الثلاثاء, يونيو 2, 2026
تقاريرسياسة

محاكمة الصحفيين في السودان.. بين قانون الصحافة وجرائم المعلوماتية (2-2)

تقرير: حسين سعد

تتصاعد في السودان المخاوف بشأن استخدام قوانين جرائم المعلوماتية في محاكمة الصحفيين على خلفية مواد صحفية، وسط جدل قانوني وحقوقي متزايد حول حدود الاختصاص بين قانون الصحافة والمطبوعات وقانون جرائم المعلوماتية. ويرى قانونيون ومدافعون عن حقوق الإنسان أن الأزمة تتجاوز الجوانب القانونية، لتكشف عن إشكالات أعمق تتعلق بحرية التعبير واستقلال القضاء وطبيعة البيئة السياسية والقانونية في البلاد، خاصة في ظل الحرب والاستقطاب السياسي الحاد.

وقالوا أن التمييز بين قانون الصحافة وقانون المعلوماتية يظل مرهوناً بطبيعة الفعل ومكان النشر، مع التأكيد على أن التطبيق السليم للقانون هو الضامن الأساسي لتحقيق العدالة.

وقال المحامي الصادق علي حسن، في حديثه لـ”مدنية نيوز”، رداً على سؤال حول قانونية محاكمة صحفي بموجب قانون جرائم المعلوماتية بسبب مادة صحفية، إن الذي يحدد ذلك هو مكان ارتكاب الأفعال المجرّمة قانوناً، باعتباره الأساس في تحديد القانون الواجب التطبيق على تلك الأفعال.

وأضاف أن جرائم المعلوماتية هي الجرائم التي تقع عبر النشر في الوسائط الإلكترونية، مثل الحواسيب والأجهزة الرقمية، بينما تختص جرائم الصحافة بالنشر في الصحف والمطبوعات، وفقاً لما حدده قانون الصحافة والمطبوعات.

ومن حيث الاختصاص، أوضح أن التساؤل يثور حول ما إذا كانت محاكمة الصحفي تتم بموجب قانون الصحافة أم قانون جرائم المعلوماتية. وقال إن الصحفي يُحاكم وفق قانون الصحافة عند مخالفته لأحكامه، لكن إذا ارتكب أفعالاً تندرج ضمن جرائم المعلوماتية، فإنه يُحاكم وفق قانون المعلوماتية عن تلك الأفعال.

وأضاف: “إذا نشر صحفي وقائع عبر وسائل التواصل الاجتماعي تخالف القانون، فلا يمكنه التذرع بصفته الصحفية، لأن القانون الواجب التطبيق في هذه الحالة هو قانون جرائم المعلوماتية”.

أما إذا كانت الأفعال تندرج فقط ضمن مخالفات قانون الصحافة والنشر في الصحف والمطبوعات، فإنها تظل خاضعة لذلك القانون.

وأشار إلى إشكالية أخرى تتعلق بقيام آخرين بنقل مواد صحفية إلى الوسائط الإلكترونية أو المواقع الرقمية، موضحاً أن هذه الحالة قد تخضع لأحكام قانون جرائم المعلوماتية.

وأضاف أنه يمكن للصحفي، إذا فُتح بلاغ ضده مع آخرين بسبب مواد منشورة في صحيفة ثم جرى تداولها إلكترونياً، أن يتمسك بمحاكمته وفق قانون الصحافة في حدود مسؤوليته الشخصية، دون أن يؤثر ذلك على خضوع الآخرين لقانون جرائم المعلوماتية.

وأكد أن سلطة التقدير في التكييف القانوني تعود أولاً للنيابة ثم للمحكمة المختصة، مع خضوع ذلك للاستئناف والطعن وفق الإجراءات القانونية.

ورداً على سؤال حول الفرق بين قانون الصحافة وقانون المعلوماتية من حيث الاختصاص، وما إذا كان ذلك يمثل تجاوزاً لمبدأ “القانون الخاص يقيد العام”، قال الصادق إن القانون الخاص يقيد العام، موضحاً أن قانون الصحافة وقانون جرائم المعلوماتية كلاهما يُعدان من القوانين الخاصة.

وأضاف أن القاضي، في المجال الجنائي، يطبق النصوص القانونية المرتبطة بالوقائع مجتمعة، فإذا توافرت أركان المسؤولية في مواد من القانون الجنائي أو القوانين المكملة، يُحاكم المتهم وفق تلك النصوص وتوقع عليه العقوبات المقررة.

وحول مدى تعارض مواد قانون المعلوماتية مع الوثيقة الدستورية، قال الصادق إن الوثيقة الدستورية نصت على استمرار سريان القوانين القائمة إلى حين إلغائها أو تعديلها، مشيراً إلى أن غالبية القوانين التي وُضعت في ظل نظام المؤتمر الوطني “قوانين معيبة”.

وأضاف أن تلك القوانين أتاحت، عبر نصوصها، أدوات للقمع السياسي والأمني وممارسة انتهاكات جسيمة، لتصبح الإجراءات المنتهكة للحقوق مغطاة بغطاء قانوني.

وبشأن دستورية العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، قال المدافع عن حقوق الإنسان الصادق علي حسن إن أي قانون يصدر وفق دستور قائم يُعد دستورياً من حيث الشكل، باعتبار أن الدستور هو القانون الأعلى.

لكنه أشار إلى أن الوثيقة الدستورية، بحسب رأيه، “نشأت من أساس معيب”، وأسهمت في استمرار قوانين موروثة من نظام الإنقاذ، قال إنها تخالف مبادئ حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان.

وحول كيفية الموازنة بين حماية السمعة وحرية التعبير، قال الصادق إن هذه المسألة من اختصاص السلطة التشريعية، بينما يقتصر دور القاضي على التطبيق السليم للقانون وتحقيق العدالة والإنصاف.

وفي ما يتعلق بازدواج العقوبة، أوضح أنه لا يجوز محاكمة أي شخص عن الفعل نفسه مرتين، كما لا يجوز فرض ازدواجية في العقوبة إذا تم تطبيق القانون بصورة صحيحة، مشيراً إلى أن أي خلل في هذا الجانب يعود إلى التشريع لا إلى القاضي.

وبشأن إمكانية الجمع بين أكثر من عقوبة على فعل نشر واحد، قال إن الوقائع هي التي تحدد ذلك، إذ قد تندرج الأفعال تحت أكثر من مادة قانونية، ما يؤدي إلى تعدد العقوبات داخل البلاغ الجنائي الواحد، لكنه شدد على أنه لا يجوز فتح عدة بلاغات جنائية عن الواقعة نفسها أو محاكمة الشخص أكثر من مرة عن الفعل ذاته.

وفي رده على سؤال حول الغرامات المالية الضخمة ضد الصحفيين، قال إن العقوبات المالية والتعويضات يجب أن تراعي عدة اعتبارات حتى لا تتحول إلى عقوبات مجحفة أو تعسفية.
وأضاف أن الإجراءات الجنائية أصبحت، في بعض الحالات، شكلاً من أشكال الممارسة السياسية وأداة من أدواتها.

وحول ما إذا كانت هذه الأحكام تمثل نوعاً من الترهيب القانوني، قال الصادق إن ذلك يعتمد على مدى التزام القاضي بالتطبيق السليم للقانون، مشيراً إلى أن الأحكام قد تتحول إلى أدوات للترهيب إذا خضعت للأهواء أو الاعتبارات السياسية.

وفي ما يتعلق بالتفريق بين التشهير والنقد المباح للمسؤولين العموميين، قال إن النقد المرتبط بالمصلحة العامة والقائم على حسن النية وسلامة القصد يُعد نقداً مشروعاً يجب أن يحميه القانون.

وأكد أن الموظف العام لا يتمتع بحصانة مطلقة ضد النقد، باعتبار أن النقد يمثل إحدى وسائل الرقابة، لكنه شدد على ضرورة أن يتم ذلك ضمن الحدود القانونية.

وأضاف أن الواقع العملي في السودان يشير إلى بيئة سياسية وقانونية “غير سليمة”، معتبراً أن القانون يُستخدم أحياناً لخدمة أغراض سياسية، وأن بعض الأحكام القضائية تحولت إلى أدوات للترهيب.

وقال إن كثيراً من القضايا المرتبطة بتهم التعاون ذات طبيعة سياسية، وإن الأحكام الصادرة فيها تأثرت بالمناخ السياسي السائد.

وأوضح أن “حسن النية” يعني سلامة القصد وعدم تعمد ارتكاب فعل مجرّم، بينما تشير “المصلحة العامة” إلى كل ما يحقق منفعة للمجتمع والدولة بمفهومها الواسع.

وبشأن تأثير المناخ السياسي والأمني على المحاكمات الصحفية، قال الصادق إن الأنظمة الشمولية لا توفر إرادة مستقلة كاملة لسير العدالة.

وأضاف أن القضاء، في ظل الحرب، يتأثر بالخطاب السياسي والانتماءات العامة، الأمر الذي أدى إلى تباينات واضحة في بعض الأحكام القضائية.

و رداً على سؤال حول وجود ضمانات كافية لمحاكمة عادلة للصحفيين، أن هذه الضمانات غير متوافرة حالياً، ليس للصحفيين وحدهم، بل لكل أصحاب الآراء المخالفة في السياق السياسي الراهن.

تجريم العمل الصحفي

من جانبه، قال المحامي عمر سيد أحمد، في حديثه لـ”مدنية نيوز”، إن تجريم العمل الصحفي في السودان لا يمثل مجرد إشكال قانوني تقني، بل يعكس أزمة سياسية عميقة تتعلق بطبيعة السلطة وعلاقتها بالمجتمع.

وأضاف أن وجود أكثر من قانون لتكييف الوقائع المرتبطة بالنشر خلق حالة من التنازع القانوني، معتبراً أن ذلك نتاج سياسة متعمدة تستخدم القانون كأداة للقمع، مع الحفاظ على “واجهة قانونية ودستورية” توحي باحترام حرية التعبير.

وأشار إلى أن الحل لا يكمن في تعديل بعض النصوص، بل في إعادة بناء منظومة قانونية وسياسية تعترف بأن حرية الصحافة حق أصيل للمواطن، وليست امتيازاً تمنحه السلطة.

وأوضح أن قانون الصحافة والمطبوعات يُعد قانوناً خاصاً ينظم المهنة وحقوق الصحفيين، بينما يُعتبر قانون جرائم المعلوماتية قانوناً عاماً، ما يجعل تطبيقه على العمل الصحفي متعارضاً، بحسب رأيه، مع الوثيقة الدستورية وحرية التعبير.

وأضاف أن قانون الصحافة يعرّف الصحفي وينص على ضمانات خاصة به، كما يحدد المحكمة المختصة، إلا أن غياب هذه المحكمة عملياً خلق إشكالات قانونية سمحت باستخدام قانون جرائم المعلوماتية بصورة انتقائية ضد الصحفيين.

وأشار إلى أن مصطلحات مثل “النظام العام” و”الأمن القومي” و”الصحة العامة” الواردة في قانون جرائم المعلوماتية تتسم بالعمومية والغموض، ما يجعلها قابلة للتفسير الفضفاض.

وأضاف أن العقوبات المنصوص عليها في قانون المعلوماتية، سواء الحبس أو الغرامات، غير متناسبة مع طبيعة العمل الصحفي، معتبراً أن ذلك يشكل نوعاً من “الإرهاب القانوني” ضد الصحفيين.

الخاتمة من المحرر..

لم تعد محاكمة الصحفيين في السودان قضية قانونية مرتبطة بخلافات حول مواد منشورة فحسب، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل الحريات العامة واستقلال العدالة في البلاد. فعندما يُلاحق الصحفي بسبب رأي أو تحقيق أو نقد يتعلق بالشأن العام، تصبح حرية التعبير نفسها مهددة، ويتراجع الدور الرقابي للصحافة باعتبارها إحدى أهم أدوات حماية المجتمع وكشف الانتهاكات والفساد.

ويرى مراقبون أن استمرار استخدام القوانين ذات الصياغات الفضفاضة في مواجهة الصحفيين يفتح الباب أمام مزيد من التضييق والترهيب، ويقوض الثقة في العدالة وسيادة القانون. فالصحافة ليست جريمة، والنقد ليس تهديداً للدولة، بل جزء أساسي من أي مجتمع يسعى إلى بناء دولة القانون والمؤسسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *