الغياب في دارفور وجع لا يهدأ وأمل لا ينطفئ (7)
كتب: حسين سعد
في مدن الفاشر ونيالا، والجنينة المدن التي عرف أهلها الصبر كما يعرفون أسماء أحيائها وأوديتها، أصبح الفقد جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. فكل بيتٍ تقريباً يحمل قصة غائبٍ لم يعد، وكل أسرة تحمل في صدرها حكاية قلقٍ لا ينطفئ. الحرب لم تكتفِ بتهجير الناس، ولا بتدمير البيوت والسوق الكبير والطرق الرئيسية، بل امتدت لتسلب الأسر أعزّ ما تملك: أبناءها الذين خرجوا ذات صباح ولم يعودوا، في دارفور ، يعيش الناس على حافة الانتظار، أمٌّ تنظر كل مساء إلى الطريق الترابي الذي كان ابنها يسلكه عائداً من السوق، لعل خطى مجهولة تشبه خطواته. أبٌ يراجع أسماء الجرحى في المستشفيات والمراكز الصحية واحداً تلو الآخر، وقلبه يتأرجح بين خوفٍ أن يجد اسمه في قوائم الموتى ورجاء أن يجد أثراً يطمئنه بأنه ما زال حيّاً ، أطفالٌ يسألون عن إخوتهم، ولا يعرف الكبار ماذا يقولون… هل يقولون الحقيقة التي قد تكسر قلوبهم الصغيرة؟ أم يزرعون أملاً قد يطول انتظاره؟
أسر تبحث في ظلام الحرب عن بصيص حياة
المفقود في دارفور ليس مجرد فرد غاب؛ هو عمودٌ سقط من سقف الأسرة، وثغرة لا يمكن سدّها بالكلمات. كل مفقود خلفه ذكريات تتناثر في البيت: كرسيه الذي لم يجلس عليه منذ شهور، ملابسه المعلقة كما تركها، صوته الذي يعيش في ذاكرة الأم كأن الزمن توقف عنده، ورغم قسوة الحرب وضياع الأخبار وانقطاع الاتصالات، لا تزال الأسر في دارفور تتمسك بخيط الأمل الرفيع. الأمل هو الشيء الوحيد الذي لم تُسقطه الحرب. إنه الأمل الذي يجعلهم يخرجون كل يوم يبحثون، يسألون، ويتتبعون أي معلومة مهما كانت ضئيلة. هو الأمل الذي يجعلهم يرون الغائب في كل وجه، ويسمعون خطاه في كل خطوة، ويشعرون بوجوده في كل لحظة صمت، فمعاناة المفقودين في مدن وقري دارفور ليست قصة محلية، بل مأساة إنسانية كاملة الأركان. إنها صرخة يجب أن يسمعها العالم، كي يدرك أن الفقد ليس مجرد حدث فردي بل جرح جماعي يثقل روح المدينة بأكملها. وبين ركام البيوت وحقول النزوح ومخيمات الخوف، يبقى السؤال معلّقاً في الهواء: أين هم؟ وكيف يمكن أن يعودوا؟
وجوه غابت وقلوب تحترق وعيون لا تنام
وفي راديو دبنقا : نشر تقرير بتاريخ يوم 22 يناير 2025م تحت عنوان ( بالاسماء مركز حقوقي يكشف ارتفاع حالات المفقودين في نيالا) رصد المركز الإفريقي لدراسات السلام والعدالة في تقريره الأخير ارتفاعاً ملحوظاً في حالات المفقودين في مدينة نيالا منذ اندلاع الحرب في السودان. حيث وثق المركز أسماء تسعة مواطنين سودانيين، بما في ذلك ثلاثة نازحين وطفلين، فقدوا خلال الفترة ما بين الأسبوع الثالث من سبتمبر 2023 والأسبوع الثاني من يناير 2025م وأعرب المركز عن قلقه العميق إزاء تزايد حالات الاختفاء القسري في السودان، مشيراً إلى أنها ظاهرة شائعة بشكل خاص في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع مثل جنوب دارفور. ووفقًا للمجموعة السودانية لضحايا الاختفاء القسري، بلغ عدد الأشخاص المخ تفين 1140 شخصًا حتى أبريل 2024، منهم 27 طفلاً و116 امرأة. وقد جرى الإفراج عن بعض الحالات بعد الحصول على فدية، فيما اعتُقل معظم الضحايا تعسفياً للاشتباه في تعاونهم مع الأطراف المعارضة: تفاصيل المفقودين فيما يلي قائمة بأسماء المفقودين الذين وثقهم المركز: وهم عبد الله عبد الرحمن 40 سنة حي الوحدة تاريخ الفقدان 23 يناير 2025م ، عثمان محمد حامد نازح معسكر عطاش 11 سنة تاريخ الفقدان 23 ديسمبر 2024م ، أبوبكر زين العابدين نازح معسكر عطاش تاريخ الفقدان ديسمبر 2024م ، هارون الدومة إدريس نازح معسكر عطاش تاريخ الفقدان ديسمبر 2024م ، جلال مختار غير محدد ، أبو طالب محمد علي قاصر تاريخ الفقدان نوفمبر 2024م حي الثورة الشمالية ، عبد الرحمن الحاج حي الخرطوم بليل تاريخ الفقدان سبتمبر 2024م .
أسر معلّقة بين الخوف والأمل
في سياق هذه الأوضاع المأساوية، نبه المركز إلى الزيادة الملحوظة في ظاهرة المفقودين في سياق الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري، مناشداً المنظمات الإنسانية الدولية، مثل الصليب الأحمر، بالتدخل للبحث عن المفقودين والضغط على الأطراف المتحاربة لوقف هذه الممارسات، كما دعا المركز الأطراف المتحاربة إلى الإفراج عن جميع الضحايا المحتجزين وتقديم المعلومات لعائلات الموتى بخصوص أماكن دفن أقاربهم، مؤكدًا على ضرورة الإفراج عن الجثث ليتسنى دفنها بشكل لائق، وطالب المركز السلطات السودانية بالتحرك جدياً لمحاسبة الجناة من خلال محاكمات عادلة لضمان العدالة ووقف هذه الممارسات المروعة في حق المدنيين.
وفي راديو دبنقا نشر خبر بتاريخ 1 سبتمبر 2025م تحت عنوان (تصاعد حالات الاختفاء القسري في الفاشر وسط توسع سيطرة الدعــم ) وفي الذكرى السنوية لليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، كشفت المجموعة السودانية المعنية بهذا الملف عن توثيق 1140 حالة اختفاء قسري خلال عام واحد من اندلاع الحرب، في حين سجلت شبكة “صيحة” الحقوقية 43 حالة مماثلة في مدينة الفاشر منذ شهر مارس الماضي، بينها 13 حالة وقعت خلال شهر أغسطس الجاري. هذه الأرقام تعكس تصاعداً مقلقاً في وتيرة الانتهاكات التي تطال المدنيين، وتحديداً في المناطق المتأثرة بالنزاع المسلح، وأشار المحامي عثمان البصري، عضو المجموعة السودانية لضحايا الاختفاء القسري، أشار في مقابلة مع راديو دبنقا إلى أن بعض المنظمات الدولية والجهات الأممية قدّرت عدد الضحايا بأكثر من أربعة آلاف حالة، ما يستدعي تكثيف الجهود المشتركة بين الجهات المعنية لتوثيق هذه الحالات والضغط من أجل الكشف عن مصير المختفين. ويُعد إحياء هذا اليوم مناسبة لتسليط الضوء على الآثار المدمّرة للاختفاء القسري، ليس فقط على الضحايا، بل على أسرهم والمجتمع بأكمله، وفي السياق ذاته، أعلنت غرفة طوارئ أبو شوك عبر منصاتها الرقمية عن فقدان عدد من المواطنين خلال الأيام الماضية، ونشرت صوراً ومعلومات تعريفية عنهم، في خطوة تهدف إلى تعزيز جهود البحث والتوثيق. وكانت الغرفة قد وقّعت اتفاقاً للتعاون مع مركز ضحايا الاختفاء القسري “مفقود”، يهدف إلى دعم أسر المختفين في الإبلاغ عن الحالات وتوثيقها بدقة، إلى جانب التنسيق مع المصادر الميدانية والجهات ذات الصلة، وإطلاق مناشدات إنسانية ودولية للمطالبة الكشف عن مصير الضحايا وضمان حماية المدنيين من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.
من جانبها أصدرت شبكة “صيحة” بياناً شديد اللهجة أدانت فيه الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر بشمال دارفور، والتي استهدفت النساء والأطفال بشكل خاص، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني وترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وأوضحت الشبكة أنها وثّقت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2025 أكثر من 291 حالة اختفاء قسري واختطاف لنساء وفتيات وأطفال في مختلف أنحاء السودان، مشيرة إلى أن إقليم دارفور شهد خلال العام الماضي تصاعداً خطيراً في هذه الجرائم، ما يدل على أنها تُرتكب بشكل ممنهج، ويجري فيها استهداف المدنيين واستخدامهم كأدوات ضمن سياق النزاع، وأوضحت الشبكة أن شهر أغسطس 2025م شهد تفاقماً في هذه الانتهاكات داخل مدينة الفاشر ومعسكر أبو شوك للنازحين، نتيجة اتساع نطاق سيطرة قوات الدعم السريع. وأشارت إلى حادثة وقعت يوم الثلاثاء 12 أغسطس 2025م ، حيث اقتحمت عناصر من هذه القوات منزلاً في حي الوادي، واقتادت سبعة أفراد من عائلة واحدة إلى جهة مجهولة، بينهم نساء وأطفال تتراوح أعمارهم بين خمس سنوات وخمسة وستين عاماً، كما وثّقت الشبكة في 23 أغسطس 2025م حالات اختطاف جديدة من داخل معسكر أبو شوك، شملت ست نساء من أعمار مختلفة، من بينهن نازحات من مناطق أخرى مثل كتم، حيث تم اقتيادهن إلى أماكن غير معلومة.
وأشارت أيضاً إلى حادثة سابقة في مارس 2025، تم خلالها اختطاف ثلاثين امرأة وفتاة من قرية كراسو شرق الفاشر وحي الثورة، حيث جرى إحتجازهن في مباني الإمدادات الطبية التي حوّلتها قوات الدعم السريع إلى مراكز إحتجاز، وتعرضن هناك لانتهاكات جسيمة شملت العنف الجنسي والتعذيب والعمل القسري، ونوهت الشبكة إلى أن هناك العديد من الحالات التي لم تتمكن من توثيقها بسبب تدهور الوضع الأمني، وانقطاع الإنترنت، وصعوبة التواصل مع الأسر، مؤكدة أن هذه الجرائم الممنهجة ضد النساء والأطفال وكبار السن تمثل سياسة متعمّدة تهدف إلى إرهاب المدنيين. وأشارت إلى أن الإختفاء القسري والعنف الجنسي والإعدامات الجماعية تُعتبر إنتهاكات خطيرة يحظرها القانون الدولي، وتستوجب مساءلة عاجلة، وفي ختام بيانها، طالبت الشبكة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع ضحايا الاختفاء القسري، وإعادتهم إلى أسرهم، كما دعت إلى رفع الحصار عن مدينة الفاشر والمدن الأخرى المحاصرة في السودان، بما يتيح وصول المساعدات الإنسانية وإنقاذ المدنيين. وشددت على ضرورة وقف جميع أشكال التدخل الخارجي في النزاع، بما في ذلك توريد الأسلحة، التزاماً بحظر السلاح المفروض على دارفور، وجددت الشبكة تأكيدها علي أهمية الالتزام الكامل بقرار مجلس الأمن رقم 2736 الصادر عام 2024، والذي ينص على الوقف الفوري للعدائيات، مشيرة إلى أنه في حال عدم الإ لتزام، يتعيّن على مجلس الأمن النظر في جميع الخيارات الأخرى، بما في ذلك نشر بعثة لحفظ السلام في دارفور لحماية المدنيين. كما طالبت بمحاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في الإقليم، بمن فيهم الرئيس السابق عمر البشير وأعوانه، إلى جانب الجهات المتورطة في الانتهاكات الجارية، مؤكدة أن تحقيق العدالة والمساءلة هو السبيل الوحيد نحو إحلال السلام والاستقرار في دارفور (يتبع).

