الأربعاء, سبتمبر 16, 2026
تقاريرسياسة

حرب السودان: قراءة قانونية وإنسانية في جذور الصراع وتداعياته (36)

كتب: حسين سعد

لا تمثل الحرب التي اندلعت في السودان منتصف أبريل 2023 بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مواجهة عابرة بين فصيلين مسلحين، بل هي انعكاس لأزمة تاريخية ممتدة في الدولة السودانية منذ الاستقلال عام 1956. فقد شهد السودان سلسلة من الانقلابات العسكرية في أعوام 1958، 1969، 1989، وأخيراً 2021، وهو ما رسخ دور الجيش كقوة سياسية مركزية وأضعف المؤسسات المدنية. هذه الهشاشة المؤسسية سمحت بظهور قوى شبه مسلحة موازية للجيش، كان أبرزها قوات الدعم السريع، التي نشأت في دارفور.

ويقول المحامي محمد عمر شمينا :تاريخياً، أدت هذه القوى إلى تعقيد مفهوم (احتكار الدولة للعنف المشروع)، وأدخلت السودان في صراعات داخلية متعددة على مدى العقود الماضية. الحرب الحالية لم تقتصر على العاصمة الخرطوم، بل امتدت إلى ولايات حيوية مثل الجزيرة ودارفور وكردفان، مخلفة أعداداً هائلة من الضحايا، ملايين النازحين، عشرات الآلاف من المفقودين، وانهيار شبه كامل لأجهزة الدولة.

وقدم محمد عمر شمينا تحليل للسياق العام للحرب عبر خمسة محاور رئيسية،خلفيات الصراع بين الجيش والدعم السريع، تفاقم قضية المفقودين، انتشار الحرب في الخرطوم والولايات، ثم النزوح وغياب السجلات الرسمية. بالإضافة إلى ذلك، سيتم تناول دور لجنة تقصي الحقائق الدولية ومحاكمة علي كوشيب في إطار العدالة الانتقالية والمساءلة القانونية. وسيتم تناول هذه المحاور في إطار قانوني وإنساني يربط الوقائع الميدانية بالقواعد الدولية، مع تقديم رؤية شبه أكاديمية حول أبعاد الحرب وأثرها على العدالة والحقوق الإنسانية.

أولاً: خلفيات الصراع :.
قوات الدعم السريع نشأت في دارفور مطلع الألفية، واستخدمها نظام البشير لقمع التمرد المسلح هناك، حيث ارتكبت انتهاكات واسعة ضد المدنيين بما يشمل القتل والتهجير القسري وحرق القرى. عام 2013، تم تحويل هذه المليشيات إلى قوة شبه نظامية تحت اسم (قوات الدعم السريع)، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مع تبعية شكلية للجيش الرسمي، لكنها احتفظت باستقلالها التنظيمي وموارد مالية كبيرة عبر السيطرة على مناجم الذهب والتجارة الحدودية.

العلاقة المتوترة مع الجيش
الجيش ظل يعتبر الدعم السريع تهديداً لهيبته ووحدته. بالمقابل، استغل الدعم السريع دوره في النزاعات الإقليمية لجذب شرعية سياسية واقتصادية. هذه العلاقة المتناقضة، بين شراكة استراتيجية وتنافس وجودي، شكلت قاعدة للصراع المستمر بين الطرفين.

الفترة الانتقالية (2019–2021)
بعد سقوط البشير في أبريل 2019، لعب الدعم السريع دوراً محورياً في قمع الاعتصام أمام القيادة العامة، وهو ما رسخ صورته كقوة سياسية وعسكرية مستقلة. أصبح حميدتي نائباً لرئيس مجلس السيادة، مما منحه سلطة سياسية رسمية، لكنها لم تخفف التوتر مع الجيش حول النفوذ العسكري والسياسي.

الانقلاب وأزمة الدمج العسكري
انقلاب 25 أكتوبر 2021 عرّض اتفاق الدمج العسكري لأزمة حادة. الاتفاق الإطاري (ديسمبر 2022) نص على دمج الدعم السريع في الجيش، لكن الخلاف حول الجدول الزمني كان محورياً: الجيش طالب بدمج سريع (عامان)، بينما أصر الدعم السريع على عشر سنوات. هذا الخلاف لم يكن فنياً فقط، بل وجودياً، الجيش يرى الدمج شرطاً لاستعادة هيبته، والدعم السريع يراه تهديداً لبقائه.

يُصنف الصراع كـ(نزاع مسلح غير دولي) يخضع للمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني. القواعد الأساسية تشمل،حماية المدنيين، حظر التعذيب والإخفاء القسري، وضمان المعاملة الإنسانية للمحتجزين. غير أن الانتهاكات الميدانية كانت واسعة، مما يضع مسؤولية قانونية مباشرة على الطرفين.

ثانياً: تفاقم قضية المفقودين:
إعتبر شمينا قضية المفقودين بانها من أبرز الانتهاكات الإنسانية للحرب، حيث يقدر عددهم بعشرات الآلاف، بينهم نساء وأطفال وناشطون سياسيون. غياب الشفافية الرسمية يزيد من صعوبة توثيق هذه الحالات والتحقيق فيها، الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006) تحظر الاختفاء ، وتؤكد حق الضحايا في معرفة الحقيقة ومساءلة الجناة..

القانون الدولي الإنساني يمنع الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، ويُلزم الأطراف بتسجيل المحتجزين وتمكين ذويهم من التواصل معهم، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية إذا ارتكب على نطاق واسع أو منهجي، لبنان فقدان نحو 17 ألف شخص خلال الحرب الأهلية، وما زالت آثارها القانونية والسياسية مستمرة، وفي البوسنة أدت المقابر الجماعية إلى تدخل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، وفتحت آليات العدالة الانتقالية، غياب المفقودين يترك عائلات بلا معيل، محرومة من الحقوق القانونية مثل الميراث، الوصاية، ودفن موتاها بكرامة. كما يضعف التوثيق الرسمي إمكانية التعويض أو إعادة الإدماج الاجتماعي للضحايا.

ثالثاً: تمدد الحرب بالولايات:
الخرطوم شهدت أعنف المعارك، مع استخدام الطيران والقصف المدفعي داخل الأحياء السكنية، وتدمير المستشفيات والمطارات. السكان تعرضوا للحصار، نقص الغذاء والدواء، وانقطاع المياه والكهرباء، كما تحولت ولاية الجزيرة إلى ساحة قتال، ما أدى لانهيار الزراعة ونقص الغذاء، إضافة إلى نزوح مئات الآلاف من القرى الزراعية. حالات المفقودين ارتفعت بشكل كبير نتيجة عمليات الاعتقال العشوائي، كما عادت دارفور لمشهد النزاع مع تصاعد العنف العرقي وتهجير المدنيين. ارتفعت أعداد المفقودين وظهرت جرائم التطهير العرقي في بعض المناطق، ولفت شمينا الي ان ولايات كردفان والشمالية ، و شهدت حصاراً طويلاً، وانقطاعاً للإمدادات الحيوية، ما أدى إلى كارثة إنسانية مركبة تشمل النزوح الداخلي والمفقودين المدنيين، وقال شمينا ان انتشار الحرب أدى إلى انتهاكات تشمل: قتل المدنيين، تدمير الممتلكات المدنية، استخدام الحصار كسلاح حرب. هذه الأفعال تُصنف جرائم حرب وفق القانون الدولي الإنساني والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

رابعاً: غياب السجلات الرسمية
الحرب أدت إلى نزوح أكثر من عشرة ملايين سوداني داخلياً وخارجياً، في أكبر أزمة نزوح بالعالم حالياً النازحون الداخليون يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم بجانب تحديات قانونية وإجتماعية، كما أدي توقف عمل أجهزة الدولة المسؤولة عن السجلات المدنية أدى إلى فقدان الأطفال لهويتهم، صعوبة إثبات الملكية، وعقبات أمام العدالة الانتقالية، ونبه شمينا الي ان غياب الوثائق الرسمية يعيق التوثيق والتحقيق، ويؤثر على إمكان مساءلة الجناة. المبادرات المجتمعية لتوثيق الانتهاكات تمثل حلاً جزئياً، كما حدث في رواندا والبوسنة، والالتزامات القانونية المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي تفرض حماية النازحين، القانون الدولي الإنساني يمنع تهجير المدنيين قسراً إلا للضرورات العسكرية القصوى.

خامساً لجنة تقصي الحقائق الدولية
في أكتوبر 2024، صوّت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لصالح تمديد مهمة لجنة تقصي الحقائق الدولية بشأن السودان، بهدف التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني المرتكبة منذ بداية النزاع في 2023. اللجنة تعمل على جمع الأدلة والشهادات من الضحايا والشهود، وتوثيق حالات القتل، والاختفاء القسري، والتعذيب، والاعتقالات التعسفية، والتهجير القسري. كما تقدم اللجنة تقارير دورية لمجلس حقوق الإنسان، وتوصيات بشأن المساءلة والملاحقة القانونية للمسؤولين عن هذه الانتهاكات.

محاكمة علي كوشيب
في يونيو 2020، بدأت المحكمة الجنائية الدولية محاكمة علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم (علي كوشيب)، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور بين عامي 2003 و2004. تُعتبر هذه المحاكمة خطوة هامة في تحقيق العدالة للضحايا، وتُظهر التزام المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، بغض النظر عن موقعهم أو سلطتهم. تُعد محاكمة كوشيب سابقة قانونية مهمة، حيث تُظهر إمكانية محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم دولية حتى بعد مرور سنوات على ارتكابها.

الخاتمة والتوصيات:
تُظهر الحرب الحالية في السودان تعقيدات تاريخية وسياسية عميقة، حيث تتداخل عوامل الصراع الداخلي مع التدخلات الإقليمية والدولية. إن غياب المؤسسات المدنية، وتفشي المليشيات المسلحة، وتدهور الوضع الاقتصادي، كلها عوامل ساهمت في اندلاع النزاع وتفاقمه. ومع ذلك، فإن هناك خطوات إيجابية نحو تحقيق العدالة والمساءلة، مثل عمل لجنة تقصي الحقائق الدولية، ومحاكمة علي كوشيب، التي تُظهر التزام المجتمع الدولي بملاحقة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، واقترح محمد شمينا حزمة من التوصيات شملت تعزيز دور لجنة ، تقصي الحقائق الدولية ويجب دعم عمل اللجنة من خلال توفير الموارد اللازمة، وتوسيع نطاق التحقيقات لتشمل جميع المناطق المتأثرة بالنزاع ، و تسريع إجراءات محاكمة المسؤولين عن الجرائم كما يجب العمل على تسريع محاكمات الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم دولية، وتوفير الدعم اللازم للمحاكم الوطنية والدولية للقيام بدورها بفعالية ، ودعم جهود العدالة الانتقالية يجب دعم جهود العدالة الانتقالية في السودان من خلال إنشاء آليات للتوثيق، والمصالحة، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، تعزيز التعاون الإقليمي والدولي يجب تعزيز التعاون بين السودان والمجتمع الدولي، بما في ذلك المنظمات الإقليمية والدولية، لتحقيق السلام والاستقرار، ومكافحة الإفلات من العقاب، إعادة بناء المؤسسات المدنية يجب العمل على إعادة بناء المؤسسات المدنية في السودان، وتعزيز سيادة القانون، وضمان حقوق الإنسان، من خلال إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة، إن تحقيق هذه التوصيات يتطلب إرادة سياسية قوية، وتعاوناً بين جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة السودانية، والمجتمع المدني، والمجتمع الدولي. فقط من خلال هذه الجهود المشتركة يمكن للسودان أن يتجاوز أزمته الحالية، ويحقق السلام والعدالة لجميع مواطنيه. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *