الأطفال.. جيل ضائع بين النزوح والمجهول
كتب: حسين سعد
في حرب منتصف ابريل الكارثية تحولت الطفولة نفسها إلى واحدة من أكبر الخسائر الإنسانية غير المرئية. آلاف الأطفال اختفوا وسط الفوضى التي صاحبت القتال والنزوح الجماعي، وانفصلوا عن أسرهم خلال رحلات الهروب الطويلة بين المدن والقرى ومخيمات اللجوء، بل يمثلون جيلاً كاملاً مهدداً بالضياع بين الحرب والمجهول، في ظل غياب قواعد بيانات دقيقة، وضعف أنظمة التتبع، وتفكك مؤسسات الدولة التي يفترض أن توفر الحماية لهم.
لحظة الانفصال:
في معظم الحالات، لا يحدث فقدان الأطفال بصورة درامية مفاجئة، بل في لحظات قصيرة من الفوضى والارتباك، طفل يسير مع أسرته أثناء القصف ثم يختفي وسط الحشود، عائلة تتفرق عند نقطة تفتيش مزدحمة، أطفال يخرجون لشراء الطعام ولا يعودون، انفصال أفراد الأسرة أثناء الفرار من مدينة إلى أخرى، هذه اللحظات العابرة تتحول لاحقاً إلى سنوات طويلة من البحث والانتظار، كذلك أدى النزوح الجماعي إلى خلق بيئة مثالية لفقدان الأطفال دون أن يلاحظ ذلك فوراً.
وفي معسكرات النزوح واللجوء تتلاشى الأسماء وتتكرر مأساة الأطفال غير المصحوبين بذويهم. فكثير منهم لا يعرفون أسماء أسرهم كاملة، ولا يحملون وثائق تثبت هوياتهم، كما يتم تسجيل بعضهم بصورة مؤقتة أو غير دقيقة، ويحاول متطوعون ومنظمات إنسانية إعادة جمع الأطفال بأسرهم، إلا أن العملية تواجه عقبات كبيرة بسبب كثافة الأعداد، وضعف الإمكانيات، وصعوبة الاتصالات والتنقل.
بين الاحتجاز والاستغلال:
يشكل الأطفال المنفصلون عن أسرهم إحدى أكثر الفئات هشاشة خلال النزاعات المسلحة، إذ يواجهون مخاطر متعددة تشمل الاستغلال الاقتصادي وعمالة الأطفال، والاتجار بالبشر، والتجنيد القسري، والاحتجاز غير الموثق، والعنف وسوء المعاملة، وتحذر منظمات حقوق الإنسان من أن غياب الحماية الأسرية يجعل هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للانتهاكات مقارنة بغيرهم.
لم تسلم المؤسسات التعليمية من آثار الحرب، إذ تحولت بعض المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، بينما أغلقت أخرى أبوابها بالكامل، وفي ظل هذه الفوضى فقدت أسر كثيرة الاتصال بأطفالها أثناء عمليات الإجلاء أو إعادة تنظيم أماكن الإقامة المؤقتة، لتتحول المدارس من فضاءات للحماية إلى محطات إضافية للفقد والانقطاع.
تحولت أسر الأطفال المفقودين إلى فرق بحث فردية لا تتوقف عن التنقل بين المستشفيات ومعسكرات النزوح ومراكز الإيواء، كما تتابع الصور والمنشورات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أملاً في العثور على أي أثر.
جيل بلا ذاكرة:
وفي مارس 2026، نشرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي عربي) تقريراً سلط الضوء على هذه المأساة المتفاقمة. ففي ضواحي مدينة مليط بشمال دارفور، عثرت الشابة أحلام إسماعيل على طفلين شقيقين وصلا إلى المدينة دون مرافقة ذويهما بعد رحلة نزوح شاقة من مدينة الفاشر.
وقالت أحلام إن الطفلين فقدا عدداً من أفراد أسرتهما خلال المواجهات العسكرية التي شهدتها الفاشر، وتمكنا من الفرار مع موجات النازحين سيراً على الأقدام حتى وصلا إلى مليط، حيث تكفلت برعايتهما إلى حين العثور على بقية أفراد أسرتهما.
لكن قصة الطفلين ليست حالة استثنائية، بل تعكس واقعاً أوسع يعيشه عشرات الآلاف من الأطفال السودانيين. فقد كشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن تسجيل نحو 42 ألف طفل غير مصحوب بذويه أو منفصل عن أسرته داخل السودان وفي دول الجوار نتيجة الحرب المستمرة.
وتشير البيانات الأممية إلى وجود نحو خمسة آلاف طفل منفصل عن أسرهم داخل السودان، بينما يقيم أكثر من 37 ألف طفل آخر في دول الجوار، تتصدرها تشاد بنحو 24 ألف طفل، تليها إثيوبيا بسبعة آلاف، ثم مصر وجنوب السودان بنحو ستة آلاف طفل لكل منهما، إضافة إلى أعداد أقل في أوغندا وليبيا وأفريقيا الوسطى.
كما وفرت الأمم المتحدة خدمات حماية لما يقارب 329 ألف طفل في الإقليم، من خلال 119 مساحة صديقة للطفل، تتركز غالبيتها في تشاد، فيما حصل نحو 21 ألف طفل على إجراءات “المصلحة الفضلى” التي تهدف إلى ضمان توفير الرعاية والحماية المناسبة للأطفال المنفصلين عن أسرهم وتسريع عمليات لمّ الشمل.
ورغم هذه الجهود، ما تزال الأزمة تتفاقم في ظل فجوة تمويلية كبيرة تواجه الاستجابة الإنسانية، بالتزامن مع حرمان نحو 16 مليون طفل سوداني من التعليم، وازدياد مخاطر عمالة الأطفال والتجنيد القسري والاتجار بالبشر والزواج القسري.
سؤالاً بلا إجابة:
الأطفال المفقودون في السودان ليسوا مجرد ضحايا جانبيين للحرب، بل يمثلون أحد أكثر وجوه الكارثة الإنسانية قسوة وإيلاماً. فكل طفل مفقود هو قصة أسرة معلقة بين الأمل واليأس، وحياة توقفت عند لحظة اختفاء لم تجد تفسيراً حتى اليوم، ويبقى السؤال قائماً: كم طفلاً يجب أن يضيع قبل أن تصبح حمايتهم والعثور عليهم أولوية وطنية وإنسانية عاجلة؟ وإلى أن تأتي الإجابة، سيظل آلاف الأطفال السودانيين عالقين بين النزوح والمجهول، ينتظرون فرصة للعودة إلى أسرهم، واستعادة طفولة سرقتها الحرب.

