الجمعة, يوليو 10, 2026
تقاريرسياسة

النيل الأبيض: الولاية الحدودية من ممرّ للنجاة إلى مسرحٍ للفقدان (19)

كتبب: حسين سعد

في حرب منتصف أبريل 2023، تحولت ولاية النيل الأبيض من منطقةٍ هادئة تعتمد على الزراعة والتجارة العابرة بين ولايتي الخرطوم وكردفان إلى واحدة من أكثر المناطق استقبالاً للفارين من المعارك، كانت مدن الولاية المتاخمة للخرطوم مثل القطينة والدويم، ربك، كوستي، أم جلالة، جودة، الشوال، أم رمتة، الجبلين وجودة وغيرها محطات عبور لآلاف العائلات الهاربة من جحيم العاصمة، لكن ومع امتداد القتال وتوسع رقعة المواجهات على الحدود المتاخمة لولاية الخرطوم، أصبحت مناطق في النيل الأبيض نفسها عرضة لاضطرابات أمنية وانفلات مسلح ونقاط تفتيش مجهولة وحوادث اعتقال وإحتجاز واختفاء قسري، ما جعل الولاية—التي كانت ملاذاً—تتحول إلى بيئة للفقد والضياع، وبحسب شهادات الأهالي، فإن الكثير من حالات الاختفاء حدثت بالقرب من الطرق المؤدية إلى الخرطوم، خاصة مناطق؛ شمال الولاية التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع ، كما شهدت مناطق أخرى حوادث اختطاف، وفقدان، وتوقيف دون معرفة الجهة التي قامت بذلك. عشرات الأسر تعيش الآن ما يُعرف بـــ “الحزن المعلّق”: لا تعرف إن كان ابنها على قيد الحياة أم رحل دون وداع، هذا التقرير يسلط الضوء على قصص المفقودين، معاناة أسرهم، الآثار النفسية والاجتماعية للفقد، والسياق الأمني الذي أحاط بهذه الأحداث، مع تقديم توصيات لإنصافهم وضمان حقوقهم؟.

موقع استراتيجي..

تقع ولاية النيل الأبيض مباشرة جنوب ولاية الخرطوم، ما جعلها خلال الحرب ممراً رئيسياً للنزوح الجماعي. ومع كثافة الحركة، زادت نقاط التفتيش،والارتكازات ، والاضطرابات الأمنية، وتحولت طرق رئيسية مثل طريق كوستي – الخرطوم, كوستي – ربك – الدويم, ود نمر – الكوة إلى مناطق خطرة، حيث حدثت بعض حالات اختفاء خلال السفر، مع إزدياد أعداد المفقودين و الفوضى،وإنقطاع الإتصالات في كثير من الفترات، وغياب السلطات المحلية أو ضعفها، وتعدد الجهات التي تمارس السيطرة، ارتفع عدد المفقودين في الولاية، ومن بين حالات الإختفاء وفق شهادات محلية لشباب فقدوا أثناء السفر من الخرطوم للنيل الأبيض، ونساء اختفين أثناء النزوح الجماعي في الأيام الأولى للحرب، وأشخاص فقدوا في مناطق الريف على يد مجموعات مسلحة مجهولة، ولأن الولاية كانت بوابة هروب، فقد أصبحت أيضاً مقبرة للهوية: لا أسماء، لا صور، لا سجلات رسمية. ومع انعدام آليات التوثيق، بقيت المعاناة معلّقة، وتفاقمت موجة المفقودين في النيل الأبيض نتيجة تداخل عدد من العوامل المركّبة التي اجتمعت في لحظة إشتداد الحرب، ومن أهم أسباب الفقد: الهروب الجماعي من الخرطوم عبر ممرات خطرة، وتعتبر ولايةّ النيل الأبيض بوابة عبور رئيسية للنازحين من العاصمة، وخلال عمليات الهرب انفصلت العائلات، وضل الأطفال طرقهم،واختفى رجال أثناء البحث عن مركبات أو وقود، وتاه كبار السن أثناء الحركة أو في نقاط التفتيش غير الرسمية، التي انتشرت في الشهور الأولى للحرب نقاط تفتيش عشوائية تديرها، مجموعات مسلحة، وعصابات نهب، وشبكات اتجار البشر، وفي كثير من الحالات، شوهد أشخاص يُقتادون بعيداً أثناء الاستجواب ولا يعودون، وفي ظل القتال بالمحليات المتاخمة للخرطوم التي كانت ساحة اشتباكات مباشرة. ومع سقوط القرى وتغير السيطرة، أصبح المدنيون عالقين بين القوات المتحاربة، وأدى ذلك إلى فقدان عدد كبير، حيث وثّقت بعض المنظمات عدة حالات اعتقال دون تهم واضحة، لم يُعرف مصير أصحابها حتى اليوم. كثير منهم من الشباب الذين كانوا يحاولون العبور جنوباً، كما كشفت بعض الشهادات عن تورط شبكات إجرامية في احتجاز أشخاص لمطالبة ذويهم بفدية، أو استغلالهم في العمل القسري، أو تهريبهم عبر الحدود، كل تلك الأنتهاكات تزامنت مع غياب أقسام الشرطة، أو أصبحت بلا إمكانيات، وتوقفت السجلات المدنية، وطوال شهور لم يكن هناك نظام لتسجيل الوفيات أو تتبع البلاغات، بجانب ضعف الاتصال وانقطاع الاتصالات ، الذي جعل التواصل بين أفراد العائلات مستحيلاً، اختفى أشخاص بسبب حادث صغير، لكن عدم توفر وسيلة للاتصال حوّل الأمر إلى مأساة طويلة؟

أرقام مفزعة:

في صحيفة المشهد السوداني، نُشر بتاريخ 17 أبريل 2025 تقرير بعنوان: “تقديرات مفزعة عن المفقودين في السودان”، تناول حجم أزمة المفقودين المتفاقمة نتيجة الحرب المستمرة في البلاد، مع التركيز على الأرقام الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتحذيراتها من اتساع نطاق الانتهاكات الإنسانية.
أفاد التقرير بأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أعلنت أنه تم الإبلاغ خلال عام 2024 عن فقدان ما لا يقل عن 8 آلاف شخص في السودان، مؤكدة أن هذا الرقم لا يمثل سوى “الجزء الظاهر من جبل الجليد”، في إشارة إلى أن العدد الحقيقي للمفقودين أكبر بكثير بسبب صعوبة التوثيق وانهيار مؤسسات الدولة في مناطق النزاع.
ونقل التقرير عن رئيس بعثة اللجنة في السودان، دانيال أومالي، قوله إن الحالات الموثقة هي فقط تلك التي تم جمع معلوماتها مباشرة، مضيفاً أن الواقع يشير إلى أعداد أكبر بكثير من حالات الاختفاء القسري التي لم يتم الإبلاغ عنها بسبب انقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول إلى المتضررين.

كما حذّر أومالي من تفشي العنف الجنسي على نطاق واسع في السودان، واصفاً إياه بأنه “أعلى مما شهدناه في نزاعات أخرى”، موضحاً أن الضحايا يشملون النساء والأطفال والرجال، وأن آثار هذه الانتهاكات تمتد لفترات طويلة حتى في حال توقف الحرب، لما تسببه من أضرار نفسية واجتماعية عميقة.
وأشار التقرير إلى اتهامات سابقة وجهتها منظمات حقوقية دولية، من بينها الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، لقوات الدعم السريع باستخدام العنف الجنسي كأداة حرب، بما في ذلك الاغتصاب والاستعباد الجنسي والزواج القسري، وهي اتهامات نفتها قوات الدعم السريع ووصفتها بالدعاية السياسية.
كما تطرق التقرير إلى القلق المتزايد من تراجع دور المنظمات الأهلية السودانية العاملة في المجال الإنساني، نتيجة نقص التمويل الدولي، خاصة بعد القرارات الأميركية بتجميد الدعم وتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرة هذه المنظمات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للضحايا.
ويخلص التقرير إلى أن أزمة المفقودين في السودان لم تعد مجرد أرقام، بل مأساة إنسانية متفاقمة تكشف حجم الانهيار الذي خلفته الحرب، وسط دعوات دولية متزايدة لتعزيز الحماية الإنسانية، وتوسيع عمليات البحث عن المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

جراح مفتوحة تنتظر الحقيقة:

تعيش أسر المفقودين اليوم بين نارين، نار الانتظار… ونار الاحتمالات المؤلمة، كل أم تفتح الباب عند المغرب لعل ابنها يعود، كل زوجة تستيقظ عند منتصف الليل على وَهْمِ خطوات مألوفة، كل طفل يحتفظ بصورة أبيه تحت الوسادة، يسأل عنها قبل النوم، هؤلاء الناس لا يريدون شيئاً سوى الحقيقة،وهي الحقيقة التي تأخرت حتى أصبحت جرحاً مفتوحاً، تزداد عُمقاً مع كل يوم يمر دون خبر إنصاف المفقودين ليس قضية قانونية فقط، بل قضية إنسانية، أخلاقية، ووجدانية، فلا يمكن لسلامٍ حقيقي أن يُبنى فوق صرخات الأمهات، ولا لعدالة أن تتحقق دون معرفة مصير هؤلاء الذين ابتلعتهم الحرب، سيظل صوت أسر المفقودين في النيل الأبيض عالياً، وسيظل انتظارهم الطويل شاهداً على قسوة الحرب وعلى ضرورة البحث بجدية وشجاعة عن الحقيقة (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *