التغيير الجذري: إنهاء الحرب يبدأ بتنظيم الجماهير لا بالتسويات السياسية
في ذكرى 30 يونيو
تقرير: حسين سعد
في وقت يواصل فيه السودان الانزلاق إلى واحدة من أعقد أزماته السياسية والإنسانية منذ الاستقلال، عاد سؤال الثورة إلى الواجهة من جديد، ليس بوصفه استدعاءً لذكرى تاريخية فحسب، وإنما باعتباره مدخلاً لإعادة التفكير في مستقبل البلاد بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب. وبينما تتجه الأنظار إلى المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى وقف القتال، تبرز داخل الأوساط المدنية والسياسية أصوات تدعو إلى مقاربة مختلفة، ترى أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحل عبر اتفاقات تعقدها النخب أو القوى المسلحة، وإنما عبر إعادة بناء الحركة الجماهيرية وتنظيم المجتمع ليكون صاحب القرار في رسم مستقبل الدولة.
وفي هذا السياق، نظم تحالف قوى التغيير الجذري ندوة سياسية وفكرية قبيل الذكرى السنوية لمواكب الثلاثين من يونيو 2019، تحت شعار “سلطة الشعب وتجديد الفعل الثوري كطريق لإنهاء الحرب واستكمال الثورة”، بمشاركة المحامية هنادي فضل، و الاستاذ طارق عبد المجيد، والمهندس عبد الخالق محمد بابكر، والدكتور صلاح الزين، الذي قدم أيضاً قراءات شعرية استحضرت معاني الثورة والمقاومة والأمل في بناء وطن يسوده السلام والعدالة.
الحرب تعيد طرح أسئلة الثورة
افتتح المتحدثون الندوة بالتأكيد على أن الحرب لم تقتصر آثارها على المواجهات العسكرية، بل أحدثت تحولات عميقة في بنية المجتمع السوداني، وأدت إلى انهيار قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية، واتساع رقعة النزوح واللجوء، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور النشاط الاقتصادي، فضلاً عن تعميق الانقسامات الاجتماعية والإثنية.
وأشار المشاركون إلى أن ملايين السودانيين يعيشون اليوم أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد، في ظل انهيار النظام الصحي والتعليمي، وتوقف عجلة الإنتاج في كثير من المناطق، وتراجع فرص العمل والدخل، وهو ما يجعل قضية إنهاء الحرب ضرورة إنسانية ووطنية قبل أن تكون مطلباً سياسياً.
ورأوا أن استمرار الحرب كشف حدود الحلول التقليدية التي تعتمد على التفاوض بين القوى المسلحة أو الرعاية الخارجية، مؤكدين أن أي عملية سياسية لا تستند إلى مشاركة جماهيرية واسعة ستظل معرضة للفشل وإعادة إنتاج الأزمة.
واستعادت الندوة تجربة مواكب الثلاثين من يونيو 2019 باعتبارها إحدى أهم المحطات في تاريخ الثورة السودانية، إذ جاءت بعد أسابيع قليلة من فض اعتصام القيادة العامة، حين اعتقد كثيرون أن الثورة قد انتهت تحت وطأة العنف والقمع.
وأوضح المتحدثون أن خروج ملايين السودانيين إلى الشوارع آنذاك أثبت أن الثورة لم تكن مرتبطة بموقع جغرافي أو قيادة مركزية، وإنما كانت تعبيراً عن إرادة شعبية واسعة استطاعت تجاوز القمع واستعادة زمام المبادرة.
وأكدوا أن نجاح تلك المواكب لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل تنظيمي واسع قادته لجان المقاومة داخل الأحياء، بالاعتماد على وسائل اتصال بديلة وشبكات الثقة المجتمعية والمنشورات الورقية، بعد أن أغلقت السلطات آنذاك الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لعزل الثوار عن بعضهم البعض.
واعتبر المشاركون أن هذه التجربة تقدم درساً مهماً للحاضر، يتمثل في أن التنظيم الشعبي هو الضمان الحقيقي لاستمرار أي مشروع للتغيير، وأن الثورات لا تنتصر بالعفوية وحدها، وإنما بالقدرة على بناء المؤسسات والتنظيمات التي تحافظ على زخمها.
حملت تلك المواكب رسالة واضحة إلى المجلس العسكري الانتقالي آنذاك، مفادها أن الشعب لا يزال متمسكًا بمطالبه في إقامة سلطة مدنية ديمقراطية، وتحقيق العدالة للشهداء، وإنهاء الحكم العسكري. وأسهم الضغط الشعبي، إلى جانب الوساطات الإقليمية والدولية، في إعادة مسار التفاوض بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، وهو ما أفضى لاحقًا إلى توقيع الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، وتشكيل الحكومة الانتقالية.
لم تكن مواكب 30 يونيو مجرد احتجاج سياسي، بل مثلت تجديدًا للعهد مع الثورة، ورسخت مبدأ المقاومة السلمية باعتبارها وسيلة للتغيير. كما أكدت قدرة السودانيين على تجاوز الخوف والتمسك بحقهم في الحرية والديمقراطية، رغم الانتهاكات التي تعرضوا لها.
وقال المتحدثون ان استمرار الحرب والأزمة الإنسانية التي يعيشها السودان، مع حلول ذكرى 30 يونيو تطرح أسئلة جوهرية حول مصير شعارات الثورة، ومستقبل الدولة السودانية، وأهمية إنهاء الحرب، وتحقيق العدالة الانتقالية، وبناء دولة المواطنة وسيادة القانون. كما تظل الذكرى رمزًا لصمود الشعب السوداني وإصراره على مواصلة النضال من أجل وطن يسوده السلام والحرية والعدالة.
وأضافوا.. لقد أثبتت مواكب الثلاثين من يونيو أن إرادة الشعوب لا تُهزم بالقوة، وأن المطالب المشروعة بالحرية والكرامة تظل حية مهما اشتدت التحديات. وستظل هذه الذكرى علامة بارزة في ذاكرة السودانيين، باعتبارها يومًا أعاد للثورة زخمها، ورسخ قناعة بأن التغيير الحقيقي يبدأ بإرادة الشعوب وينتصر بصمودها.
وشدد المتحدثون على أن الثورة السودانية أنتجت وعياً سياسياً جديداً، خاصة بعد الانقلاب العسكري والحرب، إلا أن هذا الوعي، على أهميته، لا يكفي وحده لإحداث التحول الديمقراطي.
وأشاروا إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذا الوعي إلى تنظيمات جماهيرية مستقرة، تمتلك برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، وقادرة على قيادة المجتمع والدفاع عن مصالحه.
ورأوا أن غياب التنظيم كان من بين أبرز نقاط الضعف التي صاحبت الثورة خلال المرحلة الانتقالية، إذ أوجد فجوة بين الشارع والقوى السياسية التي تولت إدارة التفاوض، وهو ما انعكس لاحقاً على ضعف الرقابة الشعبية، وتعثر ملفات العدالة والإصلاح المؤسسي.
مراجعة نقدية للمرحلة الانتقالية
وخصصت الندوة جانباً مهماً لتقييم تجربة المرحلة الانتقالية، حيث اعتبر المشاركون أن تلك المرحلة شهدت أخطاء سياسية كبيرة أسهمت في تعقيد المشهد، وصولاً إلى اندلاع الحرب.
وأشاروا إلى أن الوثيقة الدستورية المعيبة منحت المؤسسة العسكرية مساحة واسعة للاحتفاظ بنفوذها السياسي والأمني، كما أن إشراك قوات الدعم السريع في السلطة الانتقالية، وفق رؤية المتحدثين، وفر لها فرصة لتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية.
كما انتقد المشاركون تأجيل ملفات العدالة الانتقالية والإصلاح الأمني، معتبرين أن غياب الحسم في هذه القضايا سمح باستمرار مراكز القوة القديمة داخل الدولة، وأضعف فرص الانتقال الديمقراطي.
وأكدوا أن التجربة أثبتت أن أي انتقال سياسي لا يقوم على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، وإخضاعها للسلطة المدنية، سيظل معرضاً للانتكاس.
وشهدت الندوة مداخلات عديدة من الحضور وطرح أسئلة على المتحدثين الذي جاوبوا عليها تناولت بعض المداخلات مفهوم الدولة،لاسيما وان هناك خلطاً متكرراً بين الدولة والنظام الحاكم أو الأجهزة الأمنية.
وأكدت المداخلات أن الثورة لا تستهدف هدم الدولة أو مؤسساتها، وإنما تسعى إلى تفكيك منظومة الاستبداد وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية، تقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، والمواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية.
وأشاروا إلى أن الحفاظ على الدولة يمثل ضرورة وطنية، لكن ذلك لا يعني الإبقاء على البنية السلطوية التي أنتجت الأزمات والحروب والانقلابات.
وتناول المشاركون قضية التهميش التاريخي، معتبرين أنها من الجذور الأساسية للأزمة السودانية، وأن تجاهل قضايا الأقاليم خلال المرحلة الانتقالية أسهم في تعميق الإحساس بالإقصاء لدى قطاعات واسعة من السكان.
وأكدوا أن المناطق الأكثر تضرراً من الحرب والنزاعات تحتاج إلى تمثيل حقيقي في مؤسسات الدولة وصنع القرار، وأن بناء السلام المستدام يبدأ بالاعتراف بحقوق المجتمعات المحلية في التنمية والمشاركة السياسية والعدالة.
ووجه المتحدثون انتقادات لما وصفوه بالاعتماد المفرط على التسويات السياسية، معتبرين أن تجارب السودان المتعاقبة أثبتت أن الاتفاقات التي تعقد بين النخب، بعيداً عن المشاركة الشعبية، غالباً ما تنتهي إلى أزمات جديدة.
وأكدوا أن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما بمعالجة جذور الأزمة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة للضحايا.
كما رأوا أن غياب العدالة يشكل تهديداً دائماً لأي عملية سلام، لأن الإفلات من العقاب يفتح الباب أمام تكرار الانتهاكات.
رؤية لما بعد الحرب
وطرحت الندوة ملامح تصور متكامل لمرحلة ما بعد الحرب، يبدأ بوقف القتال، وتشكيل سلطة مدنية انتقالية كاملة الصلاحيات، وإجراء إصلاح شامل للقطاعين العسكري والأمني، وإطلاق عملية عدالة انتقالية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية وفيدرالية.
كما دعا المشاركون إلى وضع برنامج اقتصادي يعيد تشغيل القطاعات الإنتاجية، ويدعم الزراعة والصناعة، ويوفر فرص العمل، ويعالج الآثار الاجتماعية للحرب، خاصة أوضاع النازحين واللاجئين والمتضررين.
وأكدوا ضرورة إشراك المزارعين، والعمال، والمعلمين، والنقابات، والتنظيمات النسوية والشبابية في صياغة هذا البرنامج، حتى يعبر عن احتياجات المجتمع الحقيقي، وليس عن مصالح النخب السياسية وحدها.
ودعت الندوة إلى الاستفادة من التجارب التي أفرزتها الحرب، مثل التكايا ولجان الطوارئ والمبادرات المجتمعية، باعتبارها نماذج لتنظيم المجتمع من القاعدة، يمكن تطويرها لتصبح مؤسسات أكثر استقراراً وقدرة على المشاركة في إدارة الشأن العام.
وأكد المتحدثون أن الديمقراطية لا تُبنى عبر الانتخابات فقط، وإنما عبر وجود مجتمع منظم يمتلك مؤسسات مستقلة، قادرة على الرقابة والمساءلة والدفاع عن الحقوق.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن ذكرى الثلاثين من يونيو ليست مناسبة للاحتفاء بالماضي فحسب، بل فرصة لإجراء مراجعة نقدية لتجربة الثورة واستخلاص دروسها في ظل الحرب الراهنة.
ورأى المشاركون أن إنهاء الحرب واستكمال مشروع التحول الديمقراطي يتطلبان بناء حركة جماهيرية واسعة، وتنظيماً سياسياً واجتماعياً قادراً على تحويل مطالب الشارع إلى مؤسسات وبرامج وسياسات، بما يضمن قيام دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الحرية والسلام والعدالة، وتمنع تكرار دوامات الانقلابات والحروب التي أنهكت السودان لعقود.

