الإثنين, يونيو 15, 2026
تقاريرسياسة

المفقودون في شرق السودان والشمالية… حرب أخرى بلا صوت (16)

كتب: حسين سعد

في جغرافيا تمتد من بورتسودان إلى وادي حلفا، ومن قلب كسلا إلى عطبرة، ومن القضارف الي شندي ، وعطبرة والدامر، ومن خشم القربة الي دنقلا ومروي وكريمة ، تتشابك الحكايات وتتشكل دوائر الفقد التي اتسعت كثيرًا منذ اندلاع حرب منتصف أبريل 2023 في السودان، التي التهمت مدن الخرطوم ومدني وسنجة ، والدندر والسوكي ، حينها واحدة تلو الأخرى لم تترك للناس خيارًا سوى الهروب نحو المجهول، فامتلأت طرق النزوح الطويلة بالقوافل البشرية التي تحمل الألم والقلق والذكريات، وفي زحمة الهروب، إختفى كثيرون، إنفصلت أسر عن بعضها البعض، وغابت أسماء وظلال وأجساد، وبقيت فقط الدموع تبحث عن إجابة، بعضهم فُقد في الطريق وهو يحاول النجاة من الرصاص، وبعضهم اختفى عند الحواجز والكمائن والارتكازات ، وآخرون كانوا يحلمون بعبور الحدود أو الوصول إلى طريق او بلد آمن فلم يصلوا أبدًا، وفي ولايات شرق السودان – بورتسودان، كسلا، القضارف – والولاية الشمالية، أصبحت قضية المفقودين واحدة من أشد القضايا الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، لأن هذه الولايات استقبلت أكبر موجة نزوح ، وفي الوقت نفسه شهدت اختفاء مئات الأشخاص وسط فوضى الحرب.

الطريق إلى الخلاص الذي لا يأتي…
كانت ولايات الشرق بمثابة الامتداد الطبيعي لمسارات الهروب من الخرطوم والجزيرة ودارفور بعد اشتعال الحرب، وبمرور الوقت، تحولت هذه الولايات إلى ملاذ كبير، لكنها في الحقيقة لم تكن مجهزة لاستقبال ملايين النازحين، انقطعت الاتصالات، إكتظت الطرق التي افرتعها الناس هرباً من لعلعة الرصاص وتحولت تلك الدروب الي بوابة للفقد ، حيث كشفت الصور التي نقلتها مواقع التواصل الاجتماعي لاطفال يحملون امتعة فوق طاقتهم وأمراة تحمل طفلها الرضيع وتسحب الاخر بينما تحمل علي ظهرها حقيبة كبيرة ، وجركانة مياه للشرب ، وشاب يحمل والده علي ظهره ، وأخر يحمل والدته المسنة علي ( درداقة) في هذا المناخ المعقد يحدث الفقد بسهولة، طفل يضيع وسط زحام الطرق ، وامرأة تتخلف عند نقطة تفتيش، وشاب يختفي بعد خروجه للبحث عن ماء أو دواء، وعربة تتعرض للنهب، فيفقد الركاب بعد الهجوم، بينما إستغلت شبكات تهريب البشر الفوضى فتبتلع حياة كثيرين، شرق السودان كان وما يزال نقطة عبور نحو بورتسودان ومنها نحو مصر أو السعودية، لذلك صار أيضًا ساحة لعمليات اختطاف واتجار، ما جعل مئات الأسر بين احتمالين مرّين: أن أبناءهم ما زالوا أحياء في مكان مجهول، أو أنهم دفنوا دون اسم أو شاهد؟.

الشمالية… الطريق الطويل الذي يبتلع الصامتين:
الولاية الشمالية، بمدنها الممتدة على ضفاف النيل، كانت أكثر المناطق أمنًا مقارنة ببقية البلاد، وضمت العديد من مراكز الإيواء، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى ممر رئيسي للهجرة غير النظامية عبر صحراء قاسية وظروف لا ترحم، وفي هذه المسارات الصحراوية الضائعة تختفي آثار كثيرين، شباب خرجوا بعزيمة للعبورالي مصر او ليبيا ولم يعودوا، أسر انقطعت أخبارها بعد دخولها الصحراء، وحالات وفيات بالعطش أو العواصف الرملية تُدفن دون أن تعرف أسرهم مواقع قبورهم، وعمليات احتجاز أو توقيف لا يتم الإعلان عنها رسميًا، فالشمالية أصبحت منطقة تجمع لكل من يحاول الهرب من نيران الحرب، وهذا الازدحام غير المنظم خلق ظروفًا جعلت حالات الفقد تتضاعف.

أنماط الفقد… كيف يختفي الناس؟
عند فرار آلاف الأسر في وقت واحد أثناء القصف أو الحرب ولعلعة رصاصها، يضيع كثيرون وسط التدافع، خصوصًا الأطفال والمسنين والنساء ، كما يواجه المواطنون الفارون عشرات النقاط غير الرسمية التي تُنشئها جماعات مسلحة أو مجموعات قبلية أو عصابات، وفي هذه النقاط يتم فصل الرجال عن النساء، وقد يتم إحتجاز البعض، وتنقطع الإتصالات لفترات طويلة، وهنالك حالات لفقد مرتبط بالإتجار بالبشر، وشرق السودان تاريخيًا واحد من أشهر ممرات الهجرة والتهريب في المنطقة، ومع الحرب، تضاعفت أنشطة العصابات، وصار المهاجرون والنازحون صيدًا سهلًا.

غياب المعلومات :
من جهته كشف تقرير صحفي نشره الزميل الصحفي النور أحمد النور في فبراير 2024 في الجزيرة نت عن المأساة المتفاقمة لملف المفقودين في السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. وسلط التقرير الضوء على المعاناة الإنسانية لأسر المفقودين، من بينها أسرة فاطمة أحمد عيسى التي تعيش حالة من الحزن والانهيار النفسي بعد اختفاء ابنها عادل الذي خرج من منزله بالخرطوم ولم يعد.
وأشار التقرير إلى أن مئات الأسر السودانية لا تزال تبحث عن أبنائها وسط غياب المعلومات وتوقف المؤسسات الرسمية عن أداء دورها في متابعة البلاغات، بينما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة رئيسية لنشر صور المفقودين ونداءات البحث عنهم..

وروى التقرير شهادات لأسر فقدت أبناءها أثناء خروجهم لشراء احتياجات أساسية أو التنقل لمسافات قصيرة، قبل أن ينقطع الاتصال بهم بشكل كامل. كما أورد أرقاماً متباينة حول حجم الظاهرة، حيث تحدثت منظمات حقوقية ومبادرات مدنية عن مئات المفقودين، بينهم نساء وفتيات تعرض بعضهن للاحتجاز والاستغلال.
ونقل التقرير إفادات من ناشطين حقوقيين وشهادات لمعتقلين سابقين أكدت وجود مراكز احتجاز غير رسمية لدى طرفي النزاع، يُحتجز فيها مدنيون في ظروف إنسانية قاسية. وأشار بعض الشهود إلى وفاة محتجزين نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي، دون إخطار أسرهم بمصيرهم.

كما عرض التقرير شهادة أستاذ العلوم السياسية الدكتور الرشيد محمد إبراهيم، الذي أمضى 77 يوماً في الاحتجاز، حيث وصف الأوضاع داخل المعتقلات بأنها شديدة القسوة، تتسم بسوء المعاملة والجوع والعطش وغياب الرعاية الصحية. وأكد أن العديد من الأسر لا تزال تجهل مصير أبنائها، في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً التي أفرزتها الحرب السودانية، وسط مطالب متزايدة بكشف مصير المفقودين وضمان المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم.

غياب الدولة… صمت يوجع القلوب:
لا قواعد بيانات وطنية، حتى الآن، لا توجد جهة حكومية لديها سجل موحد للمفقودين، اما المنظمات المحلية فهي تعمل في ظل إمكانيات شحيحة عقب توقف التمويل الأمريكي ، فضلا الصعوبات التي تواجه المنظمات خارج السودان ، في وقت تحتفظ بعض المجموعات المسلحة بقوائم توقيف أو احتجاز دون الإعلان عنها، ما يجعل أسرًا كاملة تعيش على أمل كاذبن كما لم تعامل قضية المفقودين بإعتبارها كارثة وطنية، بل تحولت إلى ملف مهمل، لغياب الضغط الإعلامي والسياسي، في ظل هذا الواقع نشطت مبادرات شبابية في داخل وخارج السودان تقوم بجمع معلومات عن المفقودين وتوثيق صورهم، وكذلك نشطة نقابة اطباء السودان وبعض الممرضين والمتطوعين بدأوا بتصوير الجثامين وإرسال الصور للأسر، رغم المخاطر، كما أصبحت منصات التواصل المصدر الرئيسي لتبادل المعلومات، لكن بعضها ليست دقيقة دائمًا، وقد تخلق شائعات تزيد من ألم الأسر، الأمر الذي يتطلب وضع منهج علمي ، وقاعدة بيانات وطنية، وقوافل بحث ميداني، وتشريح وتحليل (دي-أن-أيه) وإشراف قضائي، وتعاون مع المنظمات ذات الصلة ولجان الطوارئ، وتطوير قاعدة بيانات إلكترونية ، وفتح تحقيقات في حالات الاختفاء القسري، ونشر كشوفات المحتجزين بشفافية، وتوفير دعم نفسي عاجل للأسر، وتدريب فرق بحث مجتمعية، وتنفيذ حملات توعية حول الاتجار بالبشر، وعلي الإعلام تخصيص مساحات للتوثيق والبحث، وتخفيف الوصمة الاجتماعية عن أسر المفقودين.

تحول الغياب إلى لغة جديدة للوجع
قصص المفقودين في شرق السودان والشمالية ليست مجرد أسماء ضاعت، بل مرآة لعمق الخسارة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب. في كل بيت غائب، كرسي فارغ لا يجرؤ أحد على لمسه، وحذاء ينتظر صاحبه، وذاكرة معلقة بين الأمل والخوف.

الغياب علّم الناس العيش نصف حياة، والنوم دون يقين، والتمسك بأمل هشّ يحميهم من الانهيار. لقد أصبحت قضية المفقودين جرحًا قوميًّا مفتوحًا لا يلتئم مع الزمن.
لا يمكن لبلد أن يتعافى بينما آلاف الأسر لا تعرف مصير أبنائها، ولا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يعيش على حافة انتظار بلا نهاية.
وربما تعود بعض الوجوه يومًا وتمسح دموع الأمهات، وربما يظل بعضها الآخر سرًا في سجل الغياب. لكن المؤكد أن هذه القضية ستظل اختبارًا حقيقيًا للعدالة والإنسانية في السودان.
المهم الآن أن ينهض الجميع – دولة ومجتمعًا وإعلامًا ومنظمات – ليقولوا للأسر: لستم وحدكم، ولن تُترك أسماء أحبّتكم تختفي في الظلام (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *