المفقودون.. رحلة وجع يومية ومعاناة نفسية مستمرة (5)
كتب: حسين سعد
تواجه أعداد كبيرة من الأسرة السودانية معاناة نفسية قاسية في البحث عن أبنائهم المفقودين، حيث تحوّل الانتظار الطويل إلى جرح يومي ينهك النساء والأطفال ويضاعف من مآسيهم الإنسانية، فالأثر النفسي لمعاناة أسر المفقودين في السودان في ظل الحرب الطاحنة التي تضرب السودان منذ أبريل 2023، لم يعد صوت الرصاص وحده ما يفتك بالمدنيين، بل غياب الأبناء والأزواج والإخوة الذين انقطعت أخبارهم في طرق النزوح أو تحت وطأة الاعتقالات والاختطاف، ومع كل اسم جديد يُضاف إلى قوائم المفقودين، تتضاعف آلام أسر تبحث في المجهول، لتجد نفسها أمام جرح نفسي لا يقل قسوة عن فقدان الأحبة، من من دارفور كردفان إلى المنطقتين، ومن الخرطوم إلى الجزيرة، قصص الألم متشابهة، لكنها تحمل وجعاً شخصياً لكل أسرة، حيث تتحول الحياة إلى انتظار دائم وأمل ضائع في معرفة مصير الأحباء..
دارفور: الأمهات في مواجهة الخوف واليأس
من دارفور، تقول أم فقدت أم أثنين من أبنائها تقول بحزن، كل يوم أبحث عنهم، أزور المستشفيات والمراكز التي تعرضت للقصف ، أسأل الأهالي، أتفقد الطرق، لكن لا أثر لهم، أحياناً أنام وأستيقظ باكية، وأحياناً أرفض النوم خوفاً من الكوابيس، فالأم ليست الوحيدة، مئات الآلاف من النساء في دارفور يعشن صدمة مستمرة، حيث إختفاء الأطفال والرجال أصبح جزءاً من الحياة اليومية، فيما تتضاعف المسؤولية على النساء لتأمين المأكل والملبس للأطفال الباقين، فالحروب لا تقتل بالرصاص فقط؛ إنها تقتل بالعزلة، بالغياب، بالإنتظار الطويل الذي لا يعرف نهاية، المواطن في دارفور ظل تحت لعلعة الرصاص منذ العام 2003م وحتي حرب منتصف أبريل 2023م ، ويعيش المواطن هنالك فواجع أكبر من القتل نفسه؛ فهناك من يُفقدون دون أثر، ويترك خلفهم بيوتاً فارغة وأمهات يتجولن في المدن والمخيمات والمستشفيات يبحثن عن أثر صغير يدل على أن أبناءهن ما زالوا أحياء، فالبحث عن مفقود رحلة مستحيلة من الخرطوم الي الجزيرة ، وسنجة ، و الفاشر والجنينة ، وغيرها من المدن السودانية المنكوبة ، وتقول أم من ولاية غرب دارفور إنها فقدت إبنها الشاب وبالرغم من إنقطاع إي خبر عن إبنها المفقود إلا أنها -أي- والدة المفقود مازالت تتمسك بالأمل ، هذه القصة ليست مجرد مأساة فردية، بل وثيقة تعكس الضياع الإنساني الذي خلّفته الحرب في دارفور، وانهيار القرى، وغياب الدولة، وتفكك النظام الاجتماعي الذي كان يحمي الناس في وقت سابق.
أين أنت يا هرون:
وفي موقع الجزيرة نت : التي نشرت تقرير تحت عنوان (توثيق ذاتي لمفقودي جرائم الدعم السريع بمخيم زمزم) يوم 11 مايو 2025م: أين أنت يا هارون؟ سؤال يتردد، يومياً، في ذهن الشاب مبارك بشير النور، وهو يقف أمام خيمته في أحد مراكز الإيواء في مدينة الفاشر غربي السودان، بعد أن فقد شقيقه الأكبر في هجوم قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين، ليتحول ألمه الشخصي إلى دافع للعمل من أجل الآخرين، لا يمكن لمبارك -كما يقول للجزيرة نت- وصف الألم الذي يشعر به بعد فقدان هارون، “ففي كل ليلة تتجدد ذكرياته في ذهني، وأتمنى لو أعرف مصيره”. ويضيف “فقدان قريب تجربة مشتركة مع كثيرين هنا، نحن نساعد أسر الضحايا في البحث عن الحقيقة وإيصال أصواتهم إلى العالم، كل حالة مفقود أو قتيل تُمثِّل جزءا من قصتنا، التي يجب أن تُروى، وانضم مبارك إلى مجموعة من الشبان الذين أسسوا منظمة باسم “هيئة ضحايا الإبادة الجماعية في زمزم”، لتوثيق وحصر عدد القتلى والمفقودين وحالات الاغتصاب، و يعملون لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا عبر المنابر الدولية، حسب توضيحه.
توثيق ودعم:
يقول أحد مؤسسي الهيئة، أحمد حسين هاشم، للجزيرة نت: إنهم تمكنَّوا -حتى الآن- من توثيق نحو101 مفقود و400 قتيل، خلال الهجوم على المخيم، حيث يعملون عبر قاعدة بيانات رقمية “متطورة” بمساعدة متطوعين من داخل السودان وخارجه، ويضيف هاشم، أن عمل الهيئة لا يقتصر على التوثيق فحسب، بل يشمل تنظيم جلسات دعم نفسي للأسر المتضررة وتقديم المساعدة القانونية، والتواصل مع المنظمات الدولية، إضافة إلى بناء شبكة تضامن بين النازحين. ويردف “كل حالة نُوثّقها هي قصة إنسانية، ونحن ملتزمون بمساندة الأسر في البحث عن الحقيقة ومعرفة مصير أبنائهم، ومنذ أن كثَّفت قوات الدعم السريع هجماتها على مخيم زمزم ومدينة الفاشر، قام بعض عناصرها باستعباد العديد من الأشخاص، حسب مراقبين، وتروي النازحة حواء جمعة، قصتها المأساوية للجزيرة نت، وتقول إن زوجها وثلاثة رجال آخرين اختطفوا خلال الهجوم الأخير على المخيم، وأُجبروا على العمل رعاة للماشية تحت تهديد السلاح، ووتضيف “أُخذوا إلى مناطق نائية قرب بلدة كبكابية، وكانوا يعملون ساعات دون طعام كاف، ولم يكن أمامهم خيار سوى الطاعة أو مواجهة الموت، ولحسن الحظ -تتابع حواء- “تمكَّن زوجي من الهرب بعد اتخاذ قرار جريء، ويقيم الآن في منطقة حدودية داخل الأراضي التشادية مع عدد من اللاجئين:
400 مفقود:
وحسب المتحدث الرسمي باسم النازحين، محمد خميس دودة، فقد وصل عدد قتلى الهجوم على المخيم إلى نحو 1500 شخص، بينما بلغ عدد المفقودين نحو 400، وأضاف خميس دودة للجزيرة نت “الهجوم كان عنيفا، وخلَّف دمارا واسعا في المجتمع، ويجب أن تُسمع أصوات الضحايا، وأن تكون الهيئة التي تشكلت أخيرا صوتهم في هذه اللحظات العصيبة، حيث يعاني المجتمع من وجود قتلى وجرحى ومفقودين وحالات اغتصاب، من جهته، أشار عضو الهيئة، سليمان مختار، إلى وجود ازدواجية معايير واضحة في التعامل مع الحرب في السودان مقارنة بالنزاعات في دول أخرى، وأوضح للجزيرة نت، أن الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية يفتقر إلى “الجدية والعدالة”، حيث تُعطى أولوية لبعض الصراعات على حساب أخرى، ما زاد من تهميش القضية السودانية على الساحة الدولية، وأضاف أن بعض الأزمات تتلقى تغطية إعلامية واسعة ودعمًا دوليًا سريعًا، بينما تُترك السودان لمواجهة “مآسيها”، حسب وصفه، وشدد على ضرورة الاهتمام بالهيئة ومناصرتها في كافة المحافل، وفي المقابل أكدت الناشطة الحقوقية، فاطمة عبد الله، أن هذه “الازدواجية” تمتد إلى مستوى المساعدات الإنسانية، مشيرة إلى أن السودان يعاني “نقصا حادا” في التمويل الدولي المخصص للإغاثة مقارنة بأزمات أخرى تحظى باهتمام أكبر، وأردفت “هذا التفاوت يعني أن الأسر النازحة والمتضررة في السودان تُحرم من الدعم الأساسي، بينما تُخصص موارد ضخمة لأزمات أخرى، مما يعمق الفجوة في تحقيق العدالة.
خطوة نحو العدالة:
وبدوره يرى الخبير القانوني محمد إبراهيم نكروما، أن توثيق الانتهاكات المتعلقة بالاختفاء القسري للمفقودين في دارفور يُشكِّل خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة، ويقول للجزيرة نت، إن هناك “حاجة ماسة” لتسليط الضوء على هذه الانتهاكات محليا وإقليميا ودوليا للحد من تفشي هذه الظاهرة، ويضيف “بات ضروريا الكشف عن أماكن الاحتجاز ومعرفة مصير المفقودين، لأن معاناة أسرهم لا تقل وطأة عن آلام من فقدوا أحباءهم قتلا، وأكمل نكروما “يجب تقديم هذه المعلومات إلى الجهات القانونية الدولية لضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم. كما أن التعاون بين المنظمات المحلية والدولية يعزز فرص تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، إلي ذلك يشير مراقبون إلى أنه وفي ظل غياب المجتمع الدولي، يلعب المجتمع المدني في السودان دورا حيويا في تعزيز حقوق الإنسان خاصة في دارفور، حيث تعمل منظمات محلية على الرصد والمتابعة وتقديم الدعم للضحايا والنازحين الفارِّين من مناطقهم جرَّاء الحرب، وتقول الناشطة شذى محمد “نعمل على توفير المساعدات الأساسية، ولكننا بحاجة إلى دعم أكبر لنكون قادرين على تلبية احتياجات المجتمع، وأضافت للجزيرة نت، أن تضافر الجهود بين المنظمات المحلية والدولية أمر ضروري لضمان استدامة هذه المبادرات، داعية العالم للتركيز على السودان الذي بات يُمثِّل “أكبر أزمة إنسانية في العالم”
إبادة في ظل هذا الوضع:
يعمل الناشط في مجال حقوق الإنسان، مأمون صالح، على توثيق الجرائم التي ارتُكبت خلال اقتحام المعسكر عبر جمع الأدلة، ويقول “نحن لا نحمل السلاح، لكننا نخوض حربا من أجل الحقيقة، يجب أن يعرف العالم حجم الفاجعة التي تعرض لها سكان مخيم زمزم، ويضيف للجزيرة نت، “نتنقل بين الناجين، ونجمع شهاداتهم حيث نعتمد على الهاتف لجمع المعلومات من الناجين والشهود الذين فرّوا إلى مناطق أخرى، ولفت إلى أنهم يكتشفون المزيد من القصص “المفجعة” يوميا، وأن أسرا بأكملها اختفت، وهناك ناجون يعانون من صدمة لا توصف، وأكد أن ما حدث في زمزم ليس مجرد اقتحام للدعم السريع، بل عملية “إبادة ممنهجة” ضد المدنيين، منتقدا الصمت الدولي الذي يفاقم معاناة الضحايا أكثر، وطالب الجميع بتحمل مسؤولياتهم.. (يتبع)

