الخميس, أبريل 30, 2026
تقاريرسياسة

جيلٌ خارج الفصول.. حرمان 280 ألف طالب من الامتحانات تهديدٌ لمستقبل السودان

تقرير: حسين سعد

لم تعد أصوات القذائف وحدها هي التي تهدد المستقبل، بل أيضاً صمت الفصول الدراسية الخالية، ودفاتر الطلاب التي توقفت عند منتصف الحلم. أكثر من 280 ألف طالب وطالبة حُرموا هذا العام من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، ليس بسبب الرسوب أو التقصير، بل لأن الحرب وضعت بينهم وبين مقاعد الامتحان حواجز من الخوف والنزوح والانقسام.

هذه الأزمة لم تعد مجرد تعثر إداري أو ظرف طارئ فرضته المعارك، بل تحولت إلى قضية حقوقية وإنسانية تمس جوهر الحق في التعليم، أحد الحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية والدستور الوطني. فحين يُحرم الطالب من حقه في الامتحان، لا يُسلب فقط مستقبله الأكاديمي، بل تُفتح أمامه أبواب أخرى أكثر قسوة: التسرب، الإحباط، الهجرة غير الشرعية، حمل السلاح، والزواج المبكر للفتيات.

ويرى تربويون وحقوقيون أن ما يحدث اليوم يمثل واحدة من أخطر نتائج الحرب على المجتمع السوداني، لأنه لا يهدد جيلاً واحداً فقط، بل يضع مستقبل البلاد ووحدتها الوطنية على المحك.

جريمة تتجاوز التعليم:

ورداً على سؤال حول حجم التأثير الفعلي لحرمان 280 ألف طالب وطالبة من الجلوس للامتحانات هذا العام وتأثير ذلك على مستقبل التعليم في السودان، يصف وزير الإعلام السابق والصحفي حمزة بلول، في حديثه مع “مدنية نيوز”، حرمان الطلاب من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية بأنه من أبرز جرائم الحرب المستمرة في السودان منذ أكثر من ثلاث سنوات، مؤكداً أن أثرها لا يقتصر على القطاع التعليمي وحده، بل يمتد إلى مستقبل السودان ككل.

ويقول بلول إن حرمان مئات الآلاف من الأطفال والشباب من التعليم في مناطق محددة، مقابل استمرار العملية التعليمية في مناطق أخرى، يمثل تمهيداً خطيراً لانقسام حقيقي بين المواطنين، مضيفاً أن “استمرار التعليم في مناطق وحرمان مناطق أخرى يخلق شعوراً عميقاً بالتمييز والتهميش، ويؤسس لانفصال وجداني بين أبناء الوطن الواحد”.

من جهته، يرى عضو لجنة المعلمين الأستاذ سامي الباقر، في حديثه مع “مدنية نيوز”، أن حرمان الطلاب من الامتحانات يفتح الباب واسعاً أمام انخراطهم في أنشطة مدمرة مثل الجريمة، والانضمام إلى المليشيات المسلحة، والهجرة غير الشرعية، نتيجة لإغلاق أبواب المستقبل أمامهم.

ويضيف أن هذا الوضع لا يهدد الطلاب فقط، بل يمتد أثره إلى أسرهم وإلى السودان ووحدته الوطنية، مشيراً إلى أن لجنة المعلمين حذرت مبكراً من خطورة استخدام التعليم كأداة في الصراع السياسي والعسكري.

انهيار بنيوي:

وفي الأثناء، قالت معلمة فضّلت حجب اسمها، في حديثها مع “مدنية نيوز”، إن الأزمة الحالية ليست مجرد حالة طارئة فرضتها الحرب، بل هي مؤشر واضح على انهيار بنيوي ممتد أصاب قطاع التعليم منذ سنوات طويلة.

وأضافت أن العديد من الأقاليم السودانية ظلت تعاني تاريخياً من الإهمال والتهميش في البنية التعليمية، سواء من حيث ضعف المناهج، أو نقص تدريب المعلمين، أو إلغاء معاهد إعداد المعلمين، إلى جانب التفاوت الكبير في فرص الوصول إلى التعليم.

وأشارت إلى أن استمرار هذا الحرمان لثلاث سنوات متتالية تسبب في آثار اجتماعية خطيرة، حيث تعرضت أعداد من الفتيات للزواج المبكر نتيجة الانقطاع عن الدراسة، بينما اضطر كثير من الأولاد إلى حمل السلاح والانخراط في النزاعات المسلحة، ما يهدد جيلاً كاملاً بالضياع ويضع مستقبل البلاد أمام تحديات أكثر تعقيداً.

وفي المقابل، قال المعالج النفسي الدكتور عبد الله آدم (شُوالي)، في حديثه مع “مدنية نيوز”، إن حجم التأثير الفعلي يمكن أن ينعكس على القبول في الجامعات والتخصصات المختلفة، وقد يؤدي إلى غياب التنوع داخل الجامعات نتيجة غياب طلاب من مناطق معينة، مما يهدد مستقبل التعليم العالي.

وأضاف أن ذلك قد يؤدي إلى ضغط متزايد على بعض الجامعات، مقابل تراجع القبول في جامعات أخرى، وهو ما قد يؤثر على نسب القبول ويقلل فرص حتى الطلاب الذين تمكنوا من الجلوس للامتحانات.

وبدوره، يقول المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان الصادق علي حسن، في حديثه مع “مدنية نيوز”، إن التأثير كبير جداً، ولا يقتصر على فوات أداء الامتحانات لعام أو أكثر، بل يمتد إلى دفع أعداد كبيرة من الطلاب، خاصة الذكور، نحو البحث عن خيارات بديلة قد تشمل الانخراط في النزاعات المسلحة وممارسة العنف.

وأضاف أن أعداداً كبيرة في دارفور وكردفان أصبحت وقوداً للحرب نتيجة الانقطاع عن الدراسة، مشيراً إلى أن الابتعاد عن التعليم أثّر أيضاً على السلوكيات العامة للأجيال الجديدة.

انتهاك لحقوق المواطنة:

ورداً على سؤال حول توصيف هذه الأزمة، يقول حمزة بلول إن حرب أبريل 2023 كشفت هذا الانهيار بوضوح، بعد توقف العملية التعليمية في معظم أنحاء البلاد، وتحول المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، فضلاً عن هجرة أعداد كبيرة من المعلمين بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وعدم انتظام الرواتب.

ويشير إلى أن آلاف الطلاب الذين عاشوا تحت القصف وشهدوا الانتهاكات يحتاجون إلى دعم نفسي قبل العودة إلى مقاعد الدراسة، محذراً من أن تجاهل هذا الجانب قد يحول المدارس إلى بيئات جديدة للعنف والصراع.

ويؤكد أن توقف الدراسة بالنسبة للفتيات غالباً ما يعني نهاية المسار التعليمي، وبداية تكوين أسرة جديدة، ما يجعل العودة إلى المدرسة لاحقاً أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

أما بالنسبة للأسر، فإن توقف المسار التعليمي لأبنائهم يمثل صدمة نفسية عميقة تتجسد في الإحباط واليأس والخوف من المستقبل، وقد تصل إلى الاكتئاب والانهيار الاجتماعي.

ويرى بلول أن حرمان الطلاب من الامتحانات يمثل انتهاكاً لحقوق المواطنة قبل أن يكون مخالفة للقانون الدولي، واصفاً ذلك بأنه “سقوط أخلاقي لكل جهة تساهم في استمرار هذا الوضع”.

ويضيف أن مطالبة طالب بالسفر عبر مناطق الحرب للجلوس للامتحان، بينما يؤدي زميله الامتحان داخل مدرسته، يمثل شكلاً واضحاً من أشكال التمييز الجغرافي المرفوض قانونياً وأخلاقياً ووطنياً.

جيل كامل من الفاقد التربوي:

يرى الدكتور شُوالي أن الأزمة تحمل وجهين: فهي من ناحية حالة طارئة مرتبطة بالحرب، لكنها في الوقت نفسه تنذر بخلل بنيوي عميق، لأن خروج أعداد ضخمة من الطلاب من دائرة التعليم يعني إنتاج جيل كامل من الفاقد التربوي والأمية.

ويضيف أن التأثير لا يتوقف عند التعليم العام، بل يمتد إلى التعليم العالي، حيث سيؤثر غياب هذا العدد الكبير من الطلاب على القبول الجامعي والتنوع الجغرافي داخل الجامعات.

كما يحذر من أن بعض الجامعات قد تواجه تراجعاً في أعداد المقبولين، بينما تتعرض جامعات أخرى لضغط متزايد، الأمر الذي قد ينعكس على نسب القبول ويقلل فرص الطلاب.

الفتيات أكثر هشاشة.. والفتيان أقرب إلى الحرب:

يشير شُوالي إلى أن استمرار الحرمان من التعليم لثلاث سنوات متتالية خلق آثاراً اجتماعية خطيرة، خاصة على الفتيات والأطفال في مناطق النزاع، حيث تعرضت أعداد كبيرة من الفتيات للزواج المبكر، بينما اضطر كثير من الفتيان إلى حمل السلاح أو العمل في وظائف هامشية لإعالة أسرهم.

ويضيف أن الحرمان من الامتحانات يؤدي إلى آثار نفسية مباشرة، مثل الإحباط وقلق المستقبل، وقد يصل إلى الاكتئاب.

ومن جهته، يصف المحامي الصادق علي حسن الأزمة السودانية بأنها أزمة تشظي دولة هشة، مؤكداً أن الانهيار ليس تعليمياً فقط، بل بنيوي شامل.

المنظمات الدولية والتعليم:

وفيما يتعلق بدور المنظمات الدولية، يرى حمزة بلول أنها يمكن أن تسهم في تقديم الدعم اللوجستي لعملية الامتحانات، لما تمتلكه من موارد وقدرة على الحركة، إضافة إلى مقبوليتها لدى أطراف النزاع.

ويؤكد أن حرمان الطلاب من الامتحانات يمثل انتهاكاً لحقوق المواطنة وسقوطاً أخلاقياً، داعياً إلى التوافق على مبدأ “التعليم فوق الجميع”.

من جانبها، ترى لجنة المعلمين أن وجود المنظمات الدولية والإقليمية يمثل ضمانة لاستمرار العملية التعليمية في حالات الطوارئ، نظراً لما توفره من موارد وآليات تنفيذ.

ويشير سامي الباقر إلى ضرورة إشراك هذه المنظمات بشكل فعال لدعم قطاع التعليم.

كما يدعو شُوالي إلى تدخل منظمات مثل اليونسكو واليونيسف كوسطاء، وطرح قضية التعليم ضمن أجندة مفاوضات السلام.

تداعيات خطيرة:

حذّر حمزة بلول من أن استمرار توقف التعليم سيؤدي إلى كوارث متعددة، أبرزها زيادة معدلات البطالة والانخراط في النزاعات المسلحة.

وأوضح أن بقاء الشباب خارج التعليم يدفعهم نحو خيارات خطرة، مثل القتال، مما يزيد من تعقيد الأزمة.

وأكد أن المسؤولية تقع على أطراف النزاع، إلى جانب مسؤولية المجتمع في الضغط لإنقاذ مستقبل الطلاب.

من يتحمل المسؤولية:

يتفق معظم المتحدثين على أن المسؤولية المباشرة تقع على أطراف النزاع، لكنهم يشددون على وجود مسؤولية مجتمعية أوسع.

ويرى بلول أن المبادرات الوطنية لإقامة الامتحانات أثبتت أن الضغط المدني يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً.

الخاتمة:

حرمان 280 ألف طالب وطالبة من حقهم في الامتحان لا يتعلق فقط بورقة إجابة غابت، بل بوطن يفقد جزءاً من مستقبله.

فالتعليم ليس امتيازاً، بل حق أصيل وركيزة أساسية لبقاء الدولة. واستمرار هذه الأزمة يعني إنتاج جيل من الإحباط والتسرب والعنف.

إن إنقاذ التعليم اليوم ليس شأناً تربوياً فقط، بل معركة وطنية وأخلاقية من أجل بقاء السودان، فالبلاد التي تفشل في حماية مدارسها لن تنجح في حماية مستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *