الثلاثاء, أبريل 28, 2026
تقاريرسياسة

أين هم؟.. مرارات الفقد وأمل العودة في دارفور المنكوبة (6)

كتب: حسين سعد

في دارفور، وتحديداً في الفاشر التي أنهكتها الحرب وبدّدت ملامح الطمأنينة، يظل المفقودون أحد أكثر الجراح عمقاً وإيلاماً في جسد المجتمع. فالمفقود ليس غائباً فحسب، بل هو حضور دائم، يخيّم على البيوت والطرقات وعلى صدور الأمهات اللواتي ما زلن يفتحن الأبواب عند كل صوت يقترب، وعلى عيون الآباء الذين يحبسون دموعهم كي لا ينهاروا أمام بقية الأسرة، وعلى الإخوة والأخوات الذين يحفظون تفاصيل المفقودين وكأنهم يخشون أن يمحوهم الزمن، في الفاشر، لا يعيش الناس فقط بين دخان المعارك وصدى الرصاص، بل يعيشون بين سؤالٍ لا يهدأ: أين هم؟ هل ما زالوا أحياء؟ هل سمعوا النداء؟ هل شعروا بحبّنا؟ أسئلة تتردد في الليل والنهار، تحملها الريح وتعيدها الجدران التي حفظت أصواتهم وضحكاتهم، أمهاتٌ يقفن عند أطراف الطرق المفضية إلى المدينة، يقتنصن وجوهاً عابرةً لعلّ بينها ملامح ابنٍ غاب، أو ابنةٍ اختفت تحت ضجيج الحرب. وآباءٌ يطرقون أبواب المستشفيات، مراكز النزوح، وثكنات الجيش، ويبحثون في قوائم الجرحى والشهداء، لا يريدون اسماً على القائمة ولا يريدون أيضاً ألّا يجدوا شيئاً… لأن كليهما مؤلم، لكن غياب الإجابة أكثر قسوة من الموت ذاته، لم يعد للوقت معنى في حياة أسر المفقودين؛ فالأيام تتساوى، والليالي طويلة، لكنها لم تُطفئ جذوة الأمل. ففي كل صباح يتجدد يقين داخلي بأن المفقود سيعود، ولو بعد حين. فالأمل هو الشيء الوحيد الذي لم تستطع الحرب اغتياله في قلوب الناس، وهو ما يجعلهم أكثر صبراً وصلابة مما يظن العالم..

الغياب الذي لا ينتهي

إن المفقودين في دارفور ليسوا أرقاماً في سجلات التقارير الإنسانية، بل هم حياة كاملة انقطعت فجأة: أبٌ كان يعول أسرته، أمٌ كانت تحنو على أطفالها، شابٌ يحلم بالدراسة، وطفلة تحلم بلعبة جديدة. وراء كل مفقود قصة معلّقة تنتظر النهاية، ووراء كل قصة قلبٌ يتوجّس من الأسوأ لكنه لا يتخلى عن فكرة أن الغائب قد يطرق الباب في أي لحظة ، في مدن وقري دارفور ورمالها ، يعيش الناس اليوم بين جمر الألم وماء الأمل، بين خوف ينهش الأرواح ورجاء يربطهم بالحياة. وحين نتحدث عن المفقودين، فإننا نتحدث عن حاضرٍ ناقص، عن مدنٍ تفقد أبناءها واحداً تلو الآخر، وعن مجتمع يحاول أن يظل واقفاً رغم كل هذا الحزن المتراكم. لذلك يصبح البحث عن المفقودين ليس مجرد مهمة إنسانية، بل واجباً أخلاقياً وحقاً أساسياً يجب الدفاع عنه، وفي صحيفة اندبندت عربية كتب الزميل عثمان الاسباط تقرير له بتاريخ 20 نوفمبر 2025م تحت عنوان (مفقودو الفاشر: مصائر مجهولة وإحصاءات غائبة) تعيش أسر سودانية عدة معاناة نفسية يصعب وصفها بسبب اختفاء أبنائها في ظروف غامضة منذ سيطرة قوات “الدعم السريع” على الفاشر في الـ26 من أكتوبر 2025م ، إذ لا يزال مصير الآلاف مجهولاً، بخاصة في ظل ارتكاب هذه القوات انتهاكات واسعة ضد المدنيين وتنفيذ تصفيات ميدانية وحشية، وحدوث مئات الوفيات، وبحسب جهات حقوقية فإن عدد المفقودين بلغ نحو 20 ألف شخص، وتتهم “الدعم السريع” بالتورط في عمليات احتجاز واعتقال غير قانونية في حق العالقين داخل الفاشر، في وقت لم يفقد ذووهم الأمل بالوصول إليهم من خلال البحث بجميع الطرق والوسائل المتاحة، تروي مريم جادين التي فقدت ابنها حسين منذ أكثر من 15 يوماً، “كان ابني خارج المنزل عندما اقتحم ’الدعم السريع‘ الفاشر، وفي لحظات الكر والفر للنجاة ومغادرة المدينة، لم يصل إلينا، حاولنا الاتصال به فوجدنا هاتفه مغلقاً، ووضعنا احتمال أن يكون فقد الشحن أو بسبب عطل في شبكات الاتصالات التي تتأثر في كل فترة ، وأوضحت جادين “بدأ القلق يساورنا مع مرور الوقت حتى دخل الليل، ليصبح الأمر بالنسبة إلينا غير عادي، ولم أستطع النوم طوال تلك الليلة، في الصباح الباكر تحركنا من دونه إلى منطقة طويلة، ومنذ ذلك اليوم بدأنا في البحث عنه بين الآتين إلى مناطق تجمعات النازحين من دون أن نجد أي خيط يوصلنا إليه حتى هذه اللحظة، وأردفت “قلبي يتمزق من شدة الخوف والقلق على مصير، ابني بخاصة بعد عدم ظهوره في الفيديوهات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي التي توثق لعمليات اختطاف مقابل فدية.

مصير مجهول:

أشار الزبير هاشم الذي وصل محلية مليط إلى أن “أسرته فقدت الاتصال بشقيقه منذ 21 يوماً، ولم يصل مع الفارين من الفاشر إلى مناطق تجمعات النازحين حتى الآن، ونعاني آثاراً نفسية صعبة للغاية بسبب الانشغال بمصيره المجهول، إذا كان حياً أم ميتاً، ولفت إلى “تزايد قلق النازحين على أفراد عائلاتهم الذين بقوا في الفاشر أو لم يتمكنوا من مغادرتها، ففي ظل انقطاع الاتصالات، بات من الصعب معرفة مصير عشرات الآلاف ممن يعتبرونهم ممنوعين من مغادرة المدينة، ونوه هاشم بأن “هناك من تعرف إلى أقربائه عبر مقاطع الفيديو أثناء الاستجواب من قوات ’الدعم السريع‘، وبدت كثير من وجوه الضحايا واضحة بدرجة تكفي لأن يتعرف إليها أهلهم وذووهم بسهولة، لكن مصيرهم مجهول حتى الآن، وفي المقابل يقول المحامي والمستشار القانوني أحمد موسى إن “ملف المفقودين في الفاشر يعتبر من القضايا المصيرية المرتبطة بالنزاعات والحروب، ونظمها اتفاق جنيف في عام 1947، وبروتوكولات لاحقة لها في 1977، وفرض بحسب نص الاتفاق التزام أطراف النزاع البحث بجدية عن المفقودين وإعداد تقارير عنهم، وتقديمها إلى المنظمات العاملة في المجال، وأضاف “تظل أعداد المفقودين دوماً غير معلومة بسبب توزع النازحين على معسكرات عدة، إضافة إلى صعوبة إيجاد وسائل تواصل بينهم نتيجة انشغال أطراف النزاع بالحرب.

إلى ذلك أدانت مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية الاعتقالات التعسفية التي نفذتها “الدعم السريع” في حق مئات المدنيين في الفاشر عقب سيطرتها على المدينة، مشيرة إلى أن المعتقلين نقلوا إلى معتقلات مكتظة بالمحتجزين ضمن ظروف صحية وإنسانية متدهورة، أدت إلى وفاة بعضهم بسبب الجوع وسوء المعاملة ونقص الرعاية الطبية، في انتهاك للقانون الدولي وقواعد العدالة الجنائية، وطالب بيان للمجموعة بإطلاق سراح المدنيين فوراً ومشاركة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في زيارة المعتقلات للتحقق من سلامة المحتجزين وتقديم الدعم القانوني والإنساني، وشددت “محامو الطوارئ” على ضرورة حماية النساء والأطفال والمحتجزين القصر وفتح تحقيق مستقل ومحايد في حالات الوفاة أو سوء المعاملة ومحاسبة المسؤولين عنها، والامتناع عن الاعتقالات التعسفية المستقبلية والالتزام الكامل بالقانون الدولي الإنساني واتفاقات جنيف.

غياب الإحصاءات:

على الصعيد نفسه، أوضح رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور المكلف الصادق علي حسن أنه “لا توجد إحصاءات دقيقة بعدد المفقودين في الفاشر منذ سيطرة الدعم السريع على المدينة بسبب انقطاع شبكات الاتصالات”، ونوه بأنه “من خلال المتابعة اتضح وجود آلاف يحتاجون إلى معاملة تراعي حقوقهم الإنسانية والقانونية، وتابع حسن .. وصلت أكثر من 6 آلاف أسرة من الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور والمناطق المجاورة إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية، بالتالي فإن أعداد العالقين في الفاشر تصل إلى نحو 300 ألف شخص وكثير منهم لا يعرف مصيرهم، وسط هذه الأجواء،
وفي المقابل أشارت المنسقية العامة للنازحين بدارفور إلى أن هناك من لا يزال يبحث عن أقربائه وأسرهم حتى في مقاطع الفيديو التي تتضمن استجوابات وإطلاق رصاص وتصفيات، وهناك من نجح في التواصل مع أسرته داخل المدينة بعد اعتقاله والإفراج عنه لاحقاً، وأوضح المتحدث باسم المنسقية آدم رجال أن المنسقية تعمل على التواصل مع بعض أسر الفارين ممن وصلوا إلى طويلة وتنسق مع مسؤولي المعسكر في شأن المفقودين عبر منصات غرف الطوارئ بمنطقة طويلة ضمن مساعي لم شمل الأسر التي افترقت وتقطعت السبل ببعض أفرادها، ويشير رجال إلى أن “هناك أطفالاً تائهين، بعضهم أحضرتهم المنظمات من منطقة (كاس) وهم الآن موجودون ضمن الضحايا ونحاول إلحاقهم بأهلهم، وهناك أطفال فروا من دون أسرهم إلى نيالا وأحضرتهم المنظمات ونعمل على إلحاقهم بأسرهم في منطقة طويلة”.

آلاف المفقودين:

إلى ذلك، قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن “عشرات الآلاف من الأشخاص الذين فروا من مدينة الفاشر السودانية لا يزالون في عداد المفقودين، مما أثار مخاوف في شأن سلامتهم بعد ورود تقارير عن حالات اغتصاب وقتل وانتهاكات أخرى من جانب الفارين، وقال فارون من المدينة إن مدنيين أطلق عليهم الرصاص في الشوارع وتعرضوا لهجمات بطائرات مسيرة، وتشير تقارير ميدانية من دارفور إلى أن نساء وصل بهن الأمر إلى حد البحث عن أوراق الشجر البرية والتوت لغليها لصنع حساء، وقالت رئيسة المكتب الفرعي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين جاكلين ويلما بارليفليت، من بورتسودان، إنه في حين سجلت المفوضية فرار ما يقارب 100 ألف شخص من المدينة منذ الاستيلاء عليها، فإن نحو 10 آلاف شخص فقط تسنى إحصاؤهم في مراكز وصول مثل مدينة طويلة، وذكرت أن “هناك عدداً كبيراً من الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في مكان ما ولا يستطيعون التحرك أكثر من ذلك، بسبب الخطر أو خشية إعادتهم للفاشر أو وجود أشخاص ضعفاء للغاية بينهم، وأضافت أن رحلاتهم أصبحت أطول وأكثر خطورة، إذ يبتعد الناس بصورة متزايدة عن الطرق المعروفة لتجنب نقاط التفتيش التابعة للمسلحين. وقطع بعضهم مسافات وصلت إلى ألف كيلومتر للوصول إلى مدينة الدبة، في الولاية الشمالية، ولا يزال عدد من تبقى في الفاشر غير معلوم، وذكرت مصادر محلية للمفوضية أن آلافاً إما يمنعون من المغادرة أو لا يملكون القدرة أو الوسائل اللازمة للفرار( يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *