المفقودون في الخرطوم.. الوجوه التي غابت (20)
كتب: حسين سعد
في الخرطوم، لا يبدو الغياب مجرد تفصيل عابر في زمن الحرب، بل حالة ممتدة تفرض حضورها الثقيل على المدينة كلها. فالعاصمة التي كانت تُعرف بأنها قلب السودان النابض بالحياة، بما تحمله من أسواق مزدحمة، ومؤسسات عاملة، وحركة بشر لا تهدأ بين الأحياء والطرقات، تبدلت ملامحها جذرياً مع اندلاع الحرب، لتتحول تدريجياً إلى مدينة منهكة، تُجرَّد يوماً بعد يوم من سكانها، ومن أصواتها، ومن تفاصيلها اليومية التي كانت تصنع روحها.
مدينة كانت تُعرف بأنها قلب السودان النابض؛ تفتح صباحها على ضجيج الأسواق، وحركة الموظفين، وأصوات الطلاب، وتغلق ليلها على حياة لا تهدأ. لكن كل ذلك تبدّل فجأة مع اندلاع الحرب، فلم تعد الخرطوم كما كانت، بل أصبحت مدينة تُجرَّد يومًا بعد يوم من وجوهها وأصواتها وأبنائها الذين خرجوا ولم يعودوا.
في هذه المدينة، لا يمكن فصل الحرب عن فكرة الفقد. فبينما تتقدم خطوط القتال وتتراجع الخدمات، يتقدم مشهد آخر أكثر قسوة وصمتًا: مشهد المفقودين. أولئك الذين خرجوا في لحظة عادية، إلى متجر قريب، أو طابور خبز، أو محاولة عبور شارع مشتعل، أو بحثًا عن مكان آمن، ثم لم يعودوا.
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول تلك الخطوات القصيرة إلى مسافات طويلة بين الحياة واللاعودة، أو أن تصبح الخرطوم شبكة من الطرق المقطوعة بالأسئلة، والأبواب المفتوحة على انتظار بلا نهاية
لم تعد الخرطوم كما كانت. فمع تصاعد القتال وتوسع رقعته داخل العاصمة، لم يعد التغيير مقتصراً على البنية التحتية أو الخدمات العامة، بل طال النسيج الإنساني ذاته. ومن بين أكثر المشاهد قسوة في هذه الحرب، يبرز مشهد المفقودين، أولئك الذين خرجوا في لحظة عادية تماماً، ولم يعودوا بعدها إلى منازلهم.
خرج بعضهم إلى متجر قريب لشراء احتياجات يومية، وآخرون إلى طوابير الخبز، أو بحثاً عن دواء، أو لمحاولة عبور شارع تشتعل فيه الاشتباكات، أو فقط للوصول إلى مكان أكثر أمناً. لكن تلك اللحظات القصيرة تحولت إلى نقطة انقطاع نهائي بين الحياة والعودة. لم يتخيل أحد أن خطوة عادية قد تتحول إلى غياب طويل، وأن المدينة التي يعرفها الجميع يمكن أن تتحول إلى متاهة تُفقد فيها الوجوه بلا أثر.
لم يعد ملف المفقودين مجرد حالات فردية متفرقة، بل أصبح ظاهرة واسعة تمتد عبر كل أحياء العاصمة. فمن بري وجبرة والصحافة والكلاكلة والحاج يوسف، إلى أم درمان القديمة والخرطوم بحري والأزهري والسلمة وسوبا وأركويت، تتكرر الحكايات بتفاصيل متشابهة رغم اختلاف الأسماء والظروف. أم تبحث عن ابنها بلا توقف، وأب يقسم يومه بين المستشفيات ونقاط التجمع، وأخوات يتأملن صور الغائبين أكثر مما يتأملن الواقع، وأطفال يطرحون سؤالاً واحداً يتكرر في كل بيت: أين ذهب؟
ومع تراكم الأيام، لم يعد الفقد مجرد حدث إنساني عابر، بل تحول إلى حالة اجتماعية ونفسية شاملة. فالموت، رغم قسوته، يمنح الأسر حقيقة نهائية تسمح بالحزن والإغلاق، أما الاختفاء القسري أو المجهول، فهو شكل آخر من الألم، لا يقدم جثماناً ولا خبراً مؤكداً، ولا يسمح بإتمام طقوس الفقد. إنه غياب بلا نهاية، يترك العائلات معلقة بين الأمل واليأس.
تعيش الأسر في الخرطوم اليوم بين احتمالين لا ثالث لهما: عودة قد تحدث في أي لحظة، أو غياب ممتد بلا سقف زمني. وبين هذين الاحتمالين، تتآكل الحياة اليومية بهدوء، ويتحول الزمن إلى انتظار دائم، وتصبح التفاصيل الصغيرة مثل الهاتف أو الباب أو الشارع القريب، علامات مفتوحة على سؤال لا إجابة له.
وفي ظل انهيار المؤسسات الرسمية، وتراجع الخدمات الصحية، وتقطع الاتصالات، وتعطل الأجهزة الأمنية والإدارية، لم يعد ملف المفقودين مجرد قضية إنسانية فقط، بل تحول إلى سؤال أعمق عن معنى المدينة نفسها: كيف تختفي الخرطوم، وهي ما تزال قائمة؟ وكيف يُفقد الناس داخل مدينة يفترض أنها تعرف سكانها واحداً واحداً؟
هذا السؤال يزداد تعقيداً حين يُنظر إلى السياق الأوسع للحرب، حيث لم يعد النزوح وحده هو الظاهرة، بل أصبح الفقد جزءاً من مشهد عام تتداخل فيه الاشتباكات المسلحة مع انهيار النظام المدني، وتفكك آليات الحماية والرصد والمتابعة. وفي هذا الفراغ، يصبح الإنسان عرضة للاختفاء دون أن يترك وراءه أثراً واضحاً.
وما يزيد من تعقيد المشهد أن العديد من الأسر لم تتمكن حتى من تقديم بلاغات رسمية، إما بسبب انقطاع الاتصالات، أو توقف مراكز الشرطة عن العمل، أو خوفاً من الوصول إلى مناطق الاشتباك. وهكذا، يتسع نطاق المفقودين خارج أي سجل رسمي، ويصبح الرقم الحقيقي أكبر بكثير من أي تقديرات متاحة.
ومع مرور الوقت، يتحول الفقد من حالة طارئة إلى واقع دائم. فبعض الأسر ما زالت تنتظر منذ شهور طويلة، بينما فقدت أخرى أي قدرة على تتبع الخيط الأخير الذي كان يربطها بأبنائها. وفي هذا السياق، يصبح الغياب ليس فقط غياب شخص، بل غياب منظومة كاملة من الأمان والثقة والقدرة على الفهم.
وفي الخلفية، يظل هناك سؤال أكبر يتكرر بصيغ مختلفة: هل هؤلاء المفقودون قتلى لم يُعثر على جثامينهم؟ أم معتقلون في أماكن مجهولة؟ أم ضحايا انهيار شامل جعلهم يضيعون بين الطرقات والملاجئ والمناطق المنهارة؟ أم أنهم جميعاً ضحايا لظروف متداخلة لا يمكن فصلها عن طبيعة الحرب نفسها؟
هذه الأسئلة لا تجد إجابات حاسمة، لكنها تظل حاضرة في كل بيت تقريباً. فكل عائلة لديها روايتها الخاصة، وكل حي يحمل قائمة غير مكتملة من الأسماء، وكل شارع يضيف احتمالاً جديداً لفقد آخر.
وفي هذا السياق، تصبح الخرطوم ليست مجرد مدينة حرب، بل مدينة أسئلة مفتوحة. مدينة لا تمنح إجابات، بل تراكماً من الحيرة والانتظار والبحث المستمر.
وما يجعل المشهد أكثر قسوة أن الفقد لم يعد مرتبطاً فقط بالمعارك المباشرة، بل امتد إلى كل تفاصيل الحياة اليومية. فحتى الحركة البسيطة من حي إلى آخر قد تتحول إلى مغامرة غير مضمونة، وقد تنتهي بانقطاع الاتصال الكامل بالشخص.
ومع استمرار الحرب، تتعمق الفجوة بين الواقع وإمكانية التوثيق، ويصبح ملف المفقودين أكثر غموضاً، خاصة مع غياب قاعدة بيانات موحدة أو جهة قادرة على تتبع الحالات بشكل شامل. وبين المبادرات الشعبية والنداءات الفردية، تظل الحقيقة النهائية بعيدة، معلقة في منطقة رمادية بين الاحتمال والغياب.
جذور الأزمة:
في تحقيق نشرته الجزيرة نت بتاريخ 3 يونيو 2020، رصدت الصحفية سارة العريفي واحدة من أبرز محطات ملف المفقودين في السودان، عقب فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم في الثالث من يونيو 2019.
عند اختفائه، كان الشاب السوداني أحمد محمد محمود حديث الزواج، وقد وضعت زوجته مولودًا لم يرَ والده. بقيت الأسرة بين الصدمة والانتظار، لا تعرف إن كان حيًا أم ميتًا، فيما تستمر الأم في الترقب، كما يروي شقيقه علي.
انقطعت أخبار أحمد أثناء أحداث فض الاعتصام، التي أنهت ثلاثة أشهر من الاحتجاجات المطالبة برحيل نظام عمر البشير. وبعد مرور عام، بقيت عشرات الأسر تبحث عن أبنائها الذين شاركوا في الاعتصام واختفوا بعده، فيما عثرت بعض الأسر على جثامين ذويها لاحقًا، لكنها ظلت تنتظر العدالة.
وثّق التحقيق معاناة الأهالي في البحث داخل المستشفيات وأقسام الشرطة والسجون وثلاجات الموتى، كما التقى جهات رسمية ولجان تحقيق مختلفة، في محاولة لفهم مصير المفقودين.
احتجاز قسري واختفاء:
في الأيام التي أعقبت فض الاعتصام، أفرجت السلطات عن مجموعة من المعتقلين بعد احتجازهم في أماكن سرية، وفق شهادات أفادت بأن قوات بزي عسكري نفذت الاعتقالات خلال الحملة.
وتشير إفادات لجان مقاومة إلى أن المفقودين توزعوا بين معتقلات تتبع لجهاز الأمن وأخرى لقوات الدعم السريع، إضافة إلى زنازين الشرطة، في ظل اعتقالات لم تستمر لفترات طويلة لدى بعضهم.
وتروي “منال” في شهادة نقلتها الجزيرة نت أنها اعتُقلت من داخل الاعتصام مع مجموعة من النساء، واقتيدت إلى جهة مجهولة، قبل أن يتم إطلاق سراحها لاحقًا دون توجيه تهم.
لكن كثيرين لم يكن مصيرهم مماثلًا؛ إذ بقي عدد منهم في عداد المفقودين، فيما عُثر على جثث بعضهم لاحقًا، في حين ظل آخرون بلا أثر (يتبع)

