الأحد, مايو 10, 2026
تقاريرسياسة

قصص المفقودين من الريف والمدينة (8)

كتب: حسين سعد

في مدينة الجنينة، حاضرة ولاية غرب درافور حيث يختلط غبار الطرقات برائحة الخوف، وحيث تُلقي الحرب بظلالها الثقيلة على كل بيت، تقف أمٌ على حافة الانهيار، على صورة ابنها كما لو أن الإمساك بها هو ما يبقيها على قيد الحياة. ابنها الذي خرج ذات صباحٍ ليقضي حاجة بسيطة، لم يكن يعرف أن خطواته تلك ستكون آخر ما رأته عيناه من شوارع المدينة المكلومة، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد؛ لا خبرٌ، ولا أثر، ولا حتى شاهد يستطيع أن يخفف من وطأة الحيرة التي تنهش قلب الأم، هذه الأم لم تتوقف يوماً عن السؤال. ذهبت إلى المستشفيات، إلى مواقع النزوح، إلى أقسام الشرطة، وإلى كل مكانٍ قيل لها إن شاباً مجهول الاسم شوهد فيه، كانت تقتفي أثر أي همسة، أي معلومة، مهما كانت ضعيفة. وحتى الآن، ما زال قلبها يرفض الاعتراف بالأسوأ، وما زال الأمل يطرق أبواب روحها كل فجر، يخبرها بصوتٍ خافت: ربما يعود اليوم.

أمٌ وقرية كاملة تبحث عن أبنائها
وفي ريف الجنينة، في قرية صغيرة تتشبث بالحياة رغم الجراح، تعيش أسرة أخرى مأساة مشابهة ابنهم، الذي كان سندهم في الأرض والمحاصيل والرعي، إختفى هو الآخر في طريقٍ وعرٍ بين القرية والمدينة، كانوا يظنون أن الطريق قصير، وأن العودة مضمونة، لكن الحرب لا تمنح أحداً وعوداً، ومنذ اختفائه، أصبحت القرية بأكملها تشترك في الحزن، فالغياب هنا ليس غياب فردٍ واحد، بل غياب قوةٍ كانت تحمل بيتاً كاملاً، الأب الذي كان صلباً كجذع الشجرة، صار صوته يختنق عندما يُسأل عن ابنه، الأم التي كانت تبث الحكايات والضحكات في الأمسيات، صارت تنام قرب الهاتف، تنتظر رنيناً قد يحمل خبراً، الإخوة والأخوات يمرّون كل يومٍ بالقرب من الباب الذي كان يفتحه الغائب ويغلقه، وكأنهم ينتظرون أن يدور المقبض فجأة وتعود الحياة كما كانت في الجنينة وريفها، لا يعيش الناس فقط على الحدود الهشة للأمان، بل يعيشون بين حدود اليقين والشك، بين صرخات القلب وحكمة الصبر، المفقودون ليسوا مجرد ظلال غابت، بل هم نبضٌ انكسر، وأحلامٌ تُركت معلقة، وحياةٌ توقف جزءٌ منها ولم يعد يدور مع الزمن، الأمهات في الجنينة يشتركن في هذا الوجع، والقرى تتقاطع حكاياتها، لأن الفقد هنا صار قَدَراً تتوارثه الأسر في صمت، ومع ذلك، ما زال الأمل ثابتاً كجبل مرة، وما زال الناس يصلّون، يستقصون، ويبحثون بعنادٍ لا تهزمه الحرب، علّ الذين غابوا يعودون بخبر أو بحياة… فالقلب لا يتعلم الاستسلام، مهما ألحّت عليه المآسي.

الطريق الذي التهم الغائبين:
كان صباحاً حزيناً علي والدة الشاب المفقود (محمود) وهذا أسم مستعار ، من صباحات الحرب حيث أصوات الرصاص في أطراف القرية، رائحة الدخان، وأصوات تحذيرات الجيران تملأ المكان، في ذلك اليوم، استيقظ محمود – الشاب النحيل ذي الابتسامة الدائمة – قبل الفجر، لم تكن والدته تعرف أنه لن يعود، كان يجمع بعض الأشياء، رقمه الوطني ، وهاتفه المحمول ، وقميص إحتياطي ،وسكيناً صغيرة للضرورة، سألته أمه ماشي وين يا محمود: أجاب وهو يحاول أن يخفي ارتباكه، (ماشي أشوف الوضع في السوق… الناس قالت إن شاء الله يا أمي… ساعة وأكون راجع، لكن الساعة تحوّلت إلى يوم… واليوم إلى أسبوع… ثم إلى عام كامل، ثم إلي ثلاثة أعوام لم تسمع فيه أمه عنه خبراً. وفي الهجوم علي القرية الوادعة تغير كل شي خلال ساعة واحدة من خروج (محمود) بدأت أصوات اشتباكات عنيفة ، وتمددت الفوضى، الناس تركوا البيوت بسرعة ، البعض جرى نحو الوديان والرمال والمزارع ، آخرون اختبأوا داخل البيوت ، بينما تم نُقل الجرحى إلى المدارس والمراكز الصحية الصغيرة، في ظل هذا الواقع الدامي لم تستطع أم محمود الخروج إلى الشارع، لكن قلبها كان ينزف، في نهاية النهار، هدأ صوت السلاح قليلاً، خرجت تسأل الجيران( محمود ما رجع) أحدهم قال إنهم رأوه قرب السوق، آخر قال إنه أُصيب وربما نُقل مع الجرحى، وثالث قال إنه اعتُقل مع مجموعة من الشباب، لم يكن هناك خبر يقيني، كل شيء كان شائعة، في اليوم التالي لتلك الأحداث الدامية بدأت والدة محمود في رحلة البحث ذهبت إلى المدرسة التي تحوّلت إلى مركز إسعاف سريع ومستشفى ميداني أُقيم في باحة مسجد، نقطة طبية بسيطة يديرها أطباء متطوعون، كانت تسأل الممرضين، المسعفين، الجرحى، شفتوا شاب اسمه محمود؟ جسمه طويل وابتسامته ما بتنقطع، كان البعض يهز رأسه بـ لا أعرف، وكان البعض يقول: ربما تم نقله لبعض المعسكرات خارج المنطقة ، أما الوجوه التي لم تعرف، فكانت تقول لها، أذهبي الي الجنينة او نيالا ، هنالك ربما تجدي خبر.

رحلة النزوح و البحث :
عندما اشتد القتال، نزحت أم محمود مع آلاف آخرين نحو مناطق أكثر أمناً، لكنها نزحت بقلب ممزق : لا تعرف أين إبنها ، أو إلي إي جهة تم إقتياده ، وهل محمود حياً أو قتيلاً أو أسيراً، كانت تحمل حقيبة صغيرة لا تزيد عن صورة قديمة لمحمود، في طريق النزوح، توقفت في قرى أخري ، ومعسكرات تم تشييدها كمراكز استقبال، كانت تسأل : في زول شاف ولدي محمود ، لكن الاجابات كانت دائماً ، يمكن يكون حي ، ويمكن يكون أسير ، لكن الكلمة التي قتلتها أكثر وهي ( ماعندنا خبر) بعد ذلك وصلت والدة محمود الي مدينة الجنينة التي هجرها غالبية أهلها ومن تبقي منهم كانوا يحملون قصص مشابهة ، ذهبت أم محمود الي معسكرات النزوح وسألت بعض المنظمات الانسانية ، زارت قوائم الجرحى في المستشفيات،سألت القادمات من الجنينة وكرينك والضعين، في إحدى المراكز الصحية، رأى أحد الأطباء الصورة وقال الي والدة محمود : هذه الصورة تشبه صورة شاب نقلوه قبل أسبوع …لكن لا أستطيع التأكيد، ذهبت إلى الغرفة التي أشار إليها… لكنها وجدت سريراً فارغاً، سألت الممرضة، أين المريض الحاصل له كده، أجابتها الممرضة نُقل لمكان آخر… ما نعرف وين، وبذلك، لم تعثر على شيء، الناس في الحرب إما يموتون، أو يبقون أحياء، وهي المفقود لا قبر له ولا خبر ولا شاهد ولا وداع، هنا تقول والدة محمود إلا في دارفور، هناك حالة ثالثة أقسى، اذا ولدي مات كان لديه قبر كنت أمشي وأقرأ عليه ، أبكي وأقول يا رب تقبله، لكن الان لا اعرف أين محمود هل حياً أم ميتاً ، وهذا هو الوجع الحقيقي. حديث والدة محمود تقوله الأمهات في المعسكرات : هنالك من فقدت إبنها بعد إحتراق القرية ، وأخرى إختفى زوجها بعد خروجه لإحضار دواء، كلهن يشتركن في شيء واحد، لا أحد يريد تصديق أن الغائب مات، ولا أحد يستطيع إثبات أنه حي.

الخاتمة: إنتظار أكبر من الجغرافية والوقت:
قصة والدة محمود ليست استثناء… إنها جزء من ذاكرة دارفور في الحرب، يموت الشباب مرة واحدة لكن أمهاتهم يمتن كل يوم، منذ أكثر من عام ، وهي تحمل صورة إبنها كأنها تحمل قلبها خارج صدرها، تنام علي الارض كأن الحياة مؤقتة، وتستيقظ كأن المعجزة ممكنة ، في كل مساء تُنصت لحركة الخطوات في ممرات المعسكر ، وللأصوات التي تختلط في الطرق، وتفتح القماش المعلّق على باب خيمتها بطيئاً، وهي تردد ربما يكون محمود مازالت تنتظر خطوة واحدة يسمعها قبلها قبل أذنها، حال والدة محمود هو ذات الحال لاعداد كبيرة من أسر المفقودين في السودان الذين ما زالوا في إنتظار عودة مفقوديهم (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *