الخميس, فبراير 12, 2026
مقالات

إبراهيم ميرغني… رحيل الصوت الهادئ الذي كان يُنصت للوطن قبل أن يكتب عنه

كتب: حسين سعد

بقلوب يعتصرها الحزن، وبذاكرة مثقلة بصور لا تُنسى، ننعى رحيل الصحفي الأستاذ إبراهيم ميرغني، الذي غادرنا في صمتٍ يشبهه… صمت الحكماء الذين لا يكثرون الكلام، لكنهم حين يكتبون يتركون أثراً لا يُمحى، لقد تعرفت علي الراحل إبراهيم ميرغني في صحيفة الميدان التي ظلت تتعرض لتعديات وهجمات عديدة من قبل الأجهزة الامنية لنظام الحركة الاسلامية حيث تنوعت أنماط تلك التعديات مابين المصادرة والاغلاق وإعتقال الصحفيين والصحفيات لكن الميدان كانت ومازالت عصية علي التركيع.

كان الزميل الصحفي الراحل إبراهيم من أولئك الذين يُعرَفون بالإنصات قبل الحديث. يجلس في ركنٍ هادئ، يستمع للجميع، يزن الكلمات بميزان الضمير، ثم يختار لحظته ليقول ما ينبغي قوله دون زيادة أو ادعاء، قليل الكلام، عفيف اللسان، لا يخوض في لغوٍ ولا يُجاري ضجيجاً. كان يؤمن أن الكلمة مسؤولية، وأن التعليق السياسي ليس ساحة للمبارزة، بل مساحة لإضاءة الوعي، وفاة ابراهيم ميرغني علمتها من المحامي الضليع عادل نصر الدين الذي تربطه صداقة مع الراحل ومعي بينما أخر إتصال لي مع ابراهيم عقب وفاة والدتي بنحو أسبوع.

في صحيفة الميدان، كان قلمه جزءاً من روحها. كتب التعليق السياسي بوعيٍ عميق، وبصيرةٍ تستشرف ما وراء الحدث. لم يكن يلهث خلف الإثارة، بل كان يلاحق الحقيقة. يقرأ المشهد الوطني بعينٍ ناقدة، لكن بقلبٍ منحاز للناس البسطاء، لقضايا العدالة والحرية والكرامة. كان يكتب بصدق، ولذلك وصلت كلماته إلى القراء بلا حواجز.

عرفته عن قرب، لا كزميل مهنة فحسب، بل كصديقٍ ارتبطت به وبأسرته علاقة إنسانية دافئة. في منزلهم العامر بالمزاد في الخرطوم بحري، حيث الطيبة تسكن الجدران، وحيث كانت والدته الراحلة – رحمها الله – مثالاً للود والاحتفاء بالضيوف، تعلّمنا معنى البساطة التي لا تتكلف، والكرم الذي لا ينتظر شكراً. كان إبراهيم امتداداً لذلك البيت؛ كريماً في حضوره، نبيلاً في تعامله، متواضعاً رغم عمق تجربته.
كم من مرةٍ كان يأتي إلى في مباني صحيفة الأيام بسوق الخرطوم (2) عقب انتهاء عمله في صحيفة الميدان ، برفقة الزملاء الصحفيين محمد نيالا وعادل كلر، فتتحول الجلسة إلى مساحة حوارٍ صادق. لا يرفع صوته، ولا يقاطع أحداً، لكنه حين يتحدث يُنصت الجميع. كان يملك تلك القدرة النادرة على إدارة الاختلاف دون أن يُفسد للود قضية. يحترم الرأي الآخر، حتى وهو يخالفه، ويؤمن أن الوطن يتسع للجميع.
لم يكن إبراهيم باحثاً عن الأضواء، ولم يسعَ إلى موقعٍ أو لقب. كان يرى في الصحافة رسالةً أخلاقية قبل أن تكون مهنة. لذلك ظل ثابتاً على مبادئه، نظيف اليد، مستقيم السيرة، بعيداً عن الخصومات الصغيرة. عاش بسيطاً، وترك أثراً كبيراً.

في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وارتفع فيه الصخب، كان هو ذلك الصوت الخفيض الذي يذكّرنا أن الحكمة لا تحتاج إلى ضجيج. كان مدرسة في التواضع، وفي احترام القارئ، وفي الإيمان بأن الكلمة يمكن أن تكون جسراً لا متراساً.

رحيل إبراهيم ميرغني ليس خسارة لأسرته وأصدقائه فقط، ولا لزملائه في صحيفة الميدان فحسب، بل خسارة للمشهد الصحفي السوداني الذي فقد قلماً رصيناً، وعقلاً متزناً، وإنساناً نبيلاً
هكذا يمضي إبراهيم ميرغني كما عاش… بهدوءٍ لا يجرح الصمت، وبأثرٍ لا تمحوه الأيام. يرحل الجسد، لكن تبقى الملامح التي لا تُنسى: ابتسامته الخفيفة، طريقته المتأنية في الإصغاء، كلماته التي لا تخرج إلا بعد أن تمرّ على القلب والعقل معاً. تبقى جلساته في صحيفة الميدان، وتبقى خطواته القادمة من المزاد بحري، محمّلةً بطيبة البيت ودفء الأم وكرم الروح.
نقف اليوم أمام سيرته لا لنعدّد مآثره فقط، بل لنستعيد معنى أن يكون الإنسان صحفياً بحق؛ أن يكون منحازاً للناس دون ضجيج، ثابتاً على مبادئه دون استعراض، عفيف اللسان حتى في أقسى لحظات الاختلاف. كان يعلم أن الكلمة يمكن أن تداوي كما يمكن أن تجرح، فاختار أن يجعلها جسراً للمحبة ونافذةً للوعي.

أيها الزميل والصديق الراحل، تركت في قلوبنا فراغاً لا يُملأ، لكنك تركت أيضاً نوراً يهتدي به من عرفوك وقرأوا لك وجالسوْك. سنفتقد حضورك الهادئ، وتعليقاتك السياسية الرصينة، وسنفتقد تلك اللحظات التي كنا نختلف فيها باحترام، ونضحك بعدها بلا حرج.

نم مطمئناً يا إبراهيم، فقد كنت كما ينبغي للصحفي أن يكون، وكما ينبغي للإنسان أن يعيش. نسأل الله أن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعك بوالدتك الراحلة في مستقر رحمته، وأن يلهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.

نعزي أنفسنا، ونعزي أسرته الكريمة، وكل من عرفه وقرأ له وجالسه. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه عن صدقه وإخلاصه خير الجزاء، وأن يجمعه بوالدته الراحلة في جنات النعيم
وداعاً إبراهيم… نم قرير العين، فقد تركت بيننا سيرةً عطرة، وكلمةً صادقة، وذكراً لا يموت

سلامٌ عليك في الغياب كما كنت سلاماً في الحضور… وستبقى سيرتك بيننا درساً في النبل، وذكرى لا تغيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *