أمهات على أبواب المجهول (40)
كتب: حسين سعد
قد يكون الموت مؤلماً، لكنه يترك وراءه حقيقة يمكن للأهل مواجهتها. أما الاختفاء، فيترك الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات، ويجعل الانتظار نفسه نوعاً من الحياة المؤجلة، ومنذ اندلاع حرب منتصف ابريل، وجدت آلاف الأمهات أنفسهن عالقات بين سؤالين لا يملكن إجابة عنهما: هل أبناؤهن أحياء أم ماتوا؟ وأين يمكن أن يعثرن عليهم؟
من المستشفيات والمشارح إلى السجون ونقاط التفتيش، بدأت رحلة بحث لا تعرف نهايتها. رحلة لا تقودها خرائط، بل صور قديمة، وأسماء، وملابس، وذاكرة أم ترفض أن تصدق أن ابنها اختفى إلى الأبد، هذه قصة أمهات لم يخترن أن يصبحن باحثات عن المفقودين، لكن الحرب أجبرتهن على ذلك.
لحظة الانكسار الأولى:
في إحدى مناطق النزوح بولاية الجزيرة، تجلس «أم أحمد» تحت ظل شجرة صغيرة، تحدق في صورة ابنها الذي خرج ذات يوم لجلب الطعام ولم يعد، تقول (قال راجع بسرعة ومارجع) جملة قصيرة تختصر مأساة أسر كثيرة تحولت فيها رحلة عادية إلى غياب مفتوح على احتمالات لا تنتهي: اعتقال، موت، ضياع أو اقتياد إلى مكان مجهول.
في تلك اللحظة، لا تملك الأم وقتاً للتحليل أو التفسير؛ فالحياة نفسها تتحول إلى مشروع واحد: البحث عن الابن ، يبدأ السؤال من المنزل، ثم يمتد إلى الجيران والأصدقاء والأقارب، قبل أن يصل إلى المستشفيات ومراكز الشرطة والسجون ونقاط التفتيش ، ومع كل باب مغلق، لا ينتهي الأمل، بل يبدأ سؤال جديد.
المشارح:
تمثل المستشفيات، وخاصة المشارح، واحدة من أكثر المحطات قسوة في رحلة البحث، هناك جثامين بلا أسماء، وملفات بلا هوية، وصور يصعب على الأهل النظر إليها طويلاً. ومع ذلك، تقف الأمهات أمامها بحثاً عن علامة صغيرة يمكن أن تقودهن إلى الحقيقة: ندبة، ملامح يد، قطعة ملابس، أو أي علامة مميزة في الجسد.
تقول إحدى الأمهات ( كنت ابحث عن اي شئ يثبت انه ليس هو أو انه هو) في هذه اللحظات، لا تبحث الأم فقط عن ابنها، وإنما تبحث عن نهاية للانتظار ، لكن حتى الموت لا يصبح مؤكداً في ظل غياب الهوية، كما أن غياب الجثمان لا يعني بالضرورة أن الشخص حي ، وهكذا يبقى الغياب مفتوحاً على الاحتمالين.
شقيقان في السجن:
تجسد قصة الشقيقين أحمد ومحمد عثمان محمد علي حمدوبة واحدة من أكثر صور هذه المأساة قسوة، في حي السبيل، الحارة 13 بأمبدة، اختار الشقيقان البقاء في منزلهما بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة، رغم المخاطر التي أحاطت بهما.
كان هدفهما حماية المنزل من اللصوص و«الشفشافة» الذين استغلوا حالة الفوضى وانهيار الأمن المصاحب للحرب لسرقة ممتلكات المواطنين ، في تلك الفترة، تحولت أمبدة إلى منطقة شبه معزولة عن محيطها. وكان المدنيون الذين يحاولون النزوح باتجاه مناطق سيطرة الجيش يتعرضون للقبض والاعتقال بحجة أنهم قادمون من مناطق سيطرة الدعم السريع.
وبين الخوف من الاعتقال وتفشي الجريمة، وجد آلاف المدنيين أنفسهم عالقين في منازلهم، يواجهون نقص المياه والغذاء، فيما تتحرك العصابات المسلحة بحثاً عن ضحايا أو ممتلكات لنهبها ، لكن أحمد ومحمد لم يكتفيا بحماية منزلهما ، كانا يساعدان العالقين، ويوفران المياه والغذاء للأسر التي لم تتمكن من مغادرة الحي، ويتدخلان لإغاثة المواطنين الذين يتعرضون لهجمات اللصوص.
يقول الصحفي عبد الباقي جبارة، رئيس تحرير موقع «ترياق نيوز»، لـ«أفق جديد»، نيابة عن الأسرة، لم تكن لهما علاقة بأي من طرفي الحرب. كان أحمد لاعب كرة قدم ومدرباً لفريق القادسية بأمبدة، بينما كان محمد متطوعاً وناشطاً اجتماعياً معروفاً عنه مساعدة الناس وتقديم العون للمحتاجين، ويضيف: ( يبدو أن سلميتهما وعدم انخراطهما في الحرب لم يكن كافياً لحمايتهما)
بعد أيام من بقائهما في المنزل، جاءت عناصر من الدعم السريع واعتقلتهما، كان ذلك يوم الأحد 14 أكتوبر 2023م ، لم تتوقع الأسرة أن ينتهي الاعتقال بموت أحد الشقيقين واختفاء الآخر ، لكن هذا ما حدث.
محمد يعود جثماناً.. وأحمد يختفي:
في اليوم التالي لاعتقالهما، عُثر على محمد مقتولاً بالقرب من ميدان نادي الربيع، الذي حوّله الدعم السريع إلى مركز احتجاز، وعليه آثار تعذيب ، وصلت جثته إلى والدته سعدية علي عثمان مدني، حاملة واحدة من أقسى الأخبار التي يمكن أن تسمعها أم عن ابنها ، لكن مأساة الأسرة لم تتوقف عند محمد ، فأحمد لم يظهر، ولم تتمكن الأسرة من معرفة المكان الذي اقتيد إليه، أو الجهة التي احتجزته، أو ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة.
ومنذ ذلك اليوم، ظلت والدته سعدية، البالغة من العمر 65 عاماً، تعيش بين ألم فقدان محمد وأمل العثور على أحمد ، مرت أكثر من ثلاثة أعوام، لكن الزمن لم يكن كافياً لإنهاء الانتظار ، فما زال جزء من القصة ناقصاً ، قُتل محمد، لكن ماذا حدث لأحمد؟ هل لا يزال حياً؟ هل ما زال في أحد سجون الدعم السريع؟ كيف ومتى نُقل بعيداً عن الخرطوم؟ هل قُتل مثل شقيقه ولم يُعثر على جثمانه؟ هذه الأسئلة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لوالدته.
يقول الصحفي عبد الباقي جبارة:
هذه الأسئلة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لوالدتهما، التي لا تعرف كيف تصل إلى سجون الدعم السريع لمعرفة مكان ابنها، ولا الجهة التي يمكن أن تمنحها إجابة حاسمة. وكلما مر الوقت، أصبح العثور عليه أكثر صعوبة، وانتظار عودته أشد ألماً، مع خروج الدعم السريع من الخرطوم، بدأت معلومات تتحدث عن نقل أعداد من المحتجزين إلى مناطق في دارفور ، ومن بين أماكن الاحتجاز التي ارتبطت بهذه المعلومات، سجن دقريس شديد الحراسة بالقرب من نيالا، حيث يُعتقد أن أعداداً من المعتقلين نُقلوا إليه وسط غياب معلومات واضحة عن مصيرهم.
بالنسبة لسعدية، لا يمثل الحديث عن معتقلين في دقريس خبراً عابراً ، إنه احتمال يتعلق بابن لم تره منذ أكثر من ثلاثة أعوام، كل خبر عن خروج معتقلين من سجون الدعم السريع يعيد إليها الأمل، وكل حديث عن جثة مجهولة يعيد فتح الجرح، فهي لا تريد أكثر من إجابة ، إذا كان أحمد حياً، تريد أن تراه حراً، وإن كان قد مات، تريد أن تعرف أين وكيف ولماذا قُتل.

