السبت, نوفمبر 29, 2025
تقاريرسياسة

نساء الجزيرة.. ضحايا بين نيران الحرب ووصمة المجتمع

شرف الحرب… فواتير تدفعها النساء وحدهن

تقرير: مدنية نيوز

خلال فترة الحرب في ولاية الجزيرة واجهت النساء أنماطاً متعددة من العنف، وكانت أجسادهنّ ساحات معارك لمن يحملون السلاح ويقتلون بالرصاص ولمن يحملون القيود الاجتماعية والوصمة ليقتلوا النساء برصاص المجتمع أيضا.. تموت النساء في الطرقات برصاص العدو ويمُتن في البيوت برصاص الأهل وأحباء القلوب لأن المرأة لا قيمة لها بلا شرف.. شرف الحرب دفعته النساء في مراحل متعددة، خلال هذه المساحة تقف (مدنية نيوز) على إفادات الناجيات من حرب الجزيرة حول أنماط العنف التي تعرضن لها خلال فترة النزوح وكيف دفعن الفاتورة، ماذا فعل المجتمع لحمايتهنّ وكيف عاد لمحاسبتهنّ على جرم لم يرتكبنه؟!.

تجويع نساء..

عندما خرجت (ع) من قريتها بعد أن اشتد عليها الجوع هي وأطفالها لتبحث لهم عن لقمة عيش حتى لا يموتوا امام عينها، لم تجد عملا لأن سوق العمل يسيطر عليه الدعم السريع ويضع شروطا صعبة للعمل أولها المظهر، العرق وممارسة الأعمال الجنسية، خرجت لا تطمح في شيء وتوقعاتها فقط في أن تعمل، لم تتوقع أن يتم استخدامها في سرقة المؤسسات، إذ كانوا يقومون بفتح المحلات والمصانع للنساء ويجبروهن على النهب، إذ يقومون بفتح مصانع الزيت والطحنية للنساء البيض ذوات القوام الممتلئ ويفتحون متاجر الملابس والأواني بعد نهب الأشياء القيّمة للنساء الذين يرون أنهنّ غير جميلات بحسب اللون والعرق.. لم تتوقع (ع) أن يجبروها على نهب متجر أواني تعرف صاحبه جيدا لكنه الجوع، فبعد أن أكملت مهمتها أعطوها جوال أرز وأجبروها أن تعود لقريتها سيراً على الأقدام (فهي لم تكن جميلة حتى تفوز بأحدهم ليقّلها للمنزل)، فبعد ان سارت لمدة ساعتين وهي جائعة اضطرت الى أن ترمي جوال الأرز حتى تتمكن من أن تجر قدماها لتعود إلى المنزل.

نازحات من ولاية الجزيرة في حلفا الجديدة رويترز/ الطيب صديق

حبس إجباري وأجساد بلا حماية:

في الجزيرة تعرضت معظم النساء ممن لم يضطررن للعمل للحبس الإجباري خلال فترة الحرب، فلم يكن بمقدور أي أمرأة التجول حتى في قريتها الصغيرة خوفاً من الانتهاكات الجنسية فقد ظلت القوات تصرح بشكل يومي بأن مهمتهنّ الأساسية كما الحرب هي انتهاك أجساد النساء وفي مناطق محافظة يعتبر فيها ذكر اسم المرأة فقط هو جريمة كبرى ناهيك عن التهديد باغتصابها وانتهاك جسدها، كل هذا اضطر النساء للمكوث داخل المنازل لا يخرجن منها إلا للطبيب وفي حالات الطوارئ الخطرة، فعندما خرجت (ج) على عربة كارو بعد اشتد ألم الولادة على بنتها، كان الجميع يضطرون لقطع مسافات طويلة وسط الأشجار والمياه متفادين الطرق الرسمية خوفا من نقاط التفتيش، تحملت ابنتها وهي تتألم السير على حافة قنوات المياه والمزارع إلا أنه ولسوء الحظ عثروا عليهنّ في طريق الهروب هذا احتجزوا الرجال وقاموا بتفتيش بنتها حتى في مناطقها الحساسة وقالوا لها أن المولود هذا سنأخذه منك فور ولادته وفي عز انشغال زوجها وخالها بها تم خطف والدتها عبر عربة (تاتشر) لتجد نفسها في الخرطوم ولم تعد إلا بعد يومين هاربة منهم مختبئة داخل جوال لليلتين في إحدى أحياء الخرطوم لتعثر عليها قوى أخرى وتعيدها لكونها مرأة كبيرة غير مرجو منها.

من البيوت إلى الفيافي: رحلة البحث عن الأمان المستحيل

من أنماط العنف التي تعرضت لها النساء أيضا الخطف فقد كان يتم اختطاف النساء من الأسواق، المنازل أو خلال رحلة النزوح. فعندما يعرف أبناء القرى الذين يحرسونها في الأطراف بقرب دخول قوات الدعم السريع للنهب والسرقة وأكيد الهدف الأول هو هتك أعراض النساء، يقوم الرجال بجمع كل النساء في منزل كبير بعيد ويغلقون عليهنّ الأبواب يتركون البيوت فارغة ويتحملون هم الجلد بالسياط وربما القتل لأنهم أخفوا النساء، أيضا تتضطر النساء والأطفال للعيش في الغابات، خلف قنوات الري والمزارع مع الأفاعي والعقارب والحشرات لأيام طويلة هربا من البطش والعنف أحيانا يقضين الليل كله في المزارع والغابات ويعدن للمنازل في الصباح إلا انه وخلال الفترة الأخيرة أصبح العراء هو المأوى والمنازل هي الجحيم!!… كل هذا لتجنب الخطف والاغتصاب ولم تسلم النساء من ذلك، إذ كانوا يتصيدون حفلات الأعراس لخطف العروسات والبنات الجميلات فقط للانتقام من المجموعات العربية على حد قولهم؛ لم يتوقفون على ذلك بل ظلوا ييتبعون البنات لبيوتهنّ وتهديد الأهل بتسليمهنّ البنات وبهذا السبب مات كثير من الرجال ليفدون بناتهم خوفا من وصمة العار.

سيدة تحكي ما عانته في ولاية الجزيرة OCHA

قروح الحرب… وقلوب تنزف صمتاً

خلال رحلة النزوح لاقت النساء أشكال من العنف والإهانة التي لا يتصورها العقل من البيوت وإلى مراكز الإيواء، رحلات مريرة سلكتها النساء مشياً على الأقدام أكثر من أسبوعين بعد أن جردهنّ المسلحين حتى من أحذيتهنّ، وصلن مراكز إيواء غير مهيأة لاستقبال نساء أقل أذى لاقينه تقرحات عميقة في الأقدام وقروح غائرة في القلوب. خلال الفترة التي قضينها في الشوارع تعرضن للجوع، المبيت تحت أشعة الشمس، الاغتصاب امام أبنائهنّ أزواجهن وإخوانهنّ كأحد أنماط العنف الشائعة التي يمارسها الدعم السريع لإذلال نساء الجزيرة خلال الحرب، إذ تحكي (غ) أنها وعند خروجها من قريتها كانت حريصة على اصطحاب أطفالها وزوجة اخيها الحامل ووالدتها الكبيرة في السن، وتروي: بعد أن قطعنا ثلاث أيام بلياليها سيراً على الأقدام، داهمت آلام المخاض زوجة أخي ونحن مختبئون خلف حقول الذرة في وقت كانت تهطل فيه الأمطار بكثافة، فبكل تأكيد كان مصيرها الموت هي ومولودها الذي لم يرى النور، اضطرت (غ) لدفنها في الخلاء بمساعدة والدتها واطفالها، وواصلوا السير تاركين جزء من روحهم هناك، بعد مسافة ثلاثة أيام مشياً فقدت والدتها لتضطر لدفنها هي وأطفالها وبالطبع لا حلول أمامهم غير مواصلة السير. هذا ما يمكن حكيه غير أن هناك الكثير من القصص التي حدثت للنساء في الجزيرة والتي ظلت هي وجروحها حبيسة القلوب، قصص تدمي العيون إلا أن قيود المجتمع منعت النساء من أن يتحررن منها.

أنماط حماية..

ولطبيعة المجتمع المحافظ ومثل كثير من الولايات لم يقف المجتمع مكتوفاً تجاه هذه الانتهاكات ولم يتردد يوما في ابتكار طرق لحماية النساء خلال فترات سيطرة الدعم السريع على ولاية الجزيرة؛ فقد كان الرجال يقومون بجمع النساء في منازل مهجورة خلال فترات المداهمات ويقومون بردم أبواب المنازل بالأشواك لتمويه المسلحين بأن القرية خالية من النساء؛ أيضا دفع الأهالي أموال طائلة للمسلحين حتى يتمكنو من حماية النساء والأطفال من مخاطر الاختطاف، الاغتصاب والزواج القسري. في معظم القرى ابتكر الناس التصفير (الصُفّارة) لتنبيه النساء بدخول المسلحين للقرى حتى يتمكن من الاختباء تحت الأسِرة، في المخازن، وسط جولات المحاصيل، في المراحيض وخلف الأشجار والنيل. من أبرز أشكال الحماية المحلية للنساء كانت تجميع الفتيات، الأطفال والنساء في قرى آمنة وبيوت القيادات الأهلية والشيوخ والتي كانت نوعا ما لديها قدسية لدى الدعم السريع إلا أنه مؤخراً اكتشفوا ذلك ولم تسلم النساء الموجودات داخل الخلاوى وحتى دور العبادة من الانتهاكات الوحشية.

الموت مقابل الشرف:

بالرغم من أشكال الحماية التي قدمها المجتمع للنساء بالجزيرة وبالوسط عامة إلا ان هذا كان خوفا من وصمة العار، إذ كان الرجال يموتون حتى لا تتعرض بناتهنّ أو زوجاتهنّ لأي نوع من أنواع الانتهاك الجنسي وتعرضو في سبيل ذلك للقتل، السحل، وأُصيب كثير منهم باضطرابات عقلية معقدة بسبب الخوف من أن يغُتصب شرف بيته، وخوفا من الوصمة حُرِمت النساء من كل التدخلات المتعلقة بالحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي ومعظم التدخلات المتعلقة بخدمات الصحة النفسية، الجنسية والانجابية، ففي مراكز تقديم الخدمات في معسكرات اللجوء كان الرجال يأتون مع النساء والفتيات اللاتي تعرضن للعنف حتى يراقبوننهنّ وليتأكدوا أنهنّ لم يأتين لحكي تجارب العنف اللاتي حدثت لهنّ وليضمنوا أنهنّ لم يتحدثن عن (شرف الأسرة والقبيلة) وأيضا خلال خدمات عيادات الصحة الانجابية المتجولة أو خلال الزيارات للنساء داخل الخيام يحرص الرجال سواء كانوا أبناء، أزواج أو إخوان على مراقبة مقدمي الخدمات حتى لا تتحدث نسائهنّ عن قضايا العنف.

نازحات يصلن الى أحد المخيمات UNHCR Ayem Alfadil

محاكمات متطرفة..

بسبب الوصمة لم تتلقى معظم النساء خدمات ترد لهنّ كرامتهنّ وتفاقم الوضع أكثر مع النساء الحوامل نتيجة تعرضهنّ للاغتصاب فكثير منهن قامت الأسر بطردهن من المنازل خوفا من (الفضيحة) وخرجن من منازلهن بلا دليل ولا رؤى ليبدأن سلسلة أخرى من الانتهاكات بصحبة أطفال يذكروهنّ دوماً بما وقع عليهنّ من جرائم. كما تتعرض معظم النساء المعنفات من الدعم السريع لموجة مؤلمة من الكراهية والعنف داخل المنازل بعد العودة من مناطق النزوح وكأنه مكتوب عليهنّ دفع فاتورة العنف في أوقات السلم والحرب وكأنهن من ساهمن في هذه الجرائم. فإن شرف النساء في الحرب كان ساحة معركة اخرى دفعت قيمتها النساء خلال فترة الحرب وبعد تحرير مناطق الأصل، تدفع هذه القيمة نساء معنفات من قبل الدعم السريع ويدفعن القيمة حين الوصول لأماكن إيواء لا تحمييهن ويدفعن القيمة شرفا مزعوما داخل البيوت التي نزحوا إليها، إذ يعتبر المجتمع سياسي كان او اجتماعي أن النساء النازحات يساهمن في تفكك المجتمعات المحلية في الولايات الأمنة وأنهنّ يجلب العادات الدخلية وينشرن جرائم الجنس؛ كل هذه الإتهامات لا لشئ سوى لأنهن اخترن العمل في مهن يصنفها المجتمع أنها مهن وضيعة في وقت هرب فيه معظم الرجال من المسئوليات ومن رعاية الأسر.

الخاتمة: رحلة الألم الطويلة للنساء بالجزيرة:

في نهاية هذا الطريق المليء بالدموع والظلال الثقيلة، يظلّ صوت النساء في الجزيرة شاهداً على حربٍ لم تكتفِ بسرقة البيوت والحقول، والحواشات بل حاولت أن تسلب أرواحهنّ وكرامتهنّ وصمتَهُنّ أيضاً،ومع ذلك، ورغم الجوع، والخوف، ودفن الأحبة في الطرقات، والهرب بين الغابات والمزارع، بقيت النساء في هذه الأرض واقفات… يشققن العتمة بخطوات مثقلة، لكن ثابتة، لقد دفعت النساء بالجزيرة فاتورة حربٍ لم يخترنها، وأنفقن من أرواحهن أكثر مما يملك البشر من قوة، وفي اللحظة التي كان يُفترض أن تُحتضن جراحهنّ، وجدن أنفسهنّ محاصرات بالوصمة وأحكام المجتمع، محاكمات بلا جريمة، وتأنيب بدل العزاء. ومع ذلك، ظلّت كل نجاة، وكل صرخة مكتومة، وكل خطوة هروب، وكل طفل حُمِل على الظهر، إعلاناً شجاعاً بأن الحياة تستحق المقاومة عندما تخذلها الدولة والمجتمع على حدّ سواء.
إن ما تعرّضت له نساء الجزيرة ليس مجرد أحداث عابرة في زمن حرب، بل هو جرح عميق في الضمير الإنساني، لا يلتئم بالصمت، ولا يشفى بالإنكار. فهؤلاء النسوة لم يكنّ أجساداً لانتهاك، ولا أسراراً للخوف، ولا عاراً يُدفن؛ كنّ وما زلنَ قلوباً نابضة بالكرامة، تستحق الحماية والعدالة والاعتراف الكامل بما حدث لهنّ.

ولأجل كل امرأة دفنت والدتها في الطريق، وكل أم حملت أطفالها فوق جراحها، وكل ناجية خُطفت أو وُصمت أو حُرمت من صوتها؛ يبقى واجب المجتمع والدولة والمنظمات حقوقياً وأخلاقياً وإنسانياً أن يفتحوا أبواب العدالة، وأن يرفعوا الوصمة، وأن يقفوا إلى جانبهنّ، ليس باعتبارهنّ ضحايا فقط، بل باعتبارهنّ ناجيات قادرات على إعادة كتابة مصيرهنّ حين تتوفر لهنّ الحماية والكرامة.

فالحرب قد تأخذ الكثير، لكنها لم تستطع أن تُطفئ نور النساء… نوراً يظلّ يلمع في عيونهنّ رغم كل هذا الألم، كأنهنّ يعلنّ للعالم أنّه لا قيمة لأي سلام لا يضع جراحهنّ في مقدمة الطريق إلى العدالة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *