الحرب والدولار يشعلان الأسواق
كتب: حسين سعد
تعكس حركة الأسعار في الأسواق بولاية الجزيرة صورة مصغرة للأزمة الاقتصادية التي يعيشها السودان، حيث تواصل أسعار السلع الغذائية والمحاصيل الزراعية واللحوم والخضروات ارتفاعها بصورة متسارعة، في ظل استمرار الحرب، وتدهور قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وغياب فرص العمل، الأمر الذي أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بصورة غير مسبوقة.
وتظهر قائمة الأسعار حجم الضغوط التي تواجه الأسواق، إذ بلغ سعر جوال الفاصوليا 550 ألف جنيه، والفول المصري الكبير 450 ألف جنيه، والوسط 420 ألف جنيه، والويكة 350 ألف جنيه، والكسبرة 320 ألف جنيه، والعدسية 310 آلاف جنيه، والكبكبي 300 ألف جنيه، بينما وصل سعر القمح إلى 170 ألف جنيه، والذرة (فتريتة) إلى 185 ألف جنيه، و(طابت) 180 ألف جنيه، والحميسي 160 ألف جنيه، والعكر 150 ألف جنيه.
وفي الخضروات، بلغ سعر البطاطس 250 ألف جنيه للجوال، والشطة 250 ألف جنيه، والعجور 150 ألف جنيه، والبامية 140 ألف جنيه، والفلفلية 140 ألف جنيه، والبصل الأبيض 130 ألف جنيه، وجوال البصل الأسود 125 ألف جنيه، وصفيحة الطماطم 120 ألف جنيه، وجوال الليمون 100 ألف جنيه، بينما بلغ سعر الطماطم البلدي 90 ألف جنيه.
أما أسعار اللحوم، فقد وصل سعر كيلو الضأن إلى 50 ألف جنيه، والعجالي 36 ألف جنيه، والكبدة 40 ألف جنيه، والكوارع 30 ألف جنيه، وهي أسعار أصبحت تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين الذين تراجعت دخولهم بصورة كبيرة خلال العامين الماضيين.
ولا يمكن قراءة هذه الأسعار بمعزل عن الأزمة الكلية التي يعيشها الاقتصاد السوداني. فمنذ اندلاع الحرب، تعرضت القطاعات الإنتاجية والتجارية لشلل واسع، وتوقفت آلاف المصانع وورش الإنتاج، وأغلقت مؤسسات وأسواق عديدة، كما تعطلت حركة التجارة بين الولايات، وهو ما أدى إلى انخفاض المعروض من السلع مقابل استمرار الطلب، لتصبح النتيجة الطبيعية هي ارتفاع الأسعار.
ويمثل ارتفاع سعر صرف الدولار أحد أبرز الأسباب المباشرة لهذا الغلاء. فالاقتصاد السوداني يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد في توفير الوقود والقمح والزيوت والأدوية ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي. وكلما ارتفع سعر الدولار، ارتفعت تكلفة الاستيراد، ثم تنتقل هذه الزيادة إلى حلقات النقل والتوزيع حتى تصل إلى المستهلك النهائي. كما أن التجار غالبًا ما يضعون هوامش أمان تحسبًا لمزيد من تدهور سعر الصرف، الأمر الذي يدفع الأسعار إلى الارتفاع بصورة مستمرة.
ويواجه القطاع الزراعي، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني، تحديات غير مسبوقة خلال الموسم الحالي. فقد ارتفعت أسعار التقاوي والأسمدة والمبيدات الزراعية والوقود والزيوت وقطع غيار الآليات الزراعية، إلى جانب زيادة أجور العمالة وتكاليف الري والنقل. وأصبح كثير من المزارعين غير قادرين على تمويل عمليات الزراعة بالاعتماد على مواردهم الذاتية، في ظل ضعف التمويل المصرفي وارتفاع تكلفة الاقتراض.
وتؤدي هذه الزيادات إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الفدان بصورة كبيرة مقارنة بالمواسم السابقة، مما يجبر المنتجين على رفع أسعار محاصيلهم عند الحصاد حتى يتمكنوا من استرداد جزء من تكاليف الإنتاج. وفي المقابل، يجد المستهلك نفسه أمام أسعار مرتفعة لا تتناسب مع دخله، وهو ما يخلق فجوة متزايدة بين مستويات الدخل والأسعار.
وتسببت الحرب كذلك في تعطيل سلاسل الإمداد، حيث ارتفعت تكلفة نقل البضائع بين مناطق الإنتاج والأسواق بسبب تضرر الطرق، وارتفاع أسعار الوقود، وزيادة المخاطر الأمنية، مما أدى إلى تحميل المستهلك النهائي كامل هذه الأعباء.
وفي جانب سوق العمل، فقدت أعداد كبيرة من السودانيين وظائفهم نتيجة توقف المصانع والشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة، بينما اضطر آلاف أصحاب الأعمال الصغيرة إلى إغلاق أنشطتهم بسبب الحرب أو النزوح أو تراجع القوة الشرائية. وأدى ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة واتساع رقعة الفقر، وأصبحت كثير من الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية أو تحويلات الأقارب في الخارج لتغطية احتياجاتها الأساسية.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن استمرار ارتفاع الأسعار مع انخفاض الدخول الحقيقية يؤدي إلى حالة من الركود التضخمي، وهي من أخطر المراحل الاقتصادية، حيث يجتمع التضخم المرتفع مع ضعف النشاط الاقتصادي وتراجع الإنتاج وارتفاع البطالة في الوقت نفسه، الأمر الذي يجعل معالجة الأزمة أكثر تعقيدًا.
كما يحذر مختصون من أن استمرار ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج الزراعي قد يدفع عددًا من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو العزوف عن زراعة بعض المحاصيل، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج المحلي خلال الموسم المقبل، ويزيد من الاعتماد على الواردات، وبالتالي يفاقم أزمة الأمن الغذائي.
ويرى اقتصاديون أن الخروج من هذه الأزمة يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بوقف الحرب واستعادة الاستقرار الأمني، باعتبار أن السلام يمثل المدخل الأساسي لتعافي الاقتصاد. كما تتطلب المرحلة استقرار سعر الصرف، وتوفير الوقود ومدخلات الإنتاج الزراعي بأسعار مدعومة، وإعادة تشغيل المصانع والمؤسسات الإنتاجية، وتوسيع برامج التمويل الزراعي، وتحسين البنية التحتية للنقل، وتشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، إلى جانب تنفيذ سياسات تحد من التضخم وتوفر فرص عمل حقيقية للشباب.
وفي ظل غياب هذه المعالجات، يرجح مراقبون أن تستمر موجة ارتفاع الأسعار خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع دخول الموسم الزراعي وارتفاع الطلب على مدخلات الإنتاج، مما سيضاعف الضغوط على الأسر السودانية التي باتت تكافح يوميًا لتوفير احتياجاتها الأساسية في واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث.

