ضحايا الحرب المنسيون.. اللاجئون والنازحون السودانيون بين غياب الحماية وتراجع الاستجابة الدولية (3-3)
تقرير: حسين سعد
نواصل في هذه الحلقة الأخيرة نشر تفاصيل الورقة التي قدمها المهندس كمال عمر(النازحون واللاجئون السودانيون خلال حرب ابريل2023م) التي قدمها في مؤتمر الإغاثة الذي إنهي مداولاته وأصدر بيانه الختامي في ديسمبر 2025م، وكشفت الورقة عن أوضاع الفئات الأكثر هشاشة في دول اللجوء، حيث يواجه الأطفال السودانيون في دول اللجوء أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة، تتسم بإرتفاع معدلات سوء التغذية الحاد، والإنقطاع الواسع عن التعليم، في ظل غياب أو ضعف البدائل التعليمية، كما يعيش كثير منهم في بيئات غير آمنة، ويتعرضون لأشكال متعددة من العنف، والتحرش، والاستغلال، سواء داخل المخيمات أو في المجتمعات المضيفة، وقد خلّف النزوح القسري آثارًا نفسية عميقة على الأطفال، نتيجة الصدمات المرتبطة بالحرب، وفقدان الاستقرار الأسري، وانعدام الشعور بالأمان، في ظل غياب برامج كافية للدعم النفسي والاجتماعي.
معاناة النساء:
وأكدت الورقة النساء السودانيات اللاجئات تعاني من انعدام أو ضعف الحماية القانونية، إلى جانب نقص حاد في الخدمات الصحية والتعليمية، خاصة خدمات الصحة الإنجابية ورعاية الطفل، وغالبًا ما تُجبر النساء على الانقطاع عن التعليم والعمل في وظائف غير نظامية، ما يعرضهن للاستغلال الاقتصادي والعنف بمختلف أشكاله، وتتحمل النساء، في كثير من المخيمات، المسؤولية الكاملة عن إعالة أسرهن، في ظل غياب المعيل أو فقدانه، بينما تظل خدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي محدودة وغير كافية. كما تواجه النساء عوائق إجتماعية وثقافية تحول دون إستفادتهن الكاملة من برامج الدعم المتاحة، إن وُجدت، في وقت إضطلعت فيه المجتمعات المحلية السودانية بدور محوري في الإستجابة للأزمة الإنسانية، حيث نهضت بتحمل العبء الأكبر في توفير الإيواء والغذاء، عبر مبادرات ذاتية مثل غرف الطوارئ، والتكايا، والاستضافة المباشرة للأسر النازحة واللاجئة، وأوضحت الورقة : غير أن هذه الجهود واجهت تحديات جسيمة، من بينها انقطاع خدمات الاتصالات، الذي أثّر سلبًا على تدفق الدعم من السودانيين في الخارج، فضلًا عن الملاحقات الأمنية التي تعرض لها بعض المتطوعين والعاملين في العمل الإنساني من قبل أطراف الحرب، وبشأن الإستجابة الدولية والأممية قال كمال عمر :شهدت الإستجابة الدولية للأزمة السودانية تراجعًا خطيرًا، حيث توقفت عشرات المنظمات الدولية عن تقديم خدماتها داخل السودان، ولم يتجاوز تمويل خطة الاستجابة الإنسانية 31%، ما انعكس في تقليص برامج التغذية، والصحة، والتعليم، وأظهرت الأمم المتحدة ووكالاتها تقصيرًا واضحًا في عدة جوانب، من بينها ، التقصير في الحماية القانونية تأخير تسجيل اللاجئين والاعتراف بوضعهم القانوني، حيث تمتد إجراءات التسجيل لأشهر وقد تصل إلى عام كامل، فضلاُ عن فقدان ملفات بعض اللاجئين، وسوء المعاملة في مراكز التسجيل، وتوقف الخدمات الأساسية أو الاكتفاء بالحد الأدنى منها، مع تحميل اللاجئين عبء الإعاشة، وأكدت الورقة وجود أكثر من 80% من اللاجئين لا يتلقون أي دعم معيشي منتظم، وضعف التمويل وعدم حشد الموارد بما يتناسب مع حجم الكارثة، بجانب تقليص أو إيقاف المساعدات الغذائية والصحية رغم الزيادة المستمرة في أعداد اللاجئين، وعدم ضمان الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، وغياب البرامج المخصصة للفئات الأكثر ضعفًا قصور برامج حماية النساء والأطفال، وإرتفاع معدلات الانقطاع عن التعليم، وضعف شديد في خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، ومحدودية إشراك اللاجئين أنفسهم في تقييم البرامج وصنع القرار،
توصيات الورقة:
وفي الختام دفعت الورقة بحزمة من التوصيات من بينها إعداد تصنيف شامل لمشاكل اللاجئين والنازحين حسب الدولة أو المعسكر، وربطه بأشكال تدخل مناسبة، وإنشاء شبكة مراصد مستقلة تغطي دول اللجوء ومناطق النزوح، وإعداد ورقة موقف حول ضعف استجابة الأمم المتحدة للأزمة السودانية، وتوجيهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وطالبت الورقة بزيادة التمويل الإنساني فورًا، والاستفادة من التجربة السودانية في بناء شبكات الدعم المجتمعي، وتعزيز الحماية القانونية للاجئين، والاعتراف بالسودانيين كلاجئين لا كملتمسي لجوء فقط، وشددت علي ضرورة توفير مساحات آمنة للنساء والأطفال داخل مراكز النزوح واللجوء، ودعم الخدمات الصحية الطارئة كأولوية قصوى، وطالبت بممارسة الضغط على الأمم المتحدة ووكالاتها والمجتمع الدولي لوضع السودان ضمن أولويات العمل الإنساني، وإعتماد سياسات أممية أكثر عدالة وشفافية، وضمان الحماية وفق المعايير الدولية، وفتح الممرات الإنسانية ودعم مراكز الإيواء، وإلزام أطراف النزاع بوقف استهداف المدنيين والعاملين في الإغاثة، ومحاسبتهم على الجرائم المرتكبة، وشددت علي ضرورة وقف الترحيل القسري والملاحقات الأمنية للاجئين، والتحرك العاجل لمعالجة أوضاع لاجئي معسكر كرياندونقو في أوغندا، ولاجئي تشاد، وتوفير الخدمات الأساسية: المأوى، الإعاشة، الصحة، التعليم، والأمان، ودعم برامج إعادة التوطين والعودة الطوعية الآمنة والكريمة، وتوثيق التجربة السودانية في العمل الإنساني المحلي (لجان الطوارئ، المطابخ، التكايا) وتقديمها كنموذج تعاون مباشر مع الوكالات الدولية.
الخلاصة تمثل المأساة الإنسانية التي يعيشها السودانيون نتيجة مباشرة للحرب الدائرة، وللتقصير الدولي المستمر في الاستجابة لها.
الخاتمة (من المحرر)
تواجه أوضاع اللاجئين والنازحين السودانيين واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم اليوم، في ظل إستجابة دولية ضعيفة وغير متناسبة مع حجم الكارثة، وإنعدام الحلول المستدامة، ما ينذر بمزيد من التدهور الإنساني والاجتماعي ما لم يتم التحرك العاجل والمسؤول، ويؤدي إستمرار الصمت الدولي إلى تفاقم الكارثة، رغم أن آليات العمل الإنساني المحلي نجحت في سد فجوات واسعة، لكنها تظل غير قادرة على الإستمرار دون دعم دولي منظم وعاجل، فالأزمة الإنسانية في السودان آخذة في التصاعد، وتستدعي تدخلًا دوليًا فوريًا ومنسقًا، تكون كرامة الإنسان وحمايته في صميم أي استجابة إنسانية، فمأساة النازحين واللاجئين السودانيين ليست مجرد نتيجة جانبية لحرب طاحنة، بل تحولت إلى إختبار أخلاقي حقيقي للنظام الدولي المعاصر.،فالأرقام والوقائع تظهر أن الخطاب الإنساني وحده لا ينقذ الأرواح، وأن بيانات القلق والإدانة لا تطعم الجائعين ولا تحمي الأطفال من المرض والاستغلال، إن حماية هؤلاء الفئات المقهورة، وضمان وصولهم إلى الغذاء، والماء، والرعاية الصحية، والتعليم، ليست عملاً خيريّاً فحسب، بل واجباً حقوقياً وإنسانياً لا غنى عنه. ولأن النزوح لا يختار الحدود، فإن الالتزام الدولي والمحلي بحقوق النازحين واللاجئين يظل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الإنسانية بالعدالة والمساواة، إن إدماج قضايا النازحين في صميم برامج الإغاثة والتنمية، وحماية حقوقهم في التعليم والصحة والمأوى، هو السبيل لإعادة بناء حياتهم، ومنحهم فرصة للكرامة والأمل، ويشكل خطوة أساسية نحو مجتمع أكثر عدالة واستقراراً، فعندما فحين تُستجاب احتياجات النازحين وتُصان حقوقهم، يتحول الألم إلى فرصة للتضامن، والحرمان إلى دعوة للتغيير، لتظل إنسانيتهم حاضرة، لا تُنسى ولا تُهمش، ما يحتاجه السودان اليوم هو تحرك عاجل يتجاوز التعاطف اللفظي إلى التزام سياسي ومالي حقيقي، يعيد للنازحين واللاجئين حدًا أدنى من الكرامة الإنسانية، زيادة التمويل، وتعزيز الحماية القانونية، وضمان الوصول للخدمات الصحية والتعليمية، ومساءلة المؤسسات المقصّرة، ليست مطالب ترفيهية، بل حقوق أساسية يكفلها القانون الدولي، وفي الختام : إما أن ينتصر الضمير الإنساني، أو يظل النزوح السوداني شاهدًا جديدًا على فشل النظام الدولي في زمن الحروب، فيما الملايين يواجهون الموت بصمت، بلا وطن ولا مستقبل؟.

