الأربعاء, أغسطس 19, 2026
تقاريرسياسة

المفقودون يختبرون عدالة انتقالية لم تولد بعد (31)

كتب: حسين سعد

تمثل قضية المفقودين في السودان واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في مسار العدالة الانتقالية، إذ لا تزال آلاف الأسر تبحث عن مصير أبنائها الذين اختفوا خلال عقود من الحروب والنزاعات المسلحة، من جنوب السودان ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، مروراً بثورة ديسمبر 2018، ووصولاً إلى الحرب الحالية ، ويؤكد حقوقيون أن هذا الملف لم يعد مجرد قضية إنسانية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة السودانية على تحقيق العدالة وكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، في ظل غياب آليات رسمية فعّالة للتوثيق والتحقيق، شهد السودان عبر تاريخه السياسي حالات متكررة من الاختفاء القسري، ارتبطت بفترات الحكم العسكري والنزاعات المسلحة، حيث جرى اعتقال ناشطين وسياسيين ومدنيين دون إعلان أماكن احتجازهم أو تمكين أسرهم من التواصل معهم، وخلال فترة نظام الإنقاذ، استُخدم الاختفاء القسري كأداة لقمع المعارضين، ولا تزال مصائر عدد من الشخصيات والنشطاء مجهولة حتى اليوم، إلى جانب عشرات الحالات التي لم يُعلن عنها رسمياً، واستمرت الظاهرة بأشكال مختلفة في المراحل اللاحقة، خصوصاً بعد ثورة ديسمبر 2018، حيث أعادت أحداث جريمة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019 ملف المفقودين إلى الواجهة، مع تسجيل حالات اختفاء لمتظاهرين لم يُعرف مصيرهم حتى الآن، كما ظهرت حالات جديدة بعد انقلاب أكتوبر 2021، طالت ناشطين ومعارضين سياسيين في ظل استمرار التوترات الأمنية والسياسية.

من الثورة إلى الحرب:
لم تبدأ مأساة المفقودين مع حرب أبريل 2023، لكنها بلغت في ظلها ذروتها واتساعها. فقد أدت حالة الانهيار الأمني، وانقطاع الاتصالات، والنزوح الجماعي إلى جعل تتبع المفقودين مهمة شبه مستحيلة، وتشير تقديرات حقوقية إلى تزايد أعداد المفقودين يومياً، دون وجود رقم رسمي دقيق، في ظل غياب قاعدة بيانات وطنية أو آلية توثيق حكومية فاعلة. وغالباً ما تفقد الأسر الاتصال بأبنائها أثناء النزوح أو عند نقاط التفتيش أو خلال العمليات العس كرية في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان، و مع اندلاع ثورة ديسمبر 2018، ظن كثيرون أن صفحة الانتهاكات بدأت تُطوى، لكن جريمة فضّ اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019 أعاد ملف المفقودين إلى الواجهة بصورة أكثر إيلاماً، فقد وثقت تقارير حقوقية اختفاء عشرات الشباب الذين شاركوا في الاعتصام، شوهد بعضهم آخر مرة داخل محيط القيادة العامة قبل أن تنقطع أخبارهم تماماً، دون أن تحصل أسرهم على إجابات رسمية حتى اليوم، يقول خبراء إن ملف المفقودين يمثل أحد أهم أعمدة العدالة الانتقالية، لأنه يرتبط مباشرة بالحق في معرفة الحقيقة، وهو حق مكفول بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006.

وأضافوا أن استمرار غياب التحقيق والمساءلة قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية إذا ثبت الطابع المنهجي للاختفاء القسري، مشيراً إلى أن الدولة السودانية لم تنجح في إنشاء آلية حقيقية لكشف مصير المفقودين، ويُعتبر غياب قاعدة بيانات وطنية موثقة أحد أبرز العقبات أمام كشف الحقيقة، فسجلات المستشفيات والمراكز الأمنية غير مكتملة أو غير متاحة، وكذلك غياب التوثيق الرسمي لأعداد المفقودين، وصعوبة بناء أي مسار قضائي أو تعويضي مستقبلي، ويُقدّر أن آلاف المدنيين الذين اختفوا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 لم يُسجلوا في أي قاعدة بيانات رسمية، تعاني المؤسسات الحكومية المختصة من ضعف واضح في الموارد والإرادة والكفاءة، مع غياب هيئة وطنية مستقلة للتحقيق في الاختفاء القسري..

كما أن ثقافة الإفلات من العقاب تمثل أحد أبرز العوائق، إذ لم تتم محاسبة أي جهة على حالات الاختفاء في النزاعات السابقة أو الحالية، ما يعزز تكرار الانتهاكات ويعمّق فقدان الثقة، لعبت منظمات المجتمع المدني دوراً محورياً في توثيق شهادات الأسر، ورصد حالات الاختفاء القسري، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، ورفع تقارير للمنظمات الدولية، لكن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة أبرزها انعدام الأمن وضعف التمويل وصعوبة الوصول للمناطق المتضررة..

الإطار القانوني الدولي:
يصنف القانون الدولي الاختفاء القسري كجريمة ضد الإنسانية إذا ارتكب بشكل واسع أو منهجي، وبحسب اتفاقية الأمم المتحدة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006)، تلتزم الدول بالتحقيق والكشف عن مصير المفقودين. ورغم توقيع السودان على الاتفاقية عام 2021، إلا أنه لم ينجز بعد إطاراً قانونياً وطنياً فعالاً لتنفيذ التزاماته.

كما تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً محورياً في التوثيق، عبر مبادرات وشبكات مثل حملات “المفقودين” و”وديّتوهم وين”، إلى جانب جهود المركز الأفريقي للعدالة ودراسات السلام والمجموعة السودانية لضحايا الاختفاء القسري، لكن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة، أبرزها انهيار النظام القضائي، ضعف التمويل، وانعدام التنسيق مع الدولة، ويعتبر غياب قاعدة بيانات وطنية موثقة أحد أبرز العقبات التي تحول دون الوصول إلى الحقيقة، فسجلات المستشفيات والمراكز الأمنية غالباً غير مكتملة أو غير متاحة/ غياب توثيق رسمي يجعل من الصعب تحديد أعداد المفقودين بدقة، سواء في النزاعات المسلحة أو في الحركات الاحتجاجية.

هذا الفراغ يعمّق الألم النفسي للأسر ويجعل أي تحقيق قانوني مستقبلي صعب التنفيذ مثلاً، آلاف المدنيين الذين اختفوا في دارفور أو الخرطوم منذ أبريل 2023 لم يسجلوا في أي قاعدة بيانات رسمية، مما يحرم ذويهم من أي حقوق قانونية أساسية، مثل التعويض أو الوصول إلى المعلومات حول مصير أحبائهم، كذلك لا توجد هيئة وطنية مستقلة للتحقيق في حالات الاختفاء القسري، بجانب نقص الكوادر المؤهلة والخبرات القانونية لإدارة ملفات المفقودين، وتوقف بعض المؤسسات عن العمل في مناطق النزاع بسبب انهيار الأمن أو النزاعات المستمرة، هذا الضعف يجعل أي جهود رسمية لمعرفة مصير المفقودين أو محاسبة المسؤولين شبه مستحيلة

وقال المحامي معز حضرة في حديثه مع مدنية نيوز أن معالجة ملف المفقودين لا يقتصر على الجانب الإنساني فحسب، بل يمثل أحد ركائز العدالة الانتقالية، إذ يرتبط مباشرة بحق الأسر في معرفة الحقيقة، والبحث عن ذويهم المفقودين، وضمان عدم إفلات الجناة من المساءلة، ومعرفة أماكن المفقودين وجثامينهم وأين دفنوا واين ارتكبت الجرائم وأضاف المحامي حضرة ان اليات العدالة جزء من عملها هو كشف الجرائم والملابسات والاعتراف بالجرائم التي إرتكبت بحق المدنيين والقصد من ذلك ازالة الغبن والاحزان من خلال معرفة الحقيقة ومعرفة اماكن المفقودين وهل هم احياء ام تم قتلهم أم تم ترحيلهم لاماكن أخرى. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *