الفاشر.. مدينة تحت النار والجوع
تقرير: حسين سعد
في الحروب، لا تُختزل المأساة في خطوط القتال أو الخرائط العسكرية، بل في حياة المدنيين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين الجوع والخوف وفقدان الأحبة. وفي مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، يروي تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية صورة قاتمة لمدينة يقول إنها عاشت أكثر من عام تحت حصار وهجمات متواصلة، وسط انهيار الخدمات الأساسية وتصاعد معاناة النساء والأطفال.
ويعرض التقرير، الذي يحمل عنوان “مدينة تحت الحصار.. أطفال في مرمى النيران: الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في شمال دارفور”، نتائج تحقيق أجرته المنظمة حول الانتهاكات التي شهدتها الفاشر ومحيطها خلال الفترة من مطلع عام 2024 وحتى أكتوبر 2025. وخلص التقرير إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت، بحسب ما وثقته المنظمة، جرائم ضد الإنسانية وأعمالًا وصفتها بالتطهير العرقي، كما أشار إلى أن بعض الوقائع قد تكون ذات صلة بجريمة الإبادة الجماعية، مع استمرار تحقيق المنظمة في هذا الجانب.
اعتمدت منظمة العفو الدولية في إعداد تقريرها على 247 مقابلة، بينها 208 ناجين من الانتهاكات، منهم 169 بالغًا و39 طفلًا. كما تحققت من 89 مقطع فيديو، وأجرت تحليلًا لصور الأقمار الصناعية الخاصة بمناطق واسعة في شمال دارفور، إلى جانب مراجعة مصادر مفتوحة ووثائق أخرى.
وترى المنظمة أن هذا الكم من الأدلة يوفر أساسًا لتوثيق نمط متكرر من الانتهاكات، شمل القتل، والتعذيب، والاحتجاز غير المشروع، والنقل القسري، والاغتصاب، والاستعباد الجنسي، وأشكالًا أخرى من العنف الجنسي، إضافة إلى الاسترقاق والإبادة.
يستعرض التقرير تطور الأوضاع العسكرية في دارفور، مشيرًا إلى أنه بحلول نوفمبر 2023 كانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على أربع من أصل خمس عواصم ولايات الإقليم، بينما بقيت الفاشر المدينة الرئيسية الوحيدة خارج سيطرتها.
وبحسب التقرير، بدأت الهجمات على القرى والبلدات ومخيمات النزوح المحيطة بالفاشر منذ مطلع عام 2024، قبل أن تفرض القوات حصارًا على المدينة بين مايو 2024 وأكتوبر 2025.
ويقول التقرير إن الحصار أدى إلى تقييد دخول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية، مع استمرار القصف بصورة متكررة، وهو ما ساهم في تفاقم أزمة الجوع وسوء التغذية. ويشير إلى أن بعض السكان اضطروا إلى تناول أمباز الفول السوداني، وهو منتج ثانوي يستخدم عادة علفًا للحيوانات، في محاولة للبقاء على قيد الحياة.
كما يوثق التقرير مقتل وإصابة أطفال خلال الهجمات، إلى جانب حالات اختطاف وتجنيد قسري. ويذكر أن بعض الأطفال استخدموا في القتال أو في جمع المعلومات أو في أعمال أخرى، وهو ما تعتبره المنظمة انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي.
يتناول التقرير بالتفصيل الهجوم الذي وقع في 26 أكتوبر 2025، ويقول إن المدنيين الذين حاولوا الفرار واجهوا ساترًا ترابيًا يبلغ طوله 57 كيلومترًا.
واستنادًا إلى مقابلات مع 70 ناجيًا، يوثق التقرير روايات عن عمليات إعدام ميدانية وتعذيب واحتجاز. وتقول إحدى الشهادات إنها شاهدت أكثر من ألف جثة في محيط الساتر الترابي، بينما تذكر شهادات أخرى مقتل أطفال ونساء ورجال أثناء محاولاتهم الفرار.
يشير التقرير إلى أن المستشفى السعودي للولادة في الفاشر تعرض لهجوم، مستندًا إلى شهادات 18 شخصًا من العاملين والمرضى وذويهم. وترى المنظمة أن استهداف منشأة طبية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني قد يشكل جريمة حرب.
ويعرض التقرير صورة أوسع لانهيار القطاع الصحي نتيجة القصف ونقص الإمدادات، في وقت كانت فيه الحاجة إلى الرعاية الطبية في أعلى مستوياتها.
يوثق التقرير احتجاز 45 مدنيًا بصورة غير مشروعة، بينهم ثمانية أطفال. ويصف المحتجزون السابقون ظروف احتجاز قاسية، شملت الضرب والتجويع والحرمان من العلاج والإهانات العنصرية.
كما يورد التقرير شهادات لمحتجزين قالوا إنهم احتُجزوا داخل حاويات شحن مغلقة لفترات طويلة، في ظروف اتسمت بالحرارة الشديدة وسوء التهوية ونقص المياه والغذاء، مع وفاة بعض المحتجزين بسبب المرض أو الجفاف، بحسب رواياتهم.
من أبرز استنتاجات التقرير أن الأدلة التي جمعتها المنظمة تشير إلى نمط من الاضطهاد على أساس الهوية الإثنية، خاصة في المناطق التي تقطنها غالبية من قبيلة الزغاوة. ويستند التقرير إلى شهادات حول إحراق المنازل ومنع السكان من العودة واستخدام عبارات ذات طابع عنصري أثناء الهجمات.
وترى المنظمة أن هذه الوقائع تتسق مع أعمال وصفتها بالتطهير العرقي، مع استمرار تحقيقها في مدى ارتباط بعض الجرائم بجريمة الإبادة الجماعية.
تدعو منظمة العفو الدولية إلى وقف فوري لإطلاق النار، ونشر قوة دولية لحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم آليات المساءلة، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب بعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
كما توصي بوقف تزويد أطراف النزاع بالأسلحة، وتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان.
تكشف الأرقام والشهادات التي أوردها تقرير منظمة العفو الدولية عن صورة إنسانية قاسية لما عاشه المدنيون في الفاشر خلال فترة النزاع التي تناولها التحقيق. فخلف كل رقم قصة أسرة فقدت منزلها، أو طفل حُرم من والديه، أو امرأة تحمل آثار عنف لن تزول بسهولة، أو مريض لم يجد مستشفى آمنًا للعلاج. وبغض النظر عن مآلات التحقيقات الدولية والجهود الرامية إلى تحقيق المساءلة، فإن التقرير يعيد تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب في السودان، ويبرز الحاجة الملحة إلى حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ودعم الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع ووضع حد لمعاناة ملايين السودانيين.

