السبت, يوليو 25, 2026
تقاريرسياسة

الطرق المقطوعة… من الشارع إلى المجهول (22)

كتب: حسين سعد

الطرق بالخرطوم لم تعود مجرد مسارات للحركة بين الأحياء، بل أصبحت مناطق انتقال بين حالتين: حياة مكتملة… واختفاء كامل، مع توسع الحرب داخل العاصمة، لم تعد فكرة “الوصول” مضمونة. فكل طريق صار يحمل احتمالات متعددة: أن تصل، أن تُوقف، أن تُفصل عن من معك، أو أن تختفي دون أن يعرف أحد أين توقفت الخطوات الأخيرة، ما بين بيت صغير في حي شعبي، وسوق مزدحم، أو نقطة عبور قصيرة، تبدأ الكثير من قصص الفقد التي لا تُروى كاملة..

مبادرة مفقود:
وفي راديو دبنقا : نشر تقرير بتاريخ 17 ابريل 2024م تحت عنوان (تقرير حصري من “مبادرة مفقود” يكشف زيادة في عدد ضحايا الاختفاء القسري في السودان) حيث أعلنت مبادرة مفقود أنها وثّقت 990 حالة اختفاء قسري منذ بداية النزاع في السودان بين الجيش والدعم السريع، لأفراد من بينهم 95 امرأة وما لا يقل عن 50 طفلاً. وكشفت عن تلقيها تقارير عن عدد الأطفال المفقودين بين 5 و10 حالات شهرياً، وأقرَّت أن هناك تراجع في عملية الرصد والتوثيق، وعزت ذلك إلى تصاعد حدة الحرب في جميع أنحاء البلاد، وأن آخر تقرير نشرته كان في 30 أغسطس 2023، والذي وثق 637 حالة مفقود، حيث تم العثور على 16 شخصاً متوفين، وإعادة 44 إلى عائلاتهم.

العدد أكبر من المرصود
ورجحت مبادرة مفقود في تقريرها بمناسبة مرور عام على الحرب والذي اطلع عليه “راديو دبنقا” أن يكون العدد الحقيقي لحالات الاختفاء أعلى من تلك التي أعلنت عنها، وقالت إنَّ التقرير كان يجب أن يغطي إطاراً زمنياً أطول، لكنه يتناول الفترة من أبريل 2023 حتى أبريل الجاري، بسبب الظروف الاستثنائية التي أعقبت الحرب. وأقرَّت المبادرة بالتراجع في عملية الرصد والتوثيق وكان آخر تقرير نشرته في 30 أغسطس 2023، والذي وثق 637 حالة مفقودة، حيث تم العثور على 16 شخصاً متوفين، وإعادة 44 إلى عائلاتهم، لكنها عزت ذلك إلى تصاعد حدة الحرب في جميع أنحاء البلاد، ما أدى إلى نزوح واسع النطاق بين المواطنين، وإعاقة إجراءات المتابعة مع الأسر المتضررة.
وأشارت المبادرة إلى أن الجهات العاملة في مجال حقوق الإنسان تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالمراقبة إلى جانب محدودية قدرة الأسر على الإبلاغ، خاصة وسط الانقطاع الشديد للاتصالات الذي استمر خلال الشهرين الماضيين.
ونوهت إلى أنها بفضل إجراء المراقبة والمتابعة بشكل منتظم بفضل التقارير الواردة ما جعل صفحة “فيسبوك” الخاصة بمبادرة مفقود تمثل المصدر الرئيسي للمعلومات الموثوقة للشعب السوداني، في ظل غياب مؤسسات الدولة والوجود المحدود لجماعات حقوق الإنسان على الأرض.

ارتفاع أعداد المخفيين
ولاحظت مبادرة مفقود أن الفترة مابين 15 أبريل وحتى نهاية مايو 2023، شهدت زيادة في البلاغات التي تلقتها عن المفقودين، وقالت بحلول 22 مايو، سجلت عدد 153 حالة، مع عودة 13 فرداً إلى عائلاتهم، والعثور على 3 قتلى، وزيادة في عدد التقارير، بإجمالي 220 مفقوداً في الفترة من الأول إلى التاسع من مايو، مع 5 وفيات و25 فرداً عادوا إلى عائلاتهم.

وارتفع عدد الأفراد المختفين قسرياً بشكل كبير في الوقت الحاضر، بحسب تقرير المبادرة، ورأت أنه ذلك جعل من الصعب تحديد مواقعهم، وقالت إنَّ المفرج عنهم أبلغوا بأنهم كانوا معصوبي العين عند القبض عليهم ولم يتمكنوا من معرفة أماكن اعتقالهم، وبالتالي فإن تحديد مواقعهم يصبح أمراً شاقاً.

وقالت المبادرة أنها تلقت تقارير موثوقة تفيد باحتجاز أكثر من 700 معتقل، بينهم موظفون في الإذاعة والتلفزيون، في مبنى الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون أثناء سيطرة قوات الدعم السريع عليه، ومات البعض بسبب التعذيب والجوع، بينما تم استغلال آخرين كدروع بشرية. وفي مارس 2024، استردت القوات المسلحة السودانية مبنى الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون وأعلنت رسمياً أنها لم تجد أي معتقلين داخلها، ورأت المبادرة أن مصير ومكان وجود الأفراد (سواء المدنيين أو المقاتلين) الذين كانوا محتجزين سابقاً هناك لا يزال مجهولاً، ما يزيد من تفاقم قلق عائلات الأفراد المختفين في هذا الصراع .

أعلى نسبة مفقودات:

وبينما أكدت المبادرة أن شهر يونيو 2023 سجل أعلى نسبة للمفقودات بنسبة 24% من إجمالي الحالات الموثقة إلا أنها لم تورد الرقم واكتبت بإيراد النسبة فقط. وكشفت أن أعلى نسبة من المفقودين كانت من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 35 عامًا، وهو ما يمثل 167 من أصل 200 مفقود في ذلك الوقت. أرجعت المبادرة في تقريرها أن ظهور جنوداً تابعين للدعم السريع في عدد من مقاطع الـ”فيديو”يرتكبون أعمال عنف جنسي، أعاق نشاطهم في الرصد والتوثيق، حيث امتنعت بعض الأسر عن الإبلاغ بسبب ما وصفه بالوصمة السائدة والتمييز الاجتماعي في المجتمع السوداني – ونتيجة لذلك، أصبح رصد حالات الاختفاء القسري بين النساء أمراً صعباً، ما أدى إلى انخفاض كبير في التقارير المتعلقة بالعنف الجنسي المرتبط بالاختفاء القسري. وأضافت وفي فبراير 2024 تم اختطاف 15 امرأة من قرية بدوية بجبال النوبة بولاية جنوب كردفان.
الأطفال المفقودون : لم تغفل مبادرة مفقود الاهتمام بالأطفال المفقودين وهم أكثر شريحة متضررة من الحرب سواء بالاختطاف أو الفقدان، أو فقدان العائل فإنهم ضحايا الصراع بأشكال مختلفة، وقالت المبادرة إنَّ تركيزها كان منذ أبريل 2023 موجهاً بشكل خاص نحو تحديد مكان الأطفال المفقودين

وقالت المبادرة أنها تمكنت من تحديد مواقع عشرات مراكز الاحتجاز في ولاية الخرطوم والتحقق من حالات الإعدام، لا سيما داخل مراكز الاحتجاز التي تديرها قوات الدعم السريع، وأكدت على تلقيها تقارير عن إعدام مدنيين مدرجين في سجلاتها كمفقودين أثناء احتجازهم في مراكز الاحتجاز داخل ولاية الخرطوم. كما قامت المبادرة أنها وثقت حالات ابتزاز مارستها بعض عناصر الدعم السريع.

الفدية المالية:
وأوردت المبادرة حجم المبالغ التي يطلبها الخاطفون من عناصر قوات الدعم السريع كفدية تراوحت ما بين ألف دولار إلى 4 ألف دولار، وفي بعض الحالات تجاوزت الـ 10 آلاف دولار، لكنها عبرت عن استيائها لأن كثير من الحالات، لم يتم إطلاق سراح الضحايا على الرغم من دفع عائلاتهم مبلغ الفدية، كما عبرت عن أسفها لأن بعض الضحايا أعيدوا إلى عائلاتهم متوفين.

وذكرت مبادرة مفقود أن متغيرات الحرب شكلت أكبر المعوقات التي أثرت في عمل ونشاط المبادرة والمتعلقة بالمراقبة والمتابعة، فصلاً عن انقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت، بالإضافة إلى ذلك، فإن طبيعة الانتهاكات أدت إلى تعقيد عملية رصد حالات الاختفاء بين النساء بشكل كبير، خاصة في ظل ما وصفته بالغياب الصارخ للمنظمات الإنسانية والدولية في تقديم الرعاية والخدمات لضحايا الاغتصاب خلال فترة الاختفاء.

دور المنظمات الدولية
ولم تغفل مبادرة مفقود كذلك من القيام بتوثيق حالات الوفاة والحمل والمضاعفات المرتبطة بالحمل بين النساء المفقودات، وقالت أن نقص الدعم الإنساني من المنظمات في ارتفاع ساهم في ارتفاع أعداد المفقودين، كما ارتفعت حالات الاختفاء أيضًا خلال فترات شح الغذاء والماء.
وذكرت المبادرة أنها نسقت مع كيانات مهنية وقانونية، ساهمت في فتح قناة اتصال مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) لكن هذا التواصل أصبح غير مستقر بسبب تصاعد حدة المعارك.

الطريق الذي لا يعود منه أحد:
في الخرطوم، لم تعد الطرق مجرد وسيلة للوصول، بل أصبحت جزءًا من قصة الغياب نفسها، كل شارع يحمل احتمال فقد، وكل نقطة عبور قد تكون آخر ما يراه الإنسان في حياته المعروفة، لكن القصة لم تنته بعد، فما يحدث عند الطرق لا يفسر وحده حجم الغياب.

في الحلقة القادمة…
سنقترب من المستشفيات التي لا تعرف إسماء الموتي حيث يصل البعض ولا يُعرف من هم، وحيث يبدأ الفقد في التحول إلى (هوية بلا اسم ). (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *