الصحافة في مواجهة الفراغ.. تحديات التوثيق (33)
كتب: حسين سعد
لا تبدأ قصة الاختفاء القسري دائماً بحدث واضح، بل غالباً بسؤال يتعثر في الفراغ: أين هو؟ ومتى شوهد آخر مرة؟ ومن قال ذلك؟ ثم تبدأ دائرة من الأسئلة الأخرى التي لا تجد طريقها إلى إجابات ثابتة ، فهنالك أمّ تبحث عن ابنها لا تملك سوى رواية متناقضة من شاهدين لا يعرف أحدهما الآخر. وأب يقف بين المستشفيات ونقاط التفتيش، يحمل ورقة مفقودة الأثر أكثر مما تحمل دليلاً. وصحفي يحاول تتبع الخيط الأول للقصة، فيجد أن الخيط نفسه قد انقطع قبل أن يبدأ ، في قري ومدن السودان المنكوبة بالحرب ، لا تأتي القصة دائماً من مكان يمكن الوصول إليه، ولا تبدأ بخبر واضح أو وثيقة رسمية أو تصريح مباشر. أحياناً تبدأ القصة من غياب طويل لا يفسّره أحد، ومن سؤال بسيط يتكرر في البيوت والمستشفيات ونقاط التفتيش: أين ذهب؟
هناك أمّ تفتح باب البيت كل صباح وكأنها تعيد المشهد نفسه منذ أشهر، تنتظر عودة ابن خرج في يوم عادي ولم يعد في أي يوم بعده. وأب يحمل اسماً وصورة ورقماً هاتفياً لم يعد يرن، ويطوف بين المستشفيات والمشارح ومراكز الشرطة، دون أن يجد أثراً واحداً يثبت أن القصة لم تنتهِ في صمت. وأطفال يكبرون على سؤال لا إجابة له: لماذا لم يعد أبي؟
من الخرطوم الى دارفور وكردفان:
فمنذ اندلاع الحرب لم يعد الاختفاء القسري في السودان مجرد حالات فردية متناثرة، بل تحول إلى نمط واسع يتكرر في مناطق مختلفة، من الخرطوم إلى دارفور، ومن كردفان إلى الجزيرة. لكن ما يجعل هذا الملف أكثر تعقيداً ليس فقط اتساعه، بل الطريقة التي يُدار بها الصمت حوله، في لحظة ما، تتوقف السجلات عن العمل، وتتعطل الاتصالات، وتختفي المعلومة قبل أن تُكتب. فلا شرطة توثق، ولا مستشفيات تحفظ الأسماء، ولا جهات قادرة على تجميع الصورة الكاملة. وفي هذا الفراغ، لا يعود الغياب مجرد حدث إنساني، بل يتحول إلى حالة معرفية معقدة: كيف نعرف أن شخصاً اختفى إذا لم يبقَ أثر موثق لوجوده أصلاً؟
هنا تحديداً، تجد الصحافة نفسها أمام اختبار غير مألوف. فهي لا تبحث فقط عن إجابة، بل عن دليل على أن السؤال نفسه مشروع. في بيئة تتداخل فيها الروايات، وتتناقض فيها الشهادات، وتغيب فيها المرجعيات الرسمية، يصبح الوصول إلى الحقيقة أشبه بمحاولة رسم خريطة في مساحة لا تظهر على أي خريطة.
ومع كل خطوة في محاولة التوثيق، يتكشف وجه آخر للفراغ: شاهد لا يذكر التفاصيل بدقة، سجل غير مكتمل، جهة تقول إنها لا تملك معلومات، وأخرى تشير إلى جهة ثالثة. وهكذا تتراجع الحقيقة خطوة بعد خطوة، حتى تصبح أقرب إلى احتمال منها إلى حقيقة يمكن تثبيتها، في هذا المشهد، لا يكون السؤال عن المفقودين وحدهم، بل عن قدرة المجتمع كله على إنتاج معرفة عن نفسه في زمن الحرب. فحين يغيب التوثيق، لا تختفي الأحداث فقط، بل تختفي إمكانية فهمها أيضاً، وهكذا تبدأ القصص من الفراغ… فراغ لا يجيب، لكنه يفرض على الصحافة أن تواصل السؤال، وفي هذا المشهد، تصبح الحقيقة نفسها هدفاً صعب المنال.
إنتهاكات صاحبة الجلالة:
وفي فبراير 2025م ، قالت نقابة الصحفيين السودانيين إن 6 من الصحفيين السودانيين ظلوا في حالة اختفاء قسري لفترات متفاوتة، إلى جانب 7 آخرين يواجهون حالات اعتقال طويل الأمد في العاصمة الخرطوم وسنار وإقليم دارفور. وطالبت النقابة بالإفراج الفوري عنهم.
وتؤكد النقابة التصاعد غير المسبوق في حجم ونوعية الانتهاكات الواقعة على الصحفيين السودانيين واتساع رقعتها الجغرافية، فضلا عن تعدد الجهات المتورطة فيها، وقالت إن ذلك يشير إلى تحوّل الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي إلى أهداف مباشرة في سياق الصراع المندلع في السودان منذ ثلاث سنوات.
ولم تكن بروز هذه الحالات إلا بمثابة ظهور الرأس من جبل الجليد بالنسبة للواقع المتراجع الذي وصلت إليه الصحافة في السودان، وباتت معه ممارسة الصحافة مهمة بالغة الصعوبة. وإزاء ذلك صُنف السودان ضمن المراتب المتأخرة في حرية الصحافة: (151 في العام 2022، ثم 156 في العام 2025).
وفي العام 2025 فقط، قتل (14) صحفيا وعاملا في المجال الإعلامي في السودان ما يعني أن (34) صحفيا قتلوا منذ بدء الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وتعرض (6) صحفيين لحالات إخفاء قسري، و(7) حالات اعتقال طويل الأمد، و(9) حالات اعتقال واحتجاز تعسفي مؤقت، و(4) حالات ملاحقات قضائية، إضافة إلى (8) انتهاكات عابرة للحدود طالت صحفيين في دول اللجوء، و(19) حالة تهديد وخطاب كراهية وحملات تشهير، فضلاً عن (3) قرارات وإجراءات مؤسسية مقيدة للعمل الصحفي.
تعدد الروايات:
فالصحافة، التي يُفترض أن تكون عين المجتمع على الحقيقة، تجد نفسها أمام واقع غير مألوف: لا سجلات يمكن الرجوع إليها، ولا مصادر رسمية يمكن الاعتماد عليها، ولا مسار واضح للتحقق من أي رواية. فقط شهادات متفرقة، وذاكرة مرهقة، وبيانات ناقصة، في مثل هذا السياق، لا يصبح التحدي هو “ماذا حدث؟” فقط، بل “كيف يمكن التأكد مما حدث أصلاً؟
أولاً: انهيار المصدر الأول للمعلومة:
في القضايا التقليدية، يعتمد الصحفي على مؤسسات الدولة: الشرطة، المستشفيات، السجون، والسجل المدني. لكن في حالة السودان، تعرضت هذه المنظومة لاهتزاز واسع بفعل الحرب، بعض المؤسسات توقفت كلياً، وأخرى تعمل جزئياً أو بشكل متقطع، بينما فقدت كثير من السجلات قيمتها التوثيقية بسبب الانقطاع أو التلف أو غياب التحديث، هذا الانهيار يعني أن المصدر الأول للحقيقة لم يعد موجوداً، ما يضع الصحفي أمام فراغ مؤسسي كامل، حيث لا توجد نقطة مرجعية يمكن الانطلاق منها للتحقق
ثانياً: تعدد الروايات وغياب المرجع:
في ظل غياب الدولة كجهة توثيق، تتعدد الروايات حول الحدث الواحد، أسرة تقول إن ابنها اعتُقل عند نقطة تفتيش. شاهد آخر يقول إنه شوهد في مستشفى ميداني. جهة ثالثة تشير إلى احتمال وفاته في منطقة اشتباك. لكن لا توجد وسيلة حاسمة لدمج هذه الروايات أو ترجيح إحداها، هذا التضارب لا يعكس فقط اختلاف وجهات النظر، بل يعكس غياب “مرجع نهائي” يمكن العودة إليه، وهو ما يجعل كل قصة قابلة لإعادة التشكل دون حسم.
ثالثاً: الخوف كعائق أمام الشهادة:
حتى عندما تتوفر الشهادات، فإنها غالباً تأتي محاطة بالخوف، بعض الشهود يتجنبون ذكر تفاصيل دقيقة خوفاً من تبعات أمنية. آخرون يغيرون رواياتهم مع الوقت. وهناك من يرفض الحديث أصلاً، هذا المناخ يضعف قدرة الصحافة على بناء سردية دقيقة، لأن المعلومة نفسها تصبح محكومة بالحذر، لا بالوضوح.
رابعاً: انقطاع الاتصال:
في حالات الاختفاء القسري، غالباً ما تكون اللحظات الأخيرة مرتبطة بانقطاع الاتصال: هاتف مغلق، منطقة بلا شبكة، أو نزوح مفاجئ، هذا الانقطاع يجعل التتبع الزمني شبه مستحيل. فلا توجد سجلات دقيقة للحركة، ولا أنظمة رقمية تربط بين النقاط المختلفة للحياة اليومية، وبذلك تصبح “اللحظة الأخيرة” نفسها غير قابلة للتحديد، ما يعمّق صعوبة التحقيق الصحفي.
خامساً: غياب قواعد البيانات:
من أبرز التحديات البنيوية غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة للمفقودين أو المحتجزين، في الدول التي تواجه نزاعات مماثلة، تُستخدم أنظمة مركزية لتسجيل الحالات وربطها بالمستشفيات والسجون. لكن في السودان، هذا الربط شبه غائب ، النتيجة هي وجود بيانات مجزأة لدى منظمات مختلفة، غير قابلة للتوحيد أو التحقق المتبادل، ما يخلق “خرائط موازية للحقيقة” لا تلتقي في نقطة واحدة.
سادساً: دور الصحفي بين التوثيق والحدود:
في هذا السياق، يتحول دور الصحفي من ناقل للمعلومة إلى باحث في الفراغ نفسه، فهو لا يتعامل فقط مع ما هو موجود، بل مع ما هو مفقود: الوثائق، السجلات، والشهود المؤكدين، وهذا يفرض حدوداً مهنية دقيقة، عدم تحويل الشك إلى حقيقة، عدم اعتماد رواية واحدة دون تحقق، التعامل مع المعلومات بوصفها احتمالات لا يقيناً، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل القصة، لأن الصمت نفسه يصبح جزءاً من الحدث.
سابعاً: المنظمات الحقوقية:
في ظل غياب الدولة، تلعب المنظمات الحقوقية دوراً مهماً في جمع الشهادات وتوثيق الحالات، لكن هذه الجهود تواجه قيوداً واضحة: محدودية الوصول، نقص الموارد، والخوف من المصادر، كما أن اعتمادها على عينات جزئية يجعل الصورة النهائية غير مكتملة، رغم أهميتها في فهم الاتجاهات العامة.
ثامناً: أخلاقيات التوثيق:
التعامل مع ملف الاختفاء القسري يطرح تحديات أخلاقية معقدة على الصحافة، نشر معلومة غير مؤكدة قد يرفع أمل أسرة أو يضاعف ألمها. وإخفاء المعلومة قد يعني تجاهل معاناة حقيقية، بين هذين الحدّين، تتحرك الصحافة في منطقة حساسة تتطلب توازناً دقيقاً بين الحق في المعرفة والمسؤولية الإنسانية.
الحقيقة التي تُكتب بالغياب:
لا تواجه الصحافة فقط صعوبة الوصول إلى الحقيقة، بل تواجه صعوبة تعريف الحقيقة نفسها، فالاختفاء القسري ليس مجرد حدث ينتهي عند نقطة معينة، بل هو سلسلة من الانقطاعات: في الاتصال، في السجل، في الشهادة، وفي القدرة على التحقق، ومع كل انقطاع، يتوسع الفراغ أكثر، وتصبح الصحافة شاهدة على غياب لا يقل أهمية عن الحضور، وفي نهاية هذا المسار، لا تبدو مهمة الصحافة هي فقط “كشف ما حدث”، بل أيضاً توثيق ما لم يعد قابلاً للكشف، ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الصحفيين والأسر معاً.(يتبع)

