السبت, أغسطس 22, 2026
تقاريرسياسة

مبادرات شعبية توثق غياب المفقودين (32)

كتب: حسين سعد

مع إستمرار الحرب الكارثية، وانهيار المؤسسات الرسمية وغياب قواعد البيانات الوطنية، تتسع يوماً بعد يوم قضية المفقودين لتصبح واحدة من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً وإيلاماً، وأمام هذا الفراغ المؤسسي، برزت مبادرات محلية وإعلامية وشبكات تواصل اجتماعي كبدائل اضطرارية، لا تكتفي بتوثيق حالات الاختفاء القسري، بل تتحول تدريجياً إلى أرشيف حيّ للحرب، تحفظ أسماء الغائبين وتمنح أسرهم نافذة أمل في معرفة مصيره، ومحاولة سد الفراغ الكبير في ملف يُعد من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً وتعقيداً.

هذه الجهود، التي يقودها متطوعون من صحفيين وحقوقيين وأسر الضحايا، لم تعد مجرد مبادرات توثيق، بل تحولت إلى ذاكرة وطنية بديلة تحفظ أسماء الغائبين وتمنح الأسر نافذة أمل في معرفة مصير أحبائهم، وأصبحت هذه المبادرات الوسيلة الوحيدة للأسر للبحث عن أحبائهم والمطالبة بحقهم في الحقيقة والعدالة، وتعتمد هذه المجموعات على تطوع الناشطين والصحفيين وأفراد المجتمع المحلي، الذين يوثقون القصص من داخل الأحياء ومخيمات النزوح، في ظل ظروف أمنية خطيرة وانقطاع الاتصالات في عدد من الولايات.

أولاً: توثيق من القاعدة إلى القمة
في مدن النزاع ومناطق النزوح، خاصة في الخرطوم ودارفور والجزيرة، وكردفان وولايات الوسط والشرق والشمالية تشكلت لجان أهلية غير رسمية تعمل على جمع شهادات الأسر حول ظروف الاختفاء، وتسجيل بيانات المفقودين (الاسم، العمر، آخر مكان شوهدوا فيه) وإعداد قوائم أولية تُشارك مع منظمات حقوقية محلية ودولية، وتنظيم لقاءات دعم نفسي للأسر المتضررة، ومن أبرز هذه المبادرات لجنة أهالي المفقودين في الخرطوم، التي وثّقت أكثر من 2000 حالة منذ اندلاع الحرب، وتعقد لقاءات دورية للأسر لتبادل المعلومات

ثانياً: من نقل الخبر الي صناعة الذاكرة
لعب الإعلام السوداني والمستقل دوراً محورياً في إبراز القضية، عبر نشر وبث تقارير ميدانية من مناطق النزوح، وإجراء مقابلات مع أسر المفقودين والناجين، وتغطية حملات البحث والاحتجاجات، وتسليط الضوء على حالات الاختفاء القسري السابقة، ويقول الصحفي محمد عبد الكريم ديوب : الإعلام اليوم لا ينقل الخبر فقط، بل يشارك في صناعة الذاكرة، ويضغط باتجاه العدالة، ومع اتساع الأزمة، أصبح الإعلام جزءاً غير رسمي من عملية العدالة الانتقالية عبر توثيق الانتهاكات ومنع طمسها

ثالثاً: مواقع التواصل الاجتماعي:
تحولت منصات مثل فيسبوك وواتساب وتيليغرام إلى فضاء مفتوح لتوثيق المفقودين عبر نشر الصور والأسماء والبيانات، وإنشاء مجموعات بحث وتنسيق، وتداول بلاغات العثور أو الشهود، واستخدام الوسوم (هاشتاغات) للضغط والتعبئة، وفي ذلك نشطت العديد من الصفحات الخاصة بالمفقودين.

رابعاً: قصص من الميدان:
في معسكرات النزوح واللجوء ومناطق الحرب، تتكرر القصص المؤلمة، أم تبحث عن ابنها منذ عام 2023 في دارفور، طفل يروي فقدان شقيقه أثناء النزوح من الخرطوم، أسر فقدت الاتصال بأفرادها عند نقاط التفتيش أو أثناء الفرار من القتال، هذه القصص، رغم فرديتها، تشكل سردية وطنية جماعية عن الغياب القسري والألم الممتد.

خامساً: التحديات بين التوثيق والخطر:
رغم أهمية هذه المبادرات، تواجه تحديات كبيرة أبرزها: انعدام الوصول الآمن لمناطق النزاع، وضعف التمويل والموارد التقنية، بجانب المخاطر الأمنية على الناشطين، وصعوبة التحقق من المعلومات في ظل الفوضى، وغياب أي إطار رسمي داعم أو قاعدة بيانات وطنية.

سادساً: الأثر الحقوقي والاجتماعي:
أسهمت هذه الجهود في كسر الصمت حول قضية المفقودين، وخلق ضغط محلي ودولي باتجاه التوثيق، ودعم الأسر نفسياً عبر الإحساس بعدم العزلة، وبناء نواة أولية لأرشيف وطني غير رسمي، ويرى حقوقيون أن هذه المبادرات تمثل المرحلة الأولى لأي عدالة انتقالية مستقبلية.

سابعاً: الإعلام ذاكرة مقاومة:
في ظل غياب الدولة، أصبح المواطنون أنفسهم “أرشيفاً حياً” للحرب، فكل منشور عن مفقود، وكل صورة تُتداول، وكل تعليق من أسرة، يمثل جزءاً من ذاكرة جماعية تُكتب في الوقت الحقيقي، كما يقول أحد الناشطين : نحن لا نوثق فقط المفقودين، نحن نقاوم النسيان.

ومن جهتها تقول ناشطة فضلت حجب إسمها لدواعي أمنية، إن الهدف من التوثيق ليس فقط “إحصاء عدد المفقودين”، بل حفظ الذاكرة الجماعية ومنع طمس الأدلة. وتضيف أن “الكثير من حالات الاختفاء تحدث في ظروف الحرب أو أثناء الاعتقالات، ومن دون تسجيل أو متابعة، مما يجعل التوثيق المجتمعي هو السند الوحيد لأسر الضحايا حتى الآن، وأضافت الإعلام كمنصة للبحث والمساءلة رغم القيود وصعوبات الوصول وانقطاع الانترنت ، الا إن الإعلام المستقل والحقوقي لعب دوراً محورياً في تسليط الضوء على قضية المفقودين. فعدد من الصحف الإلكترونية والقنوات المحلية والدولية خصصت مساحات لرواية قصص الأسر والناجين، بينما نفذت تقارير ميدانية كشفت حجم المأساة الإنسانية والحقوقية التي خلفتها الحرب، وقالت أن التغطية الإعلامية كانت في البداية “مجزأة وخجولة”، لكن مع تزايد أعداد المفقودين، بدأت وسائل الإعلام تنسق جهودها مع منظمات المجتمع المدني لتوثيق الحالات بشكل أكثر مهنية وتنظيماً. وأضافت: “الإعلام أصبح جزءاً من عملية العدالة الانتقالية، لأنه يوثق الذاكرة ويمنح صوتاً لمن لا صوت لهم،

وسيلة مقاومة مدنية:
وفي المقابل يقول الصحفي محمد عبد الكريم ديوب في حديثه مع مدنية نيوز إن “التوثيق عبر الإنترنت أصبح وسيلة مقاومة مدنية في وجه النسيان، وأداة ضغط على الأطراف المتحاربة والمجتمع الدولي لعدم تجاهل مصير المفقودين ، وأضاف المسيكتابي أن جهود التوثيق المحلي ليست مجرد عمل إنساني، بل تمثل ركيزة أساسية لأي عملية عدالة انتقالية قادمة، إذ توفر البيانات الأولية التي يمكن أن تُستخدم لاحقاً في لجان الحقيقة أو المحاكم. كما أن استمرار هذه الجهود يحافظ على الذاكرة الجمعية للسودانيين ويمنع طمس الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب، ولفت الي إن المجتمع السوداني اليوم يصنع أرشيفه بيده، عبر الكاميرات والهواتف والصفحات، لأن الدولة غائبة والإفلات من العقاب مستمر”. ويضيف أن “هذه المبادرات، رغم تواضع إمكاناتها، هي الضمان الوحيد ألا يضيع المفقودون في العتمة، وأن يظل أمل الحقيقة قائماً، وقال ديوب منذ إندلاع الحرب ، وتمدد الفوضى إلى كل زاوية في السودان، وتمدّد معها النسيان ، في هذا الفراغ، ظهرت مبادرات مثل “التقصي الأسري” و*“مفقودين السودان”* و*“حملة ابحث عنهم”* و*“مفقود”*، أنشأها متطوعون أغلبهم من الشباب، بينهم صحفيون وأطباء ومبرمجون، وأضاف تعمل هذه المبادرات بآليات بسيطة لكنها فعّالة ، كما تنشر الصحف الإلكترونية بين الحين والآخر قصصًا عن عودة أحد المفقودين أو عن مبادرة جديدة، لكنها تظل جهودًا فردية ومتفرقة، وقال ان المشكلة لا تكمن فقط في غياب المنصات الرسمية، بل أيضًا في غياب قاعدة بيانات موحدة للمفقودين، وعبر هواتفهم وكاميراتهم وصفحاتهم، يوثقون الغائبين، ويرسمون خريطة الأمل من شظايا الألم.

ورغم المخاطر الأمنية وضبابية المعلومات، نجحوا في بناء سجلٍّ إنساني موازٍ، يجمع بين التقنية والعاطفة، بين الخسارة والبحث المستمر عن الحياة، و في النهاية، تُثبت هذه المبادرات أن التوثيق — على بساطته — شكل من أشكال المقاومة: مقاومة النسيان، وغياب الدولة، والحرب ذاتها.

ففي كل صورة تُنشر، وكل تعليق يحمل اسمًا جديدًا، ثمة محاولةٌ صغيرة لإبقاء الذاكرة حيّة، حتى يعود آخر مفقود إلى بيته، أو يُكتب اسمه في سجلٍّ لا يُمحى — سجل العدالة والذاكرة.

الخاتمة التوثيق ضرورة إنسانية:
لم يعد التوثيق مجرد نشاط مجتمعي، بل أصبح ضرورة إنسانية ووجودية لأسر تعيش بين الفقدان والأمل، في ظل غياب الدولة،حيث أصبحت المبادرات المحلية والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي جسوراً بديلة نحو الحقيقة، تحفظ أسماء الغائبين من الضياع، وتمنح الأسر حقها الأبدي في السؤال: أين هم؟.

فما يفعله المواطنون على هواتفهم اليوم، هو في جوهره محاولة لإنقاذ الوطن من النسيان، ولإعادة بناء العدالة، صورةً بعد صورة، واسمًا بعد اسم،ويُغلق سجل الحرب على آخر مفقود، ويُفتح سجل الذاكرة على بلدٍ يتذكر كي لا يضيع مرّة أخرى. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *