الثلاثاء, أغسطس 18, 2026
تقاريرسياسة

الأسر في انتظار الحقيقة (30)

كتب: حسين سعد

في كل يوم تستيقظ آلاف الأسر السودانية على السؤال نفسه: أين هم؟ سؤال يتكرر منذ اندلاع الحرب ، دون أن يجد إجابة. فبين أصوات المدافع، وطرق النزوح المزدحمة، والمعتقلات غير المعلومة، اختفى آلاف الأشخاص تاركين وراءهم عائلات تعيش بين الأمل والخوف، وبين انتظار خبر يبدد القلق ويكشف المصير، ومع دخول الحرب عامها الرابع، لم تعد المأساة تقتصر على أعداد القتلى والجرحى والنازحين، بل برز ملف المفقودين كأحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً وإيلاماً، في ظل غياب السجلات الرسمية وتفكك مؤسسات الدولة واتساع رقعة النزاع ، فخلال أشهر قليلة تحولت أحياء الخرطوم ومدن دارفور والجزيرة وكردفان وسنار وغيرها من المناطق إلى ساحات قتال مفتوحة، بينما وجد ملايين المدنيين أنفسهم عالقين بين نيران متبادلة لا تميز بين مقاتل ومدني.

لكن خلف مشاهد الدمار، وانهيار البنية التحتية ونزوح الملايين، برزت مأساة أخرى أقل ظهوراً في وسائل الإعلام وأكثر قسوة على الأسر السودانية، وهي مأساة المفقودين. فآلاف الرجال والنساء والأطفال اختفوا في ظروف غامضة خلال عمليات القصف والاشتباكات، أو أثناء محاولات الفرار من مناطق الحرب، أو بعد الاعتقال والاحتجاز، تاركين خلفهم عائلات تعيش على أمل معرفة مصيرهم، في كل مدينة وقرية ومعسكر نزوح تكاد تتكرر القصة ذاتها، أم تنتظر اتصالاً من ابن غاب منذ أشهر، أو أب يحمل صورة ابنه متنقلاً بين المستشفيات ومراكز الإيواء بحثاً عن أي معلومة، أو زوجة تطرق أبواب المؤسسات والمنظمات علّها تجد أثراً لزوج خرج ذات صباح ولم يعد. وبين الأمل واليأس تتجمد حياة آلاف الأسر التي لا تعرف إن كان أحباؤها أحياء أم أمواتاً، محتجزين أم نازحين في مكان مجهول، ومع استمرار الحرب واتساع رقعتها الجغرافية، تعقدت أزمة المفقودين بصورة غير مسبوقة نتيجة انهيار مؤسسات الدولة وتعطل السجل المدني وتفكك شبكات الاتصال والنقل، فضلاً عن النزوح الجماعي الذي شرد ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها. وأصبح توثيق حالات الاختفاء أو التحقق من مصير الضحايا مهمة شاقة في ظل غياب قواعد بيانات رسمية وآليات وطنية فعالة للبحث والكشف عن الحقيقة، ولا تقتصر خطورة هذه الأزمة على بعدها الإنساني فحسب، بل تمتد إلى أبعاد قانونية وحقوقية عميقة، إذ إن استمرار اختفاء آلاف الأشخاص دون معرفة مصيرهم يثير تساؤلات جدية حول الانتهاكات المرتكبة أثناء النزاع، وحجم المسؤولية الملقاة على أطراف الحرب، ومستقبل العدالة والمساءلة في السودان. كما أن غياب الحقيقة يحرم الأسر من أبسط حقوقها الإنسانية، ويجعل معاناة المفقودين وعائلاتهم جرحاً مفتوحاً يتسع مع مرور الوقت
من شراكة انتقالية هشة إلى حرب مفتوحة
تعود جذور الصراع الحالي إلى المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس المدحور عمر البشير عام 2019، حين دخل الجيش وقوات الدعم السريع في ترتيبات انتقالية اتسمت بالهشاشة والتعقيد. ومع تزايد الخلافات حول إصلاح القطاع الأمني والعسكري ومستقبل دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش، تصاعد التوتر تدريجياً حتى تحول إلى مواجهة عسكرية شاملة في أبريل 2023م ، ويرى محللون أن الحرب لم تكن مجرد خلاف فني حول ترتيبات الدمج العسكري، بل انعكاساً لصراع أوسع على السلطة والنفوذ داخل الدولة، خاصة بعد تعثر الانتقال المدني والانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، وما تبعه من انسداد سياسي وتراجع فرص التوافق الوطني..

مع اتساع العمليات العسكرية، برز ملف المفقودين باعتباره أحد أكثر التداعيات الإنسانية غموضاً. فقد انقطعت أخبار آلاف الأشخاص أثناء القصف، أو خلال محاولات النزوح، أو بعد المرور عبر نقاط التفتيش والاعتقال، فيما تتحدث تقارير حقوقية عن احتمالات وجود محتجزين في أماكن احتجاز غير معلومة، إلى جانب حالات وفاة لم تُوثق رسمياً، وتؤكد منظمات حقوقية أن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة يجعل من الصعب تحديد العدد الحقيقي للمفقودين، الأمر الذي يترك آلاف الأسر في حالة انتظار مفتوح، لا هي قادرة على تأكيد الوفاة ولا على الاطمئنان إلى النجاة، أدت الحرب إلى واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير تقديرات أممية إلى نزوح نحو عشرة ملايين شخص داخل السودان وخارجه.

وأفرز هذا النزوح الواسع تداعيات اجتماعية وإنسانية عميقة، من بينها تفكك آلاف الأسر، وانقطاع وسائل التواصل بين أفرادها، وصعوبة تتبع المفقودين أو التحقق من مصيرهم. كما فرض ضغوطاً متزايدة على دول الجوار التي استقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين الفارين من مناطق القتال، ويرى مراقبون أن الحركة المستمرة للسكان بين المدن والولايات والدول ساهمت في تعقيد جهود التوثيق والبحث، وأدت إلى ارتفاع حالات فقدان الأطفال والنساء أثناء عمليات النزوح.

أزمة داخل الأزمة:
يمثل انهيار مؤسسات الدولة وتوقف أجزاء واسعة من منظومة السجل المدني أحد أبرز العوائق أمام معرفة مصير المفقودين. فحتى الآن لا توجد قاعدة بيانات رسمية شاملة يمكن الاعتماد عليها لتوثيق حالات الاختفاء أو متابعة مصائر الضحايا، وبسبب هذا الفراغ المؤسسي، أصبحت عملية التوثيق تعتمد بصورة كبيرة على المبادرات الفردية، ولجان المتطوعين، ومنصات التواصل الاجتماعي، وهي جهود مهمة لكنها تظل محدودة مقارنة بحجم الأزمة، ويحذر حقوقيون من أن استمرار غياب التوثيق الرسمي لا يهدد فقط حقوق الضحايا وأسرهم، بل يكرس أيضاً مناخ الإفلات من العقاب ويصعّب أي جهود مستقبلية لتحقيق العدالة الانتقالية والمساءلة، وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، يُعد الاختفاء القسري من أخطر الانتهاكات، ويمكن أن يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية إذا ارتُكب بصورة واسعة النطاق أو بشكل منهجي، وتنص المواثيق الدولية على حق الأسر في معرفة الحقيقة، وواجب السلطات في الكشف عن مصير المفقودين وتحديد أماكن وجودهم وضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إلا أن خبراء قانونيين وحقوقيين يشيرون إلى أن غياب آليات تحقيق وطنية مستقلة، وضعف الاستجابة الدولية مقارنة بحجم الأزمة، أبقيا الملف مفتوحاً دون تقدم ملموس نحو الحقيقة أو العدالة..

تقف قصص إنسانية مؤلمة لعائلات فقدت أبناءها وأقاربها دون أن تعرف مصيرهم. وتقول أسر مفقودين إن أبناءها اختفوا أثناء النزوح أو عقب الاعتقال أو خلال محاولاتهم عبور مناطق الاشتباكات، بينما تواصل العائلات البحث في المستشفيات ومراكز الإيواء وأماكن الاحتجاز دون الحصول على إجابات واضحة، ويقول المواطن محمد يوسف (اسم مستعار)إن انهيار مؤسسات الدولة وغياب التوثيق جعلا كثيراً من المفقودين بلا أثر، وكأنهم اختفوا من الوجود دون سجل أو شهادة تثبت ما جرى لهم، من جانبها، ترى المواطنة علوية حسن أن تعدد أطراف النزاع وغياب الرقابة الفاعلة أسهما في اتساع دائرة الاختفاء القسري بصورة غير مسبوقة، ما ضاعف معاناة الأسر الباحثة عن الحقيقة، الي ذلك يرى خبراء في مجال حقوق الإنسان أن معالجة أزمة المفقودين تتطلب خطوات عاجلة تشمل إنشاء لجنة وطنية مستقلة للبحث عن المفقودين بدعم فني ودولي، وتأسيس قاعدة بيانات وطنية موحدة، وإدماج الملف ضمن أي عملية مستقبلية للعدالة الانتقالية، كما يشددون على ضرورة إشراك أسر الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في عمليات البحث والتوثيق، وضمان حق العائلات في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بمصير ذويهم، لا تزال الحرب في السودان تنتج كل يوم مآسي جديدة، لكن ملف المفقودين يبقى أحد أكثر وجوهها قسوة وغموضاً. فخلف كل اسم مفقود أسرة معلقة بين الأمل واليأس، وخلف كل قصة اختفاء حكاية انتظار لا تنتهي، ومع استمرار النزاع وتداعياته، تتزايد الحاجة إلى تحرك جاد لكشف مصير المفقودين وإنصاف أسرهم.

فالحقيقة ليست مطلباً إنسانياً فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق العدالة وبناء سلام مستدام. وحتى يتحقق ذلك، سيظل المفقودون جرحاً مفتوحاً في الذاكرة السودانية،  مؤلماً على كلفة الحرب التي يدفعها المدنيون كل يوم.(يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *