الثلاثاء, يونيو 9, 2026
تقاريرسياسة

سنجة.. مدينة تبحث عن أبنائها في زمن الحرب والغياب القسري (14)

كتب: حسين سعد

سنجة عاصمة ولاية سنار التي كانت تُعرف بصفاء نيلها، وبأسواقها الصاخبة، وبالبيوت التي تعيش على دفء الجيرة، أصبحت اليوم تحمل في قلبها جرحاً نازفاً اسمه المفقودون، خرج أبناء سنجة في صباحات عادية، بعضهم إلى السوق وبعضهم إلى أعمالهم اليومية، وآخرون إلى المزارع الممتدة على ضفاف النيل الأزرق، خرجوا تحت سماء يعرفونها جيداً… لكنهم لم يعودوا، غيابهم لم يكن موتاً معلناً، ولم يكن فقداً واضحاً، بل كان اختفاءً مفاجئاً يترك خلفه أبواباً مفتوحة وقلوباً محروقة وأسئلة لا تنتهي، في أحياء المدينة ، أصبح مشهد الأسر التي تنتظر خبراً عن أبنائها جزءاً من يوميات المدينة، التي نشط اولادها وبناتها في الداخل والخارج في تنظيم إنفسهم لدعم الأسر التي نزحت وتاهت في القري والفرقان والفيافي ، بجانب إعداد صفحة في الفيس بوك بأسم ( مفقود سنجة) لحصر المفقودين، ونشر صورهم وتفاصيل إسمائهم ، لجهة التعرف عليهم و،اعادتهم الي ذويهم وأسرهم ، لكن مشاهد الفقد رسمت صور مختلفة لتك الفاجعة ، بحسب محدثي الذي تحدث معه وكان هو وأسرته قد نزحوا خارج المدنية ، إن أمهات المفقودون يسرن نحو المستشفيات، يسألن في نقاط التفتيش، يفحصن قوائم النازحين القادمين من المناطق الأخرى، ويسألن كل من التقين بهم إن كان قد لمح وجهاً يشبه وجوه أبنائهن، وآباء أنهكهم الصمت، يجلسون لساعات قرب أبواب البيوت، ينظرون للطريق الذي خرج منه أبناؤهم، وكأنهم ينتظرون أن تظهر خطاهم من جديد؟

مدينة أنهكتها الحرب:
سنجة مدينة إعتادت على الكرم، على الحياة الهادئة، وعلى صوت النيل الأزرق ، لكنها لم تتعود على الغياب الذي يسرق أبناءها في صمت، فالابن في سنجة ليس مجرد فرد في الأسرة، بل هو ضهر البيت، وسند أهله، وعون والديه، وغالباً مصدر الرزق في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، وعندما يغيب يُترك البيت معلّقاً بين السماء والأرض، مصاريف تتوقف، مزارع تظل بلا من يعمل عليها، أمهات يجفّ صوتهن من كثرة السؤال، وأطفال يكبرون وهم يحملون في عيونهم حيرة لا يفهمونها، ولا أصعب على الأسرة من أن تحاول النوم كل ليلة وهي تقاوم سؤالاً واحداً؟ هل هو حي… أم أن الحقيقة التي نخافها أقرب مما نظن؟ حتي تحولت قضية المفقودين في سنجة من حدث الي حالة عامة؟ قوائم المفقودين تطول، والبحث يتسع، والأمل—ذلك الذي يشبه نوراً صغيراً في آخر الليل—لا يزال يقاوم رغم الإنهاك، فالمدينة التي كسرتها الحرب لم تكسر إنسانها، ولا زالت الأسر فيها تتمسك بخيط الرجاء، تنتظر أن يأتي اليوم الذي تعرف فيه الحقيقة، مهما كانت.

الغياب الذي لم ينتهِ:
في الحرب والنزاعات تتشابه القصص في الألم، لكنها لا تتطابق في التفاصيل، كل أم لها حكاية، وكل حكاية تحمل وجهاً مفقوداً وصوتاً اختفى خلف المدافع، وخطوات لم تعد إلى البيت، لكن ما تواجهه أم سودانية من ولاية سنار يظل واحداً من أكثر المشاهد وجعاً لما تركته الحرب الدائرة في البلاد منذ 2023م وفي مدينة سنجة، التي كانت تنعم بالهدوء ، ومعروفة بهدوئها النسبي وسط توتر الشمال الجغرافي من الولاية قبل دخول القوات المسلحة ، نهارها يمضي في الأسواق، وحركة المراكب في البحر ، وعمل الناس في الزراعة، وحركة البصات السفرية قادمة من بين سنجة وسنار، والدماذين وبقية محليات الولاية ، أما ليلها ينتهي على أصوات القصص والونسات في البيوت مع الجيران والاصحاب ، وأزقة يعرف فيها الناس بعضهم بالاسم والنسب والعشرة، ومع توسع رقعة الصراع، فقدت الأم ابنها الوحيد ذات صباح، ثم تحولت حياتها إلى رحلة بحث طويلة، تخللتها المخاطرة، النزوح، التنقل بين المدن، والنوم في العراء والملاجئ، علّها تسمع خبراً أو تلمح وجهاً أو تجد حتى شاهداً واحداً يخبرها بالحقيقة، هذه قصة أم من سنجة لم تعد الحياة بالنسبة لها سوى نقطة واحدة في الأفق؟ وهي أن تعرف… هل ابنها حي أم مات؟

بين الرجاء والألم:
وفي صحيفة التغيير الاليكترونية : نشر تقرير بتاريخ 9 يوليو 2024م تحت عنوان ( مرصد حقوقي: أكثر من 1300 مفقود عقب أحداث سنجة) كشف المرصد السناري لحقوق الإنسان، أن ولاية سنار- خاصة سنجة- سجلت أكثر من (1300) مفقود عقب استيلاء قوات الدعم السريع على المدينة، حيث نفذت عشرات الجرائم والانتهاكات، وكانت قوات الدعم السريع قد أعلنت، في 29 يونيو 2024م، السيطرة على قيادة الفرقة 17 مشاة التابعة للجيش بمدينة سنجة، قبل أن تتمدد إلى مناطق أخرى وتمارس انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، ومن جهته قال المرصد في تقرير ميداني، إنه منذ نهار السبت 1 يوليو 2024م ، وبعد استيلاء الدعم السريع على سنجة واجزاء واسعة من المناطق المجاورة لها، يعيش المواطنون ظروفاً إنسانية كارثية ويواجهون جرائم حرب مكتملة الأركان، وأكد التقرير وقوع عشرات الوفيات نتيجة السير على الأقدام لمسافات طويلة للمصابين وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، كما وثق المرصد عشرات الوفيات غرقاً بالنيل الأزرق أثناء محاولتهم الفرار من سنجة وأبو حجار، أغلبهم من النساء والأطفال، وأشار إلى أن عاصمة ولاية سنار سنجة، ومحلياتها الدندر شرقا والمزموم غربا وود النيل جنوبا، مازالت تحت سيطرة الدعم السريع حتى اللحظة، وقال إن هذا التوسع شرقا وجنوبا ومناطق أخرى، سبب انقطاعاً شبه تام للكهرباء وشبكات الاتصالات، وتوقف شبخ تام للأسواق والمستشفيات والمؤسسات العلاجية والخدمات ، وأضاف أن الولاية- خاصة سنجة- سجلت حالات كبيرة من المفقودين يزيد عددهم عن (1300) فرد، وذكر أن انقطاع الاتصالات والكهرباء وانعدام الممرات الآمنة يزيد القلق على سلامتهم.

المدينة التي تنتظر:
وفي راديو دبنقا : نشر تقرير بتاريخ 6 يوليو 2024م تحت عنوان (سنار : ارتفاع عدد المفقودين إلى 524 شخصا في وضع إنساني صعب)
أعلنت لجنة حصر بلغ عدد المفقودين بولاية سنار أن عدد المفقودين ارتفع إلى 524 شخصًا من جميع الفئات العمرية، بينما أكدت مبادرة مفقود عن تلقيها بلاغات رسمية من أسر المفقودين لعدد 206 شخصًا .ونشرت مبادرة مفقود، إحدى منظمات المجتمع المدني التي نشطت في حصر المفقودين بعد حرب 15 أبريل/2023م، على صفحتها الخاصة في “فيسبوك”، إحصائية بعدد المفقودين، منذ السابع والعشرين من يونيو 2024م، قالت إنَّ عدد المفقودين المسجلين لديها 206 بينما بلغ أعداد المفقودين من مصادر أخري مثل لجنة حصر المفقودين في مدينة سنجة 524 شخصًا.
وقالت المبادرة إن عدد المفقودين من الأطفال ابتداءً من “سن الخامسة إلي دون سن 18” إلي 95 شخصًا في أكبر نسبة فقدان للأطفال منذ بداية الحرب ، وأضافت أن عدد الأطفال المفقودين دون سن الخامسة بلغ 34 طفلا من ضمنهم أطفال حديثي الولادة ، وذكرت مبادرة مفقود في تقريرها أن المفقودين من الإناث بلغ 76 أنثى، والذكور 130 ذكرا. واوضحت أن هنالك عدد 4 عائلات من بينهم أطفال يبلغ عددهم 21 مفقودا؟

شجاعة في مواجهة المحنة:
إنّ مأساة المفقودين في سنجة ليست أرقام أو حالات فردية، بل هي شقوق عميقة في جدار المجتمع، تؤثر على الاقتصاد والأسرة والنفس والذاكرة، فالغياب بلا أثر يترك العائلات في نصف حياة؛ لا تستطيع الحداد ولا تستطيع الفرح، لا تستطيع اليقين ولا تستطيع النسيان، تعيش معلّقة بين سؤال ودمعة، وبين رجاء يتحول ببطء إلى صبرٍ مُتعب، ورغم الظلام الذي أحاط بالمدينة في شهور الحرب، فإن الضوء لا يزال يقاوم في عيون الأمهات والآباء الذين لم يتوقفوا عن البحث، قد ينهارون لحظة، لكنهم ينهضون في اللحظة التالية… يسألون، يوثقون، يتواصلون، ويجمعون ما استطاعوا من خيوط الحقيقة، لقد كشفت الحرب هشاشة الحياة، لكنها كشفت أيضاً صلابة الناس في سنجة، فالصرخة التي خرجت من كل بيت فقد ابناً أو قريباً أصبحت اليوم نداءً جماعياً يطالب بالعدالة، وبالضوء، وبأن تُفتح ملفات المفقودين، وتوثق قصصهم، وتتحدث الدولة والمنظمات بشفافية عن مصائرهم، إنّ حقوق هؤلاء الغائبين ليست فقط في أن يُعودوا، بل في أن يُعترف بوجودهم، بقصصهم، وبجراح أسرهم التي لم تندمل. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *