السبت, أغسطس 29, 2026
تقاريرسياسة

المفقودون.. أداة القمع لإسكات المعارضين والحقوقيين (34)

كتب: حسين سعد

في الأنظمة الاستبدادية لا يكون السجن دائماً الوسيلة الوحيدة لإسكات الأصوات المعارضة، ففي كثير من الأحيان يصبح الغياب نفسه شكلاً من أشكال العقاب، وخلال سنوات حكم الإنقاذ، واجه المعارضون السياسيون والنقابيون والطلاب والصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان أشكالاً متعددة من القمع والانتهاكات، شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمات الاستثنائية والفصل من العمل، وصولاً إلى الاختفاء القسري الذي مثّل أحد أكثر الأساليب قسوة في إخضاع الخصوم وإرهاب المجتمع.

لم يكن الهدف من إخفاء الأشخاص قسراً مجرد حرمانهم من حريتهم، بل تحويلهم إلى مجهولي المصير، وترك أسرهم معلقة بين الأمل واليأس، في محاولة لخلق مناخ من الخوف يمنع الآخرين من كشف الانتهاكات أو المطالبة بالحقوق أو فضح الجرائم المرتكبة في مناطق النزاعات والاحتجاجات. ومع تعاقب الأزمات السياسية والحروب في السودان، تحولت جريمة الاختفاء القسري من ممارسة مرتبطة بالأجهزة الأمنية إلى ظاهرة أكثر تعقيداً وتشابكاً، امتدت آثارها إلى آلاف الأسر التي ما تزال تبحث عن إجابات لم تجدها بعد.

إنتهاكات متعددة:
وخلال سنوات حكم نظام الإنقاذ، تعرض معارضون ومدافعون عن حقوق الإنسان لشتى أنواع الانتهاكات، من الاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمات الاستثنائية إلى الفصل التعسفي من الوظائف والملاحقات الأمنية. لكن الاختفاء القسري ظل من أكثر هذه الانتهاكات قسوة، لأنه لا يكتفي بحرمان الضحية من حريتها، بل يحرم أسرتها من معرفة مصيرها، ويتركها عالقة بين الأمل والانتظار والخوف، ومع اندلاع النزاعات المسلحة في عدد من أقاليم السودان، ثم تصاعد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير، اتسعت دائرة هذه الجريمة لتشمل فئات ومناطق مختلفة، ما جعل ملف المفقودين أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في سجل حقوق الإنسان السوداني، ويُعد الاختفاء القسري من أخطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ليس فقط لما ينطوي عليه من حرمان غير مشروع من الحرية، وإنما لأنه يضع الضحية خارج نطاق الحماية القانونية ويجعل مصيرها مجهولاً. ووفقاً للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، فإن الجريمة تتمثل في الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف على أيدي موظفي الدولة أو من يعملون بإذنها أو دعمها، يعقبه إنكار لمصير الشخص أو مكان وجوده، بما يجعله خارج حماية القانون.

أداة للقمع السياسي
ارتبطت جريمة الاختفاء القسري في السودان بتاريخ طويل من الصراعات السياسية والأمنية. فمنذ وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989، استخدمت الأجهزة الأمنية سلطات واسعة في الاعتقال والاحتجاز خارج الضمانات القانونية، مستهدفة المعارضين السياسيين والنقابيين والطلاب والصحفيين والناشطين.

وشهدت سنوات الحكم المختلفة حالات اختفاء واحتجاز غير معلنة طالت شخصيات سياسية وحقوقية، بينما تعرض كثيرون للاعتقال في أماكن احتجاز سرية أو غير معلومة لأسرهم ومحاميهم. كما امتدت هذه الممارسات إلى الحملات الأمنية التي صاحبت الاحتجاجات الشعبية في أعوام 2013 و2016 و2018، حيث أبلغت أسر عديدة عن انقطاع الاتصال بذويها لفترات متفاوتة دون معلومات واضحة عن أماكن احتجازهم.

النزاعات وتوسّيع الإختفاء
لم يقتصر الاختفاء القسري على المدن ومراكز النشاط السياسي، بل امتد إلى مناطق النزاعات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها من المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية طويلة، وفي تلك البيئات الهشة، ارتبطت حالات الاختفاء القسري بحملات عسكرية وعمليات أمنية استهدفت مدنيين يشتبه في تعاطفهم مع أطراف النزاع أو دعمهم لها. وفي كثير من الحالات، لم تحصل الأسر على أي معلومات عن مصير ذويها، بينما انتهت بعض الوقائع بعمليات قتل أو إعدام خارج نطاق القضاء، وأدى ضعف المؤسسات العدلية وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع إلى تعقيد جهود التوثيق والتحقيق، ما جعل كثيراً من الحالات مجهولة المصير حتى اليوم.

أشكال متعددة للجريمة
يرى خبراء حقوق الإنسان أن الاختفاء القسري في السودان اتخذ عدة أشكال وسياقات مختلفة، فإلى جانب القمع السياسي المباشر، وثّقت منظمات حقوقية حالات اختفاء لنساء وأطفال في سياق النزاعات المسلحة، ارتبط بعضها بالاستغلال الجنسي أو العمل القسري أو الاحتجاز غير المشروع، كما ظهرت حالات اختفاء مرتبطة بالهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، حيث فُقد مهاجرون سودانيون خلال رحلات العبور عبر الحدود، في ظل نشاط شبكات التهريب وضعف الحماية القانونية للمهاجرين.

من هو الضحية؟
لا تقتصر جريمة الاختفاء القسري على الشخص المختفي وحده. فوفق المادة (24) من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، تشمل صفة الضحية كل من تعرض لضرر مباشر نتيجة الاختفاء، وفي السودان غالباً ما تتحول الأسرة نفسها إلى ضحية مستمرة للجريمة. فالأمهات والآباء والزوجات والأبناء يعيشون سنوات طويلة في البحث والانتظار، ويواجهون ضغوطاً نفسية واقتصادية واجتماعية هائلة بسبب غياب المعلومات، وتتحمل النساء العبء الأكبر في عمليات البحث والمتابعة، حيث يقدن الجهود القانونية والمجتمعية لمعرفة مصير المفقودين، في ظروف تتسم بعدم اليقين والخوف والاستنزاف النفسي المستمر.

إطار قانوني غير مكتمل
رغم توقيع السودان على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري عام 2021، لا يزال الإطار القانوني الوطني يعاني من ثغرات كبيرة تعيق مكافحة هذه الجريمة، فلا يوجد حتى الآن قانون وطني مستقل يجرّم الاختفاء القسري بصورة شاملة تتوافق مع المعايير الدولية، كما أن النصوص الجنائية القائمة لا توفر حماية كافية أو آليات فعالة للمساءلة، ويشير حقوقيون إلى غياب قاعدة بيانات وطنية شاملة للمفقودين والمختفين قسراً، إضافة إلى ضعف آليات التحقيق وعدم كفاية إجراءات البحث والتقصي، الأمر الذي يفاقم معاناة الأسر ويحد من فرص الوصول إلى الحقيقة.

المجتمع المدني يملأ الفراغ
في ظل محدودية الاستجابة الرسمية، برزت منظمات المجتمع المدني والمجموعات الحقوقية كجهات رئيسية في توثيق حالات الاختفاء القسري وتقديم الدعم القانوني والنفسي للأسر، كما أسهمت هذه المنظمات في بناء قواعد بيانات غير رسمية، وإثارة القضية أمام الآليات الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان، والضغط من أجل الاعتراف بحق الأسر في معرفة الحقيقة، ورغم ضعف الإمكانيات والظروف الأمنية الصعبة، ظلت جهود المجتمع المدني تمثل المصدر الأهم للمعلومات المتعلقة بالعديد من حالات الاختفاء في السودان.

مأساة تتجاوز الإحصاءات
تشير تقارير حقوقية إلى وجود عشرات الحالات الموثقة لدى آليات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، غير أن تقديرات حقوقيين تؤكد أن العدد الفعلي أكبر بكثير بسبب ضعف التوثيق وصعوبة الوصول إلى المعلومات، وتشمل قائمة الضحايا سياسيين ونشطاء وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومدنيين في مناطق النزاعات ونساءً وأطفالاً ومهاجرين اختفوا خارج الحدود، لكن الأرقام، مهما بلغت، لا تعكس حجم المأساة الحقيقية التي تعيشها الأسر. فلكل حالة اختفاء قصة إنسانية وأسرة تنتظر خبراً قد لا يأتي، وحقائق ما تزال مدفونة خلف جدران الصمت والإنكار.

الخاتمة عقود من الصراعات:
بعد أكثر من ثلاثة عقود من الصراعات والانتهاكات، ما تزال قضية المختفين قسراً تمثل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة السودانية. فهذه الجريمة لا تنتهي عند لحظة الاختفاء، بل تستمر في حياة الأسر التي تواصل البحث عن الحقيقة، وفي مجتمع لم يحصل بعد على إجابات كافية بشأن مصير كثير من أبنائه، وتبقى قضية الاختفاء القسري اختباراً حقيقياً لأي مسار للعدالة الانتقالية في السودان، إذ لا يمكن الحديث عن مصالحة أو سلام مستدام دون كشف مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا وأسرهم، فالحق في معرفة الحقيقة ليس مطلباً سياسياً، بل حق إنساني أصيل. وما لم تُكشف مصائر الغائبين ويُحاسب المسؤولون عن إخفائهم، سيظل المفقودون حاضرين في وجدان السودانيين، بوصفهم شاهداً دائماً على واحدة من أكثر الجرائم قسوة في تاريخ البلاد الحديث (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *