المفقودون في ولاية الجزيرة… جراح الحرب التي لا تُرى (12)
كتب: حسين سعد
لم تكن ولاية الجزيرة يومًا مسرحًا للحرب أو الاقتتال، ولم يخطر ببال أهلها أن تتحول مدنهم وحقولهم ومزارعهم الهادئة إلى فضاءات خوف وظلّ وظلام. في منتصف أبريل 2023م، حين تمددت رقعة الحرب من الخرطوم إلى قلب الجزيرة، انقلبت حياة الناس رأسًا على عقب، وبدأت قصص جديدة تكتب بملامح الحزن والفقد والدموع.
من بين كل المآسي التي خلّفتها الحرب، تظل قضية المفقودين هي الأكثر وجعًا وبقاءً، لأنها جرح لا يلتئم، وغياب لا يمكن التعايش معه، وانتظار طويل يشبه الموت البطيء، الجزيرة التي كانت تسمّى (سلة غذاء السودان) ويطلق علي مشروع (جمل الشيل) و(شيخ المشاريع الزراعية ) أصبحت في حرب منتصف ابريل 2023م مسرحًا لوقائع لم تعرفها من قبل: قصف، اشتباكات، نزوح، وتشتت آلاف الأسر في طرقات مضطربة. وفي خضم كل ذلك، اختفى العشرات، بل المئات، بين لحظة وضحاها. بعضهم خرج لجلب الغذاء ولم يعد، بعضهم فُقد أثناء الفرار بين القرى، وبعضهم انقطعت بهم السبل عند خطوط النار. الأسماء لا تزال تُنادى في البيوت، والصور تظل معلّقة في الأسواق ومراكز الإيواء، والقلوب معلّقة بين الأمل والخوف، في انتظار صوت يطرق الباب أو مكالمة تخبر بأثر، في الحلقة الثانية من تقرير مفقودي الجزيرة ، نحاول توثيق معاناة أسر المفقودين، وتحليل أسباب الظاهرة في سياق الحرب، وتقديم قراءة اجتماعية ونفسية، مع توصيات شاملة تعالج أبعاد القضية؟
ذاكرة الحرب الموجعة:
كانت ولاية الجزيرة تُعتبر من أكثر الولايات استقرارًا في السودان، مما جعل وصول القتال إليها في ديسمبر 2023م ، يشكل صدمة حقيقية لأهلها، فمع انتقال المعارك من الخرطوم باتجاه مدن الولاية، تعرّض السكان لاضطراب شامل في حياتهم اليومية.،سيطرت مشاهد الفوضى على الطرقات، التي إنتصبت عليها الإرتكازات ونقاط التفيش التي يذل فيها الرجال والنساء معاً، وتقطعت شبكات الاتصال التي تم قطعها في فبراير 2024م من الجزيرة ، وانهارت الخدمات الحيوية، ما خلق بيئة مثالية لحدوث حالات فقدان متعددة ومتسارعة، وساهمت ظروف الحرب في فقدان الأشخاص بسبب إنقطاع شبكات الاتصالات والإنترنت لفترات طويلة، ما منع الأسر من عدم تتبع أبنائها، وكذلك أدت الهجمات من قبل الدعم السريع علي بعض القري الي حالات نزوح واسعة بقرى الجزيرة التي كانت تقع تحت سيطرة الدعم السريع قبل خروجها من الجزيرة الي فقدان البعض ، وموت كبار السن مثل عمتي عائشه التي نزحت من قريتها بشرق الجزيرة الي شندي حيث توفيت هنالك بعيدة عن قريتها ، وذات الحال ينطبق علي بعض أهل الجزيرة ، وفي نقاط التفتيش والارتكازات التي أشرنا لها ، إختفى أشخاص دون معرفة مصيرهم، الفئات الأكثر تعرضًا للفقد الرجال والشباب أثناء الخروج لإحضار الطعام أو الوقود، وشراء بعض الإحتياجات الضرورية.
بين الخوف والرجاء:
الملامح الإنسانية من معاناة الأسر في قضية المفقودين ليست أرقامًا جامدة، إنها قصص لبيوت معلّقة على خيط أمل رقيق، وقلوب مشدودة بين الدعاء والخشية، في ولاية الجزيرة تتكرر ذات المأساة في كل منزل تقريبًا، الانتظار هنا ليس مجرد أمل، بل هو معركة يومية مع الخوف، بالجزيرة تجد أم تنظر كل صباح إلى الباب، كأنها تسمع وقع خطى ابنها، لكنها لا تجد سوى الصمت؟ وهنالك طفل يسأل : متي يعود أبي ؟ ولا أحد يملك الإجابة ، وزوجة تخبر نفسها أن شبكات الاتصال ضعيفة، وأنه سيعود… لكنها تعرف في داخلها أن الوقت يمرّ دون أثر، فالإنهيار النفسي داخل الأسر له حالات متعددة منها إضطرابات النوم، والاكتئاب، ونوبات الهلع، والانعزال عن المجتمع، والشعور بالذنب لمن بقي على قيد الحياة، وفقدان القدرة على مواجهة واقع الفقد، فالأم، تحديدًا، تتحمل ثقلًا يفوق قدرتها. فهي تحمل الأمل والخوف معًا، وتخبئ الدموع حتى لا تراها بقية الأسرة، أما الأطفال هم الأكثر تأثرًا لأنهم لا يفهمون معنى (مفقود) وتتغير شخصيات كثير منهم، ويعيشون قلقًا دائمًا، وبعضهم تظهر عليه علامات العدوانية أو الانطواء، وتفكك الروابط الأسرية أثناء النزوح في لحظات الهروب الجماعي، يفقد الناس القدرة على البقاء مجتمعين، فيتشتت أفراد الأسرة في الاتجاهات الأربعة، في ظل إنعدام المركبات ، والسير علي الاقدام ، والخوف من الاشتباكات ، كلها عوامل أدت لفقدان الأطفال والنساء وكبار السن ، وتزامن كل ذلك مع إنهيار النظام المجتمعي التقليدي في ولاية الجزيرة المعروفة بترابطها الاجتماعي والعائلي، لكن الحرب ضربت هذا التماسك، وتسبب في انخفاض دور الجيران في المساندة، وغياب دور اللجان الأهلية في التبليغ والمتابعة، وتمدد الفوضى الأمنية وانتشار المسلحين وجود مجموعات مسلحة غير منضبطة ساهم في إحتجاز مدنيين بشكل عشوائين وإختفاء أشخاص في ظروف غامضة، وصعوبة الوصول للمعلومات أو تدوين البلاغات، وغياب السلطات المحلية لفترات طويلة.
وجوه بلا أثر:
ويري خبراء في علم النفس إن الاسر تعاني من صدمات متداخلة لحظة إختفاء الشخص ، وفي فترة البحث والركض بين المستشفيات والمقابر ومراكز الإيواء ، ومرور وقت طويل دون إجابة ، وتعتبر حالة عدم اليقين من أكثر الحالات النفسية قسوة، لأن الحزن الطبيعي لا يبدأ إلا عندما تتأكد الحقيقة، لكن في حالة المفقودين يبقى الإنسان معلّقًا، ومن المعوقات التي تواجه عملية التوثيق والبحثن هي ضعف المؤسسات الحكومية توقف مراكز الشرطة، وعدم وجود قاعدة بيانات موحدة، وغياب فرق البحث الرسمية، وتوقف خدمات الطب العدلي خلال فترات القتال، وصعوبة التنقل بين المناطق، وعدم توفر فرق متخصصة في البحث عن المفقودين، ونقص التمويل والدعم، وانهيار البنية التحتية، ولمعالجة هذه القضية المهمة، وعلى المستوى الإنساني إنشاء مراكز بحث متخصصة للمفقودين في جميع مدن الجزيرة، دعم الأسر نفسيًا واجتماعيًا عبر برامج متواصلة، وتوفير منصات إلكترونية وأرشيفات موحدة لتسجيل الحالات، وعلى المستوى القانوني سن قوانين واضحة لمعالجة الاختفاء القسري، وإدراج ملف المفقودين ضمن ملفات العدالة الانتقالية، وإنشاء نظام سريع لإجراءات إثبات الوفاة الغيابية، وعلى مستوى المجتمع دعم المبادرات المجتمعية للتقصي والبحث، وتشكيل لجان محلية لجمع المعلومات من الشهود، وتوثيق الروايات في كل قرية وحي.
غياب الأحبة:
عموماً لا تزال قضية المفقودين في ولاية الجزيرة جرحًا مفتوحًا لا يندمل مهما طال الزمن، فغياب الأحبة لا يشبه أي غياب، وهو أكثر قسوة من الموت لأنه بلا جواب، كل بيت فقد شخصًا يعيش اليوم على أمل هش لكنه عميق: أن يعودوا، أو أن يعرفوا الحقيقة التي تضع حدًا لعذاب الانتظار، فهذه القضية تعيد إلي أذهاننا بأن الحرب لا تنتهي بصمت البنادق، بل بعودة المفقودين أو معرفة مصائرهم، وبإعادة بناء الثقة في العدالة، وبإصلاح ما تهدم من حياة الأسر.،إن كل اسم مفقود هو قصة إنسانية يجب ألا تُنسى، وكل صورة معلّقة على جدار هي شاهد على مرحلة مؤلمة من تاريخ السودان، وعلى ضرورة عدم السماح بتكرارها مرة أخرى، ويظل صوت الأسر، بكل ما يحمل من ألم ورجاء، هو النداء الذي يجب أن يسمعه الجميع (يتبع)

