبرُز آثار ذلك على النساء وعلى تواجدھن على فیس بوك والفضاءات الرقمیة بشكل عام.
إسكات وإقصاء النساء
ھذا النمط من التفاعل لا یقف عند حدود الإساءة الفردیة، بل یتطور إلى حملات منسقة تھدف إلى إسكات النساء وإقصائھن من الفضاء العام ویظھر بشكل واضح مع الأحداث السیاسیة البارزة. ومع ضعف آلیات المحاسبة والثغرات في سیاسات فیس بوك وغیرھا من منصات التواصل الإجتماعي، تتحول ھذه العبارات إلى أدوات للعنف المبني على النوع الاجتماعي المیسر بالتكنولوجیا، تجعل الفضاء الرقمي مساحة أقل أمانًا للنساء، حیث تُستخدم الكلمات والرموز كسلاح لإخضاعھن، وإجبارھن على الصمت أو الانسحاب.
وبحسب دراسة أجرتھا منظمة بلان انترناشیونال في عام 2020 في 31 دولة من بینھا السودان، فإن فیس بوك ھو المنصة التي تتعرض فیھا النساء والفتیات للمضایقات بنسبة أعلى، كما ھو موضح في الرسم البیاني التالي الذي یُقارن بین نسب المضایقات التي تتعرض لھا النساء على عدد من المنصات.

تطور وانتشار العنف الرقمي المبني على النوع
ویُعد استخدام ھذه الكلمات والعبارات الجنسیة بغرض الإساءة لصانعات المحتوى السودانیات على فیسبوك امتداد للعنف المبني على النوع الاجتماعي في السیاقات الأخرى المختلفة. ومنذ انتشار منصة فیسبوك في بدایة الألفینات، أصبحت المنصة الأكثر استخدامًا للتعبیر السیاسي والاجتماعي لفترات زمنیة طویلة، وفي السودان مازال فیس بوك ھو الأكثر استخدامًا والأوسع انتشارًا بحسب إحصائیات منصة State Globe في یولیو 2026.
وكانت التعلیقات ذات الطابع الجنسي في البدایة تظھر كردود فردیة، ثم تطورت إلى حملات رقمیة منظمة تستھدف صانعات المحتوى -خاصة عند تناولھن قضایا سیاسیة أو اجتماعیة حساسة. ویدعم ذلك الاستقطاب السیاسي والاجتماعي، ضعف المحاسبة القانونیة ، غیاب العدالة ، صعوبة الإبلاغ، ضعف وعدم حساسیة سیاسات المنصات وآلیاتھا و دور الخوارزميات.
وخلال رصدنا لھذه التعلیقات لاحظنا زیادتھا مع الأحداث البارزة في السودان مثلًا خلال ثورة دیسمبر تجاه الداعمات للثورة، بعد انقلاب أكتوبر، وخلال حرب أبریل التي مازالت مستمرة. ونسبة لحذف كثیر من ھذه التعلیقات من قبل صانعات المحتوى أنفسھن أو من قبل منصة فیس بوك، لم نتمكن من الوصول لإحصائیات دقیقة حولھا.
التكرار والتنسیق
عبر التكرار والتنسیق والحملات الممنھجة تحولت ھذه الألفاظ والعبارات وحتى الرموز التي تحمل ذات الدلالات إلى أداة ممنھجة لإسكات النساء السودانیات على فیسبوك، وأصبحت جزءًا من استراتیجیة اجتماعیة وسیاسیة، تدُار عبر عدة مجموعات ومنظومة أكبر، لإقصاء النساء من المشاركة العامة. حیث یتم تنسیق الھجمات على حسابات النساء بشكل جماعي، فیتم اختیار أھداف محددة (نساء لھن وجود قوي على السوشیال میدیا یتحدثن في السیاسیة و القضایا الاجتماعیة)، مع تكرار ذات العبارات لإحداث أثر نفسي أقوى حیث تبدو الإساءة وكأنھا رأي عام، في حین أنھا صادرة من مجموعة صغیرة مما یخلق انطباعًا بأن المجتمع كلهیرفض وجود النساء في الفضاء الرقمي. ویتبع ذلك تضخیم الإساءة عبر مشاركة التعلیقات في منصات متعددة، وإعادة نشر محتوى قدیم واضافة تعدیلات ومعلومات مزیفة مع ذات التعلیقات.
وبحسب القانونية والناشطة النسوية ابتھال مزمل أنه وفي كثیر من الأحیان یتم استخدام حسابات وھمیة لاستھداف صانعات المحتوى مما یعني أنھا حملات موجھة ضد صانعة محتوى محددة سواء كان محتواھا سیاسي أو اجتماعي أو غیره، ویحاولوا أحیانًا من خلال ھذا السلوك إغلاق حسابات بعض صانعات المحتوى، وھذا یجعلنا نفقد كثیر من الأصوات النسائیة القویة المھمة والمتنوعة. وأشارت إلى ارتباط ھذه الأفعال بالأحداث السیاسیة والأوضاع الھشة بغض النظرعن نوع المحتوى.
مضایقات
وتؤكد نور أسامة، صانعة المحتوى الاجتماعي والناشطة في حقوق الإنسان، على وجود ھذه التعلیقات والردود على فیس بوك ضمن العدید من المضایقات الأخرى، لكن تعتقد أنھا غالبًا ما تحدث على حسب نوع المحتوى والفئة العمریة، وتتعرض لھا بنسبة أعلى الفئات الأصغر عمرًا ، و تضیف نور قائلة:
“أنا مثلًا غالبًا ما یتم التعامل معي على أنني أم ویتم تصنیفي على أنني ضمن الفئات الأكبر عمرًا، اضافة الى وجود زوجي وتواجده على السوشیال میدیا أیضًا “، فھذه العوامل بحسب ما تعتقده نور جعلت المحتوى أو الكلمات والایحاءات الجنسیة على محتواھا على فیس بوك بنسبة أقل كثیرًا من نساء أخریات.
وذكرت أن ھذه المضایقات المرتبطة بالكلمات و الإیحاءات الجنسیة تحدث بنسبة أعلى عند النقاش أو الحدیث عن تفاصیل مرتبطة بجوانب بیولوجیة فیما یخص النساء وأجسادھن وأعضاء الجسم بوظائفھا الطبیعیة المختلفة ، فمثلًا في إحدى المرات تحدثت نور عن تجربة شخصیة متعلقة بجسدھا و الحاجة لدخول الحمام كحاجة عضویة طبیعیة في لحظة محددة، فتعرضت في ذلك المنشور للعدید من التعلیقات والردود المرتبطة بالجنس إضافة للانتقادات التي اعتبرت ما كتبته جرأة، ومن ھنا انتبھت نور إلى أنھم یعتبرون الحدیث عن الوظائف الفسیولوجیة في أجساد النساء “عیب.” وأیضًا في مرة وضعت على صفحتھا في فیس بوك صورتھا وھي حامل، فواجھت العدید من الانتقادات التي اعتبرت أن ھذه الصورة أمر یدعو للخجل ویجب إخفاءه وكأنه جریمة. وتصف نور ھذین الموقفین بأنھما أكثر مواقف تعرضت فیھم لردود وتعلیقات جنسیة.
وبحسب عبیر مصطفى صانعة المحتوى أنھا عندما اختارت صناعة المحتوى والنشر على السوشیال میدیا بما فیھا فیس بوك، كانت تعرف ما یحدث ، فسَلَّحَتْ نفسھا بالمعرفة والمھارات اللازمة للتعامل مع ما سوف تواجھھ، وأضافت أنه حتى النساء اللائي یكتفین فقط بالمشاھدة على فیس بوك والمنصات الأخرى لا یسلمن من مثل ھذه التعلیقات والرود وغیرھا من المضایقات.
وترى سارة أن ھذا النوع من المضایقات یحدث بنسبة أعلى عند فتح نقاشات سیاسیة أو حول قضایا مجتمعیة خاصة عندما یكون رأی كاتبة المنشور أو صانعة المحتوى لا یتفق مع الرأي السائد.
وأكدت عدد من صانعات المحتوى و النساء المتواجدات على فیس بوك أنهن یواجھن ھذه المضایقات بشكل شبه یومي، ترافقھا ضغوطات مجتمعیة من قبل مجتمعاتھن المحلیة وأسرھن بسبب ھذه الردود و التعلیقات، مما أدى لحرمان بعض النساء في عدد من المجتمعات من التواجد على السوشیال میدیا ووصم الموجودات.
الألفاظ كسلاح
وتراوحت الألفاظ التي رصدناھا خلال التقریر ما بین تعبیرات توصم أجساد النساء ، تھدیدات بأفعال جنسیة ، اتھامات للنساء أنفسھن أو لنساء أخریات مقربات منھن أو لجمیع النساء في مجتمعاتھن أو لنساء تربطھن علاقة برجل اذا كان الرد أو التعلیق موجهلرجل . حیث یتعرض الرجال أیضًا لھذا النوع من التعلیقات.
وذكرت نور أن الرجال الموجودین في حیاتھا أیضًا یتعرضوا للھجوم ، مثل “كیف یسمح لك أھلك بقول ھذا،” ووصف زوجھا بعدد من الأوصاف مثل:
“دیوث”.وأشارت الى أن معظم الھجوم الذي تتعرض لهبسبب أفكارھا المصادمة ، وعدم ارتدائھا الحجاب فمن یختلف معھا في الأفكار یوجهنقده للملابس، وكأن عدم ارتداء الحجاب ینزع من المرأة الحق في كل شيء سواء حق المعتقد والأمور الدینیة و حتى الأمور غیر المرتبطة بالدین ، ووصفت ھذه التصرفات بأنھا محاولة للتلاعب لأنهحتى المحجبات یتعرضن للمضایقات وواصلت قائلة:” یرون أنك ناقصة عقل ولیس لدیك رأي، لأنك بنت.”
ووصفت نسویات تم استطلاعھن خلال ھذا التقریر استخدام الألفاظ والمصطلحات الجنسیة كإساءة ضد النساء صانعات المحتوى بأنها لیست مجرد إساءة لفظیة، بل آلیة تعمل ضمن منظومة متكاملة مھمتھا إسكات النساء عبر التھدید والوصم وإحساس الخزي والعار، كما أنھا تعتبر أداة اجتماعیة وسیاسیة لإعادة إنتاج علاقات القوة غیر المتكافئة بین الجنسین حیث تُحوّل المرأة من فاعلة اجتماعیة أو سیاسیة إلى جسد و أعضاء جنسیة فقط.
وفي ذلك تقول إبتھال: “في سیاق الأحداث السیاسیة والنزاعات والحروب نجد ھذا النوع من العنف یتحول لوسیلة لإسكات النساء واقصائھن من المجال العام، حتى لایتحدثن عن محتوى معین أو عن وضع محدد، ومن یفعل ذلك یفعله كمحاولة للحط من قدر النساء ویتم استھداف البعض بشكل شخصي حیث یتم توجیهاتھامات لھن حول تفاصیل حیاتھن ومساحاتھن الخاصة ھن وأسرھن”.
ویستمر استخدام ھذه الألفاظ كسلاح بنیوي خاصة عندما یتعلق الأمر بالنساء كما یحدث خلال معظم المساحات وفي السیاقات المختلفة.
سیاسات میتا وفیس بوك
وتمنع سیاسات شركة میتا وفیس بوك استخدام الكلمات الجنسیة في ھذا السیاق وتصُنفھا بحسب الطریقة التي وردت بھا كتحرش أو خطاب كراھیة أو تنمر أو تھدید أو محتوى جنسي غیر مناسب .كما تعتبرھا انتھاكًا لمعاییر المجتمع، ویتم حذفھا مباشرة عند المراجعة بواسطة الذكاء الاصطناعي والفریق البشري. ولكن یسمح فیس بوك ببعض ھذه الكلمات بحسب السیاق مثل أن تكون عامة وغیر موجھة لشخص محدد ولا تھدف للإھانة.
وعندما تعُتبر الحالة انتھاكًا أو مخالفة للمعاییر تحُذف عند الإبلاغ عنھا، ویمكن أن تغُلق الحسابات التي تتعمد تكرار ھذا النمط . حیث تؤدي المخالفة الأولى لمعاییر المجتمع إلى حصول المستخدم على تحذیر فقط دون تطبیق أي قیود إضافیة على حسابھ، وفي حال تكرار نشر منشورات مخالفة، یتلقى الحساب ضربات إضافیة تحد من قدرتهعلى استخدام میزات معینة (مثل التعلیق أو النشر) لفترات زمنیة أطول، حتى یتم تعطیل الحساب بالكامل في حال الإصرار على المخالفة بحسب ما جاء في سیاسات منصة فیس بوك ومیتا.
بلاغات فیس بوك
وبحسب عبیر مصطفى فإن احدى الخطوات العملیة التي تتخذھا في مثل ھذه الحالات ھي الحظر، حفاظًا على السلام النفسي لھا و للمتابعین/ات ، كما أنھا تتجه لإبلاغ المنصة و تقیید ظھور ھولاء الأشخاص لدیھا خاصة عندما یرسل أحدھم محتوى غیر لائق على الخاص بشكل مباشر . و تضیف ان ھذه ھي الأسباب التي تجعلھا تعمل على التوعیة بالتحرش الإلكتروني والإبتزاز وغیرھما، ودائمًا تسلح نفسھا بالمعرفة. وأضافت قائلة: “من یكتبون مثل ھذه التعلیقات أضعف من أن یواجھوا”.
وذكرت نور أنھا تتعامل على حسب التعلیق فالبعض مثلًا یبحث عن إثارة وھنا تكتفي بإخفاء التعلیق وفي حالات تتجه لإبلاغ فیس بوك. ووصفت إجراءات الفیسبوك بأنھا غیر كافیة وغیر منصفة لأن الذي یقوم بالمراجعة یستخدم الذكاء الاصطناعي فتغیب عنه كثیر من الأشیاء في لغاتنا وخلفیاتنا الثقافیة فمثلًا بعض الكلمات مقبولة لغویًا لكن ثقافیًا لھا دلالات أخرى. أو عندما یضع أحدھم صورة بغرض الإساءة ، لایُصنفھا فیسبوك مسیئة إلا إذا كانت صورة إباحیة بشكل مباشر حتى إذا أخذ أحدھم صورة من على حساب شخص ووضعھا بطریقة معینة بغرض الإساءة، ورغم انتھاك الخصوصیة فیما فعله إلا أن فیسبوك لا یتخذ إجراء ضده عند البلاغ لأنه من الصعب على فیس بوك استیعاب ذلك، ولھذا السبب لاتنجح بلاغات فیس بوك إلا في الأشیاء المباشرة مثل ارسال صور عاریة حیث تصنف مباشرة على أنھا محتوى جنسي.
واتجھت سارة إلى الإبلاغ عن الحسابات المسیئة وحظرھا، ثم واصلت نشر محتواھا. وأضافت “رغم أنھا ردود مزعجة إلا أنھا لا تقلل مني، بل تكشف ضعف من یكتبھا “.
إزالة المنشورات والتعلیقات.
وبحسب میتا فإنه ونظراً للحجم الھائل من المحتوى الذي تتم مراجعته یومیاً، فإنھا ترتب أولویات إحالة المنشورات للمشرفین/ات البشریین بناءً على : مدى خطورة الانتھاك ومدى انتشار ورواج المنشور ، ولا یؤثر عدد البلاغات على سرعة الاستجابة أو القرار.
رسم بیاني یوضح المنشورات التي تم إزالتھا من منصة فیس بوك بسبب تصنیفھا كخطاب كراھیة أو محتوى عنیف خلال الأعوام 2022, 2023, 2024, 2025, و2026 بحسب تقاریر میتا.

حیث انخفض عدد المنشورات التي تمت إزالتھا بسبب تصنیفھا كخطاب كراھیة بنسبة كبیرة بعد قرار مالك منصة فیس بوك مارك زوكربیرغ الصادر في ینایر 2025 بتقلیل الرقابة وخفض الفحص الآلي الاستباقي المسبق لخطاب الكراھیة تجنباً لـ “الرقابة المفرطة”. وقرر مارك التحول إلى نظام یعتمد بشكل أساسي على بلاغات المستخدمین/ات بعد النشر على خلاف خطاب الكراھیة، الذي تمكنت خوارزمیات میتا من الحفاظ على وتیرة رصد استباقیة نسبیاً للمحتوى شدید العنف كالإرھاب والجرائم المیدانیة لصلتھا بالسلامة الجسدیة المباشرة، مما جعل وتیرة تراجعھا أبطأ وأقل حدة مقارنة بما یتعلق بخطاب الكراھیة و ذلك بالرغم من بالرغم من ارتفاع نسبة هذا النوع من العنف اللفظي بشكل واضح في السودان منذ بداية الحرب في أبريل 2023، وتُصنف جزء من هذه الألفاظ كخطاب كراهية.
وبحسب میتا فإنھا تعمل بصورة مستمرة على تطویر وتحسین سیاساتھا، لتكتشف كل الانتھاكات والمخالفات، حیث یتم التحایل على بعض الكلمات عبر كتابتھا بشكل مختلف أو استخدام رموز وقد لاتحذف ھذه الردود و المنشورات لأن فیس بوك یعتبرھا لا تنتھك أو تخالف المعاییر. لكن في النصف الأول من ھذا العام 2026 عملت میتا على تحسین وتطویر مسارات المراجعة لتعزیز الامتثال لسیاسة التحرش والمضایقاتة حیث طوّرت أنظمة الكشف التلقائي لدیھا للتعامل مع ما یعُرف بـ “اللغة المشفرة”، مثل رصد استخدام الرموز التعبیریة التي تسُتغل كخطاب كراھیة مشفر للتھرب من الرصد البشري والآلي.
ولكن مازال فیسبوك یواجه تحدیات مستمرة مع الحملات المنسقة التي تستخدم تقنیات جدیدة مثل الذكاء الاصطناعي، و رغم التحسینات ھناك دائمًا فجوة بین السیاسات والتنفیذ العملي، خصوصًا في القضایا الحساسة مثل العنف الرقمي ضد النساء، و عندما يرتبط هذا العنف بالحروب والنزاعات.
الرسم أدناه یوضح الفجوة بین سیاسات فیس بوك والتنفیذ، بحسب دراسة انترناشونال بلان.

تطبیق السیاسات
وتؤكد میتا، مالكة فیسبوك، أن تطبیق السیاسات یختلف بحسب السیاق المحلي حیث لا تطبقّ القواعد بشكل موحّد عالمیاً، بل تراعي القوانین الوطنیة، الثقافة المحلیة، واللغة المستخدمة في كل بلد عند مراجعة المحتوى.
و للمقیمین/ات في دول الاتحاد الأوروبي، حقوق إضافیة بموجب قوانین محلیة لمكافحة خطاب الكراھیة حیث یمكنھم تقدیم طلب رسمي (قانوني) لإزالة المحتوى إذا كان ینتھك قوانین بلد إقامتھم لإزالته عبر فیس بوك إلى جانب خیار “الإبلاغ” العادي داخل فیسبوك.
البعد القانوني
وفي السودان یعتمد التعامل القانوني مع ھذه الجریمة بحسب القانونیة والمدافعة عن حقوق الإنسان شیماء تاج السر على نصوص متعددة أبرزھا قانون مكافحة جرائم المعلوماتیة لسنة 2007 (المعدل 2018)، القانون الذي یُجرم العدید من الأفعال الإلكترونیة و القانون الجنائي لسنة 1991 (المعدل 2015) یُجرم التحرش الجنسي في المادة (151). ومن النصوص القانونیة المُطبقة على مثل ھذه التعلیقات، جریمة التحرش الجنسي (المادة 151 من القانون الجنائي) والتي تنص على أن من یأتي قولًا أو سلوكًا جنسیًا غیر لائق یؤذي الضحیة نفسیاً یُعد مرتكبًا لجریمة التحرش. ویُعد مرتكبًا لجریمة إشانة السمعة (المادة 25 من قانون المعلوماتیة) كل من یستخدم شبكة المعلومات لإشانة سمعة شخص. أما توجیه إساءة أو سباب لأي شخص عبر مواقع التواصل تعتبر جریمة إساءة وسباب بحسب (المادة 26 من قانون المعلوماتیة).
وتقول شیماء أنه وبالرغم من وجود ھذه النصوص إلا أن تطبیقھا یواجه عدة صعوبات، منھا غیاب تعریف واضح للتحرش الجنسي، فالقانون لایخلو من غموض في تعریف التحرش، صعوبة جمع الأدلة، حیث تتطلب الأدلة الرقمیة (لقطات الشاشة، الروابط، …الخ)، إجراءات رسمیة للتصدیق علیھا. كما أن سیاسات فیسبوك قد تُعیق الحصول على بیانات المخالفین، وإضافة إلى ضعف آلیات الحمایة تفتقر مؤسسات الدولة للخبرة والتجھیزات اللازمة للتعامل مع ھذا النوع من الجرائم، وفي عدد من الحالات تُستخدم ھذه القوانین مثل قانون جرائم المعلوماتیة لقمع الحریات وتقیید حریة التعبیر بدلًا من استخدامه لتحقیق العدالة في مثل ھذه الحالات.
وبالنسبة لنور فیما یخص الجانب القانوني وضحت أنھا فكرت فیه لكن نسبة لصعوبة الإجراءات والتزامھا بعدد من الأشیاء الأخرى غیر المحتوى على السوشیال میدیا تأخذ منھا وقت ومجھود أصبح من الصعب علیھا القیام به، رغم أن البلاغ والمضي في الجانب القانوني ھو الرادع لعدد من الأشخاص بحسب وجھة نظرھا، خاصة الذین یعتمدون بشكل أساسي على محتوى النساء والإساءة الیھن بمختلف الطرق لكن لا أملك الرفاھیة لفعل ذلك.
وترى عبیر ان المضي في الجانب القانوني له دور فعّال في عدد من الدول، لكن الوضع مختلف في السیاق السوداني.
وتحدثت القانونیة والناشطة ابتھال عن اكتفاء معظم الحالات بالبلاغات على فیس بوك مؤكدة أن ذلك غیر كافي وغیر رادع. وأشارت إلى حالتین تابعتھما ، وقد قررتا اللجوء إلى القضاء في السودان في مطلع عام 2023 ، وقد تم الحكم في أحد البلاغین تحت بلاغ سب وقذف، وتم الإحتفاظ بالبلاغ الثاني بدون إجراء أو قرار نھائي.
التأثیر
وتواصل ابتھال حدیثھا مشیرة الى أن العنف المبني على النوع الاجتماعي عبر شبكات الانترنت له أشكال متعددة من أبرزھا ھذه الإساءات اللفظیة، وھو یستھدف بشكل خاص النساء والفتیات صانعات المحتوى والناشطات في المجال السیاسي والحقوقي ویؤثر بصورة مباشرة على حریة النساء وحقھن في التعبیر والمشاركة. كما یؤثر على سلامتھن النفسیة والاجتماعیة ، لدرجة تدفع أحیانًا بعض الشابات من صانعات المحتوى للانسحاب خاصة عندما یمتد الأثر للأسر و تصاحبه تھدیدات قد تصل للتھدید بالقتل في بعض الأحیان.
وأیضًا ذكرت نور أن ھذه المضایقات قد أثرت على وجود النساء على فیسبوك ، وھناك بنات أصبحن یخافن من التعبیر عن آرائھن أو الظھور على المنصة ، وبعض صانعات المحتوى أصبحن یفضلن التواجد في منصات أخرى غیر فیس بوك . وأشارت إلى أن شخصیات الأشخاص تتغیر على حسب المنصة وكأن أول تعلیق تتبعه بقیة التعلیقات، وبذلك أصبح فیسبوك مكان مؤذي.
وتحدثت نور عن أن فیسبوك له أثر حقیقي على أرض الواقع بالرغم من أن معظم الأجیال الأصغر سنًا مثل جیل Z تفضل المنصات الأخرى غیر فیسبوك. إلا أن صناع القرار ومعظمھم من الأجیال الأكبر عمرًا موجودین/ات على فیس بوك، وتأثیره أكبر مقارنة بالمنصات الأخرى. وھو من أوائل المنصات التي استخدمت لتغییر الرأي العام والتأثیر علیه والتأثیر على القرارات لذلك تصبح المضایقات عبره أكثر خطورة. وقد تمتد من مضایقات أون لاین إلى أذى على أرض الواقع و ھناك جرائم تحدث بسبب ذلك، ومن ھنا، بحسب ماتراه نور ، تأتي أھمیة وجود النساء فیه بدون مضایقات، لأن استھداف النساء عبر فیسبوك وتقلیل وجودھن فیه جعل صوت الرجال ھو الأعلى مما یجعل النساء في موضع ضعف.
اتساع مساحات العنف والحاجة إلى آلیات قانونیة
وبینما تتسع المساحات الرقمیة تتسع أیضًا مساحات العنف المبني على النوع الاجتماعي وتُسھم المنصات مثل فیس بوك في دعم ھذا العنف عبر السیاسات والآلیات غیر الحساسة. و كغیره من أنواع العنف تسھم عدة عوامل في زیادته مثل العمر، الحالة الاجتماعیة، الوضع الاقتصادي والمواقف السیاسیة والأوضاع السیاسیة في الدول.
وتتخذ المنظومة التي تؤسس للعنف المبني على النوع من فیس بوك مساحة جدیدة وأكثر تطورًا تُوفر آلیات وطرق متعددة لممارسة المضایقات.
وبحسب ابتھال فإن ھذا النوع من العنف یھدف لإقصاء النساء من النقاشات العامة والفضاءات الرقمیة، ویعكس خطورة العنف الرقمي كأحد أشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي، كما یبرُز الحاجة إلى آلیات قانونیة ورقابیة لجعل الفضاء الرقمي مساحة أكثر أمانًا.

