الإثنين, فبراير 26, 2024
مقالات

المطامير والغناء.. أو في ذكرى رحيل عبد العزيز آدم “عزو”

بقلم: محمد بدوي

جاء رحيله معلنا رحيل ثالث عاشق إلتصق وجدا ب” بمريا”، فقد رحل صلاح أحمد ابراهيم، لحق به الفنان حمد الريح، وهاهو عبد العزير آدم عبدالمطلب ” عزو” لحق بالركب في يناير ٢٠٢٣، هو مثله وآخرين في بقاع السودان المختلفة الذين لم تتاح لهم فرص الظهور الجماهيري خارج نطاق جغرافي محدود، ظلت سيرته يعرفها سكان دارفور وبشكل أوسع شمالها حيث مسقط رأسه مدينة الفاشر، العام ١٩٨٦ عقب سقوط الدكتاتور التاني المشير جعفر محمد نميري كانت التفاتتي نحوه في حفل بنادي النهضة الثقافي الاجتماعي بالفاشر، جاءت الانتباهة حينما صعد الي المسرح وأمسك بالميكرفون قدم نفسه عبدالعزيز محمود، شرق الحضور بالضحك فكان قد قرن اسمه بإسم والد الحسناء التي كانت قبله في المسرح، هكذا كان يدفع بالود والمرح قبل بهجة الغناء، التزم بعضوية فرقة فنون دارفور التي تأسست في العام ١٩٤٦ حتي غيب حضورها إنقلاب الانقاذ في ١٩٨٩ فحرمت من عقد أنشطتها بدار الآداب والفنون، إقتربت منه في العام ٢٠٠٧ أثناء بعد الورشة الفنية التي أقامها مركز الأمل لعلاج وتأهيل ضحايا التعذيب بالفاشر والتي استهدفت ما قارب ٤٠ من المبدعين في مجالات العزف، الغناء، التشكيل والمسرح أشراف عليها مجموعة من المسهلين، الدكتور كمال يوسف من التشكيلين الاستاذان صلاح ابراهيم ” صلاح أبوسيل” وعلى الأمين والأستاذ المسرحي ربيع يوسف مع دور مقدر في الاشراف، لأحمد جمعة النور وشهاب قاسم وبقية الزميلات والزملاء بمركز الأمل آنذاك، عقب نهاية الفعالية سمح المركز الذي كان قد وفر مجموعتين من الآلات الموسيقية، لفرقة فنون دارفور بإقامة تدريباتها بمقره في الامسيات عقب دوام العمل حيث أشرف عم آدم الذي كان يعمل في وظيفة الحارس بالمركز على ترتيب وتسهيل عقد الانشطة بهمة واقتدار، ظل بعض الرواد يحرصون على حضور التدريبات الموسيقية للاستماع فاذكر الصديق ابراهيم محمد ابراهيم السناري الذي كان بحكم قرب سكنه من مقر المركز وافر الحضور، في احدي تلك اللقاءات جاءت برفقة عزو صبية كانت في حوالى الرابعة عشر من العمر، وهو جزل البسمات قدمها لنا معرفا ” مريا “، اعقبها بمحاضرة عن قصيدة مريا وسيرة صلاح احمد إبراهيم قبل أن يغوص شاديا بها بصوته الشجي، غادرت السودان عقب ذلك بعام وعدة أشهر وامتدت السنون إلي أن رن جرس هاتفي أستغرق والي جل المحادثة في نقل ردة فعل عزو عقب نشري لسيرته في أحد اجزاء مجموعة ” وجوه سرد من شارع الحياه اليوماتي” التي صدرت اجزاءها ال٥ من دار أوراق للطباعة والنشر بالقاهرة ثم الجزء السادس من دار رفيقي بجوبا، جنوب السودان، كان قد التقط الكتاب من مكتبة علم الدين بالفاشر ثم هرع الي منزل أسرتي مسكونا بالغبطة وحاملا لعبارات الأعزاز على التوثيق الذي وجد عنده التقدير ثم أودع تحاياه لتصلني اينما كنت، في ٢٠١٧ في أحد مساءات المنافي وصلتني منه ثلاث نصوص كنت قد طلبتها لأغاني تراثية ظل يرددها حرصت على ذلك في سياق التوثيق لها عام لعامين آخرين تبدل الحال فهاهم عزو ورفاقه قد عادوا إلي دار الآداب والفنون لممارسة أنشطتهم الموسيقية مره آخري عقب ثلاثة عقود حسوما من عسف وقسوة حكم الاسلاميين، احتمي حينها عزو بسلاح الموسيقي مؤديا في فرقتها في سياق وطني كما ظل حضورا في فرقة الغناء الشعبي ليجمع بينها والغناء الحديث، على ذكر الاسلاميين فقد ظل يتندر عليهم كلما سنحت له خصوصية المجلس ففي عام ٢٠٠٧ اثناء انعقاد ورشة المبدعين بالفاشر استدعاه وزير الثقافة ليعرف عما يدور فما أن خرج منه الا وحضر الينا منبها للتحسب من غدر المغول، وقد كان ان فوجئت بعد فترة قصيرة في توقيت تجاوز الرابعة عصرا بقليل بطرق على باب المنزل، سلمني الطارق ظرف بداخله مكتوب من ورقة واحدة كان قرارا صادر من وزارة الثقافة بتشكيل لجنة للاحتفال باليوبيل الذهبي لفرقة فنون دارفور وكان اسمي مقررا فيها، فقد صدق عزو فهاهم يودون تجيير عودة الفرقة واستغلالها سياسيا، لم ابه بالمكتوب لأني كنت على ثقة بان الوزير لا يعرف تاريخ فرقة لا يحمل قيمة للفن، لم يمض وقت طويل حتى حمل بث اذاعة الفاشر لقاء مع الوالي الأسبق عثمان محمد يوسف كبر آنذاك أن لم تخني الذاكرة فقد كان المحاور المذيع خالد ابورقة، جير كبر لنفسة علاقة بالفرقة حينما حاول الالتفاف مستغلا استرسال لغوي لينسب نفسه الى عضويتها باعتباره من الرواد الذين كانوا يحضرون في وقت سابق تدريباتها

تقابلنا مرة اخري في ٢٠١٩أثناء زيارتي للديار، فمنزل أسرتي لا يبعد سوي أمتار من دار الآداب والفنون الذي دب فيه النشاط صباحا لروضة الوكالة ,العصريات للموسيقيين والفنانين والمساء نادي لأنشطة شباب ولجان المقاومة بحي الوكالة، حيث تشرفت بتقديم ندوة بدعوة سأظل ممتنا بالتقدير لها وهنا اذكر من كانوا خلف ذلك دون القاب فالمقامات محفوظة، أحمد السنهوري ،ياسر حسن محمد صالح، وسام الشاذلي، الطيب موسي، أحمد زيدان،واخرين كانت عن الثقافة والسلام والعدالة الانتقالية رغم ثقل المحاور كانت احدى الامسيات المفعمات بالحوار والمؤانسة الثقافية أخص من خصوني بالتكريم من حزب السودان الجديد اسماعيل محمد على فضل، حسين على , مهند حسون، والزملاء من الحزب الشيوعي السوداني الذين مثلهم سالم أحمد سالم، عبدالباقي واخرين الي جانب الاستاذ الرشيد مكي من الحزب الاتحادي الديمقراطي، الاستاذ قاسم الفكي من مجموعة التنمية من الواقع الثقافي رغم اعتذاره للمغادرة مبكرا ، و كان عزو وفرقة فنون دارفور الذين إمتد الفراق بيننا طويلا جرت خلالها مياه كثيرة تحت الجسر منها مصادرة جهاز الأمن للآلات الموسيقية التي كانت مصاحبة للورشة التدريبية في ٢٠٠٩، بدأ عزو بأغنية الراحل العطبراوي يا بلادي فاشعل المكان والحضور بالانتماء الي عبق الحرية المرتجاة منذ سقوط الدكتاتور البشير والحركة الإسلامية من السلطة.

سيرة عزو وفرقة فنون دارفور تأخذ بعيدا الي روادها الاستاذ الانيق على احمداي والبهيج عازف الكمان عشر، وعم موسي وكل اعضاء الفرقة التي غاب عنها في وقت بعيد الفنان سانتو الذي ظلت الاخبار تشير الي ان وجهته كانت غربا نحو تشاد، والفنان المعلم حمودة حمد النيل الذي غاب عنها لظروف العمل آنذاك بالجنينة لكن ظلت عودته للمدينة عنوانها حضور البروفات مع الفرقة.

الفاشر يا بلدي ليك … مني سلام، ستظل من الاغنيات الخالدات، التي كلما ترددت ارتقيت حنجرة عزو انيقة تجوب ضواحي الزيادية، اولاد الريف، العظمة وبقية احياء الفاشر فهي تمثل محطة انتقال الاداء من المنولوج إلي الغناء الحديث .

هاهو عزو يرحل يا ” مريا” تاركا فينا روحك والاغنيات وجميل السير، فعزو التصقت سيرته بحب كبير وحضور بهي، فلكل الاصدقاء الذين كانوا حضورا في حضرته استاذنا محمد المحجوب عبدالله، شهاب قاسم، عم ادم، ابراهيم السناري واحمد جمعة، وضاح الشاذلي، جمال بخيت وكل من مروا عبر جسر الالفة واللقاءات الحميمة .

النص المنشور بوجوه ٣ في العام ٢٠١٤

عبدالعزيز

ليت لي ….يا (مريا)

أزميل فدياس

وروحاً عبقرية

يا (مريا) ……..يا (مريا)

يجعلك ( شدو ) عبدالعزيز(عزو) تنحاز طوعاً الى ( رغبة ) الروح المسورة (بالوله) ، لترتفع من مقام الإنصات الموسوم (بالرزانة) و (فرقعة ) الأصابع الى (سٌكر) جزل، لتنداح بلا تردد و أنت تهز (الرأس) في تناغم فالقلب سكنه (التطريب) فتنازل الخاطر تحريضا عن وقاره.

فيا (مريا) ليست أغنية ولحن تخرج من حنجرة (عزو) بل هي تنساب في (تجسيد) نزل فيه كل حرف بما يوازيه من (لحن) ، فصار كل مقطع يبث للاحقه (شجوه) مسبوقا ب(ليت)، ليتسلسل ذلك (الشجن الشفيف) بصوت (عزو) كأنه يؤديها أمام (صلاح أحمد إبراهيم) و يخشى الأ يستطيع أن يدوزنها بالإحساس ما (صبا إليه)

أنتمى (عزو) الى (مريا) ، ودًا لا (يلين)، لذا لم يتردد في أن يرفعها الى مقام الحب ، لتراها تخرج( شعاعًا) من عينيه و(وجدًا) من فؤاده و (لحنا شجيا عبقريًا ) ليضمها ( قلبه ) في عشق (لا يفتر) حتى أطلق على طفلته البكر أسم (مريا) ، تيمناً صوفياً الهوي .

(عزو) ( بنى اَدم ) تجذبك نحوه ابتسامته اللدنة فهي (تبرق ) بالحميمية لتخلق طقساً من المودة ينحاز سريعًا جدًا الى مجرى الدم ، فهو (فنان) عرف كيف يسجى وشائج الألفة بينة و مزاج المدينة فتربع (سلطاناً) على أمسياتها شادياً مغني.

في ذاكرة المدينة الشفاهية وفى ركن (جبل) على( السُكون ) بقيود اجتماعية انحازت ظاهرياً الى قاموس( الحياء) و (الوقار) ، لكن لم تكن حقيقتها سوى فعل (مقهور) يعزز كبت( البوح) والانفعال (الجهري) من الأناث نحو ما (يعجب) و( يسر البال).

(عزو) مطربا (مستنيرَا) ، عرف كيف يشرع قلوب الصبيات ويريح عصب الترطيب هازمًا في ذكاء، (متاريس) القيود التي تجعل من التطريب حالة ذكورية في (الفضاء العام) فظل يحرص حين يصعد الى المسرح ليبدأ مهنئا كيفما (يكون الحال) ثم يتعمد أن يعرف نفسه ب(عبدالعزيز) (عزو) ملحقاً اسم عائلة( العريس أو العروس) الى أسمه ليصبح (ود البيت) ، معمقا بذلك أواصر شدوه فيصير التطريب حالة مشروعة للجميع والرقص تعبير أنساني لا علاقة له (بالنوع).

سنين (عجاف ) أجبرت كثيرا من الحبال الصوتية أن تنشد (منلوجات الموت) و ترنو ساخرة من (نعيم الدنيا)، صمد (عزو) متحصناً ب(أهازيج الحماسة) و ليس منحيا لما أراد (المغول) ، فهو يدرك أن (المغول) لا يدرك أن للموسيقى و للغناء إنتماء (للحياة ) و انحياز مقدس (للروعة ) واصطفاف ملتزم نحو (الجمال).

عزو) ليس (مغنى ) فحسب فهو ( نكتة ) تنثر ضحكتها عبقاً في شوارع أحياء المدينة، في تناغم حميم يبدأ من (حي دادنقا) جنوبا ، ليفوح عطر حضوره في السوق الكبير فالحبل السري تربطه (ذكريات) و سنين (عامرة ) ضربت جذورها عميقا قبل أن يطل (المغول) .

للحكي أمزجته و للمكان (ألفته) و ل(عزو) مزاج من (كيف ) ، فحين يحكى ترتبك الأحزان لترحل بعيداً، لأن نسج حديثه تواريخ التصقت بالفرح لا تعتمد على أيام أو شهور السنة ، بل يبدأ السطر الأول فيها ب (حفلة عرس فلان) ، ثم ينداح السرد مروراً ببهجة الأغنيات ورشيق الرقصات و في الخاطر (شخوص) يكفى البوح عنهم بالابتسام ، فحروف اللغة أقصر مقاما (أو قل الدهشة فعل توازيه الشهقة)

(عزو) ذاكرة الفرح التي شكلت جزء من وجدان (المدينة) فبادلته كل أغنية بشبال ، فحين توقع الموسيقى ل(مريا) يصمت الصمت لذاك الشدو النبيل ، (فعلى الأجفان لغز لا يفسر …يا مريا).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *