الثلاثاء, يوليو 21, 2026
تقاريرسياسة

لحظة الاختفاء… كيف يبدأ الفقد في الخرطوم (21)

كتب: حسين سعد

في الخرطوم، لا يبدو الفقد حدثًا مفاجئًا بقدر ما يبدو نتيجة تدريجية لانهيار كامل في تفاصيل الحياة اليومية. المدينة التي كانت يومًا تنظم إيقاعها بين العمل والمدارس والأسواق، دخلت الحرب وهي تحمل ملامح الحياة الطبيعية، لكنها خرجت منها وهي لا تعرف كيف تُحصي أبناءها الذين اختفوا.

في الأيام الأولى من الحرب، لم يكن مصطلح “مفقود” حاضرًا بقوة في الخطاب العام، مثلما كان في الايام التي أعقبت جريمة فض إعتصام القيادة ، في تلك الايام كان الناس يتحدثون عن “غائب مؤقت”، “انقطع الاتصال به”،
. لكن مع مرور الوقت، تحول الغياب إلى حالة دائمة بلا تفسير واضح.

الاختفاء في الخرطوم لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر سلسلة لحظات صغيرة تتراكم حتى تتحول إلى انقطاع كامل: خروج قصير، طريق غير آمن، نقطة تفتيش، أو اشتباك مفاجئ. ومن هنا تبدأ القصة.
أولًا: الخروج العادي الذي لم يعد عاديًا في أحياء الخرطوم المختلفة تتكرر القصة ذاتها: شخص يخرج من البيت في وقت يبدو طبيعيًا، ولا يعود.
في حي الصحافة بالخرطوم ، تقول “أم سارة” (اسم مستعار، 48 عامًا):
“ابني خرج يجيب خبز من الدكان القريب. قال لي ما بتأخر. الحرب كانت قريبة، لكن الحياة كانت لسه مشتعلة ما تخيلت إنه ممكن يختفي في شارع بين البيت والدكان
تتوقف قليلًا ثم تضيف وهي تمسك صورة على هاتف قديم:

“بعد ساعتين بدأت أسمع أصوات اشتباكات قريبة. حاولت أتصل به، الهاتف كان يرن بلا رد. بعد يوم كامل، انقطع الخط.”
لم يكن ابنها ضمن الجرحى أو القتلى، ولا في أي قائمة رسمية. ومنذ تلك اللحظة، أصبح اسمه ضمن قائمة غير مرئية: المفقودون.
ثانيًا: الهاتف الذي ينقطع أولًا في الخرطوم، كان الهاتف هو الرابط الأخير بين الناس، لكنه مع اتساع الحرب أصبح رابطًا هشًا وسريع الانقطاع.
“محمد عبد الله”، إسم مستعار ايضا من حي جبرة، خرج إلى عمله في يوم عادي ولم يعد.

زوجته تقول:
“في الصباح كان كل شيء طبيعي. قال لي عندي شغل وبرجع بدري. بعد الظهر بدأت الحرب في المنطقة. حاولت أتصل به مئات المرات. في البداية كان يرن، ثم أصبح مغلقًا.”
بعد أيام بدأت رحلة البحث: المستشفيات، أقسام الشرطة، وغرف الطوارئ.
“كل مكان أمشيه يقولوا لي نفس الجملة: ما عندنا أي معلومة.”
هذه العبارة أصبحت جزءًا ثابتًا في حياة عشرات الأسر.

ثالثًا: لحظة التحول… المدينة التي تفقد خرائطها مع توسع الاشتباكات، لم يعد واضحًا أين تبدأ المناطق الآمنة وأين تنتهي مناطق الخطر.
في حي الحاج يوسف، يروي “أحمد” (اسم مستعار، 32 عامًا):
“كنت خارج مع أمي وأختي. فجأة لقينا نفسنا في وسط ارتكاز. الناس اتقسموا: الرجال في جهة والنساء في جهة. بعد دقائق فقدنا بعض.”
يضيف:
“أنا ما شفت أمي من اليوم داك.”
هذه اللحظة—لحظة الفصل القسري—تتكرر في شهادات كثيرة، وغالبًا ما تكون بداية الفقد الحقيقي.
رابعًا: المستشفى… المكان الذي لا يكتمل فيه الخبر في أحد المستشفيات الحكومية شمال الخرطوم، كانت “ليلى” تبحث عن أخيها.

تقول:
“دخلت كل الأقسام: الجرحى، الموتى، حتى الممرات الخلفية. كنت أسأل عن اسمه في كل مكان.”
لكن المشكلة لم تكن في الغياب فقط، بل في الفوضى:
مصابون بلا أسماء
جثامين بلا تعريف
سجلات غير مكتملة
“في النهاية قالوا لي: ممكن يكون مر علينا، لكن ما سجلنا اسمه.”
وهنا تبدأ مرحلة جديدة من الفقد: فقد بلا وثيقة.

خامسًا: النجاة التي تتحول إلى اختفاء في بعض الحالات، لا يكون الفقد نتيجة قتل أو اعتقال، بل نتيجة “نجاة غير مكتملة”.
شاب من أم درمان يقول:
“كنا بنهرب من المنطقة. حصل إطلاق نار. الناس ركضت في كل اتجاه. أنا ركضت مع مجموعة، لكن لما وقفنا ما لقيت أخوي.”
يضيف:
“قلت يمكن سبقني. لكن اليوم الثاني ما لقيته، وبعدها فقدت الأمل.”
هذا النوع من الاختفاء يحدث داخل فوضى كاملة، دون شهود واضحين أو مسار يمكن تتبعه.
سادسًا: خرائط الغياب مع مرور الوقت، بدأت الأسر ترسم خرائط غير رسمية:
آخر مكان شوهد فيه الشخص
آخر مكالمة
آخر رسالة
آخر حي
لكن هذه الخرائط لا تقود إلى إجابات، بل إلى أسئلة أكثر تعقيدًا.

سابعًا: الفقد الذي لا يسمح بالحزن في حالة الموت، هناك جنازة. في حالة الفقد، لا يوجد سوى انتظار مفتوح.
تقول إحدى الأمهات:
“أنا ما قادرة أبكي بكامل قلبي… لأنه ممكن يكون حي.”
وهنا تكمن قسوة الفقد الحقيقي: لا يقين يسمح بالحزن، ولا خبر يسمح بالراحة
وفي المقابل يقول الاستاذ زاهر عبد المجيد ان شقيقه الاستاذ عبد العظيم خرج من المنزل بالخرطوم بحري التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع يوم 13 رمضان 2024م ، ولم يعود حتي الان ولا يعرف اذا كان حياً او ميتاً.

قلق متصاعد:
وفي حوار مع أخبار الأمم المتحدة نُشر في 8 أبريل 2025 تحت عنوان: “مأساة المفقودين في السودان بعد عامين من الحرب”، حذر خبير الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في السودان رضوان نويصر من التداعيات الكارثية للحرب على المدنيين، خصوصًا ملف المفقودين.
وأوضح أن الإحصاءات الدقيقة غير متوفرة، مع تباين كبير بين المصادر. إذ تشير تقديرات “المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات” إلى نحو 50 ألف مفقود، بينما وثقت منظمات محلية ما لا يقل عن 3177 حالة، من بينهم أكثر من 500 امرأة و300 طفل.

وأكد أن الاختفاء القسري أصبح واقعًا قائمًا في السودان، ضمن سياق حرب خلّفت أيضًا انتهاكات واسعة تشمل التهجير القسري، الاغتصاب، والتجنيد الإجباري
وفي مقاله “المفقودون.. أحياء يرزقون أم أموات فينعون”، يعيد الصحفي حيدر المكاشفي فتح ملف المفقودين في السودان باعتباره قضية ممتدة عبر عقود من النزاعات والانتهاكات، تبدأ من سنوات النظام السابق، مرورًا بفض اعتصام القيادة العامة، وصولًا إلى الحرب الحالية التي فاقمت الظاهرة بشكل غير مسبوق.
يشير الكاتب إلى ما أعلنته اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أنه تم الإبلاغ في عام 2024 عن فقدان ما لا يقل عن 8 آلاف شخص في السودان، مع تأكيد رئيس بعثتها دانيال أومالي أن هذه الأرقام لا تمثل سوى “جزء ظاهر من جبل الجليد”، وأن العدد الحقيقي أكبر بكثير، في ظل اتساع رقعة الحرب وتدهور القدرة على التوثيق والمتابعة.
ينتقل المقال إلى ربط الظاهرة بسياق تاريخي أوسع، مستحضرًا ملفات الاختفاء القسري منذ عهد النظام السابق، ثم ما أعقب فض اعتصام القيادة العامة من اتهامات بوجود مقابر جماعية واختفاءات قسرية، وهو ما أعاد—بحسب الكاتب—الملف إلى الواجهة دون حسم أو مساءلة حقيقية حتى اليوم.

ويستعرض المقال خطاب العنف الذي ساد في فترة حكم النظام السابق، مستشهدًا بتصريحات منسوبة إلى قادة عسكريين وسياسيين مثل عمر البشير وأحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، والتي تضمنت—وفق المقال—تحريضًا على العنف ورفضًا لفكرة الأسر أو الجرحى، بما يعكس عقلية أمنية قاسية أسهمت في تكريس ثقافة الإفلات من العقاب.
كما يتناول الكاتب حالات اختفاء فردية ظلت بلا إجابة لسنوات، مثل أبوذر الغفاري، ومحمد الخاتم موسى يعقوب، والبروفيسور عمر هارون، باعتبارها نماذج لغياب العدالة واستمرار الألم لدى أسر المفقودين.
ويخلص المقال إلى أن قضية المفقودين في السودان لم تعد أحداثًا متفرقة، بل ملفًا مفتوحًا على أسئلة كبرى: من المسؤول؟ وأين ذهب هؤلاء؟ وهل هم أحياء أم أموات؟ وهي أسئلة، بحسب الكاتب، ما تزال بلا إجابات حاسمة، وتظل مرشحة للاستمرار ما لم تُفتح مسارات عدالة ومساءلة حقيقية

الخاتمة بداية سلسلة الغياب:
ما حدث في الخرطوم لم يكن حالات فردية معزولة، بل بداية نمط واسع من الاختفاء، كل قصة هنا ليست نهاية، بل بداية لسلسلة أسئلة أكبر: أين ذهبوا؟ كيف اختفوا؟ ومن المسؤول عن هذا الفراغ الكبير في الذاكرة؟ في الحلقة القادمة ننتقل إلى: الطرق المقطوعة في الخرطوم… حيث يبدأ الفقد الحقيقي عند نقاط التفتيش والحواجز، وحيث تتحول الشوارع إلى حدود بين الحياة والغياب (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *