اقتصاد السودان.. انهيار الجنيه وتآكل الدولة (1-2)
تحليل: حسين سعد
الاقتصاد السوداني لا يعاني من التضخم وتراجع سعر الصرف واختلال الأسواق فقط، بل أصبح أحد أبرز ميادين الحرب نفسها التي لم تدمر المنشآت وتعطل التجارة وتتسبب في النزوح الواسع فقط، وإنما ضربت الأساس الذي يقوم عليه أي اقتصاد: الإنتاج والدخل والأسواق والثقة وقدرة الدولة على إدارة الموارد.
وفي أحدث مؤشر على عمق الأزمة، واصل الجنيه السوداني تراجعه أمام الدولار، ليصل سعر الدولار في السوق إلى نحو 6600 جنيه، بعد أن كان يدور حول 6400 جنيه في وقت سابق. ولا تكمن خطورة الرقم في مستواه فقط، وإنما في سرعة الانحدار وما يعكسه من اتساع حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العملة والاقتصاد.
وبالتزامن مع ذلك، ارتفع التضخم السنوي إلى 51.28% في يونيو 2026، مقارنة بـ44.50% في مايو، بما يكشف تسارع الضغوط السعرية وتآكل القوة الشرائية.
لكن اختزال هذه الأرقام في أزمة نقدية سيكون قراءة ناقصة؛ فالمشكلة ليست أن الجنيه انهار فقط، وإنما أن القاعدة الاقتصادية التي تمنحه قيمته تعرضت هي الأخرى للانهيار.
أعادت الحرب تشكيل الاقتصاد السوداني على أساس جغرافي وعسكري. انقسمت الأسواق، ودُمرت أو نُهبت مشاريع زراعية وتعطلت عن الإنتاج، وتراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على العمل بصورة موحدة، وأصبحت حركة السلع والأموال مرتبطة بدرجة كبيرة بموازين السيطرة الأمنية والعسكرية.
لذلك أصبح سعر الصرف أكثر من مجرد نتيجة للسياسة النقدية؛ فهو يعكس شح العملات الأجنبية، وتراجع الصادرات، وتزايد الطلب على الدولار باعتباره وسيلة لحفظ القيمة في مواجهة التآكل المستمر للجنيه.
والمعادلة واضحة:
إنتاج أقل و صادرات أقل نقد أجنبي أقل وطلب أكبر على الدولار مقابل جنيه أضعف وأسعار أعلى.
فكلما طال أمد الحرب، تراجعت قدرة السودان على إنتاج الدولار، بينما ازدادت حاجته إليه لاستيراد الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج. فالزراعة تتراجع، والصناعة تتعطل، والتجارة تواجه مخاطر النقل والتمويل، والاستثمار ينكمش.
وهكذا لا يصبح انهيار العملة نتيجة للأزمة فقط، بل يتحول أيضاً إلى عامل يعمقها.
هبوط الجنيه إلى مستويات قياسية يعني عملياً أن المدخرات والأجور والدخول المحلية فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية. وينتقل انهيار العملة بذلك من شاشة سوق الصرف إلى حياة المواطن مباشرة.
التاجر الذي يستورد سلعة بالدولار يعيد تسعيرها وفق تكلفة الاستيراد الجديدة، بينما يواجه المنتج المحلي ارتفاع أسعار الوقود والنقل والطاقة والمواد الخام وقطع الغيار. وحتى السلع المنتجة محلياً ليست بمنأى عن أزمة العملة، لأن جزءاً من مدخلات إنتاجها مرتبط بالنقد الأجنبي.
وهكذا يتحول انخفاض الجنيه إلى ضريبة غير معلنة يدفعها المواطن، خصوصاً أصحاب الدخول الثابتة، من دون أن تقابله زيادة موازية في الأجور.
ويكشف التضخم حجم المشكلة بصورة أكبر. فإذا كان أكثر من نصف إنفاق الأسرة السودانية يذهب إلى الغذاء والمشروبات، فإن ارتفاع أسعار الغذاء لا يمثل مجرد زيادة في بند من بنود الإنفاق، بل ضربة مباشرة إلى الجزء الأكبر من ميزانية الأسرة.
وتوضح نشرة خاصة بالأسعار اطلعت عليها بتاريخ 31 أغسطس 2026 ذلك بصورة أكثر مباشرة: نحو 6 آلاف جنيه لكيلو العدس، و9–10 آلاف للأرز، و14 ألفاً للتر الزيت، و8 آلاف للبطاطس، و60 ألفاً لكيلو لحم الضأن، و40 ألفاً للعجالي، فيما تبلغ تعبئة أسطوانة الغاز نحو 80 ألف جنيه.
هذه ليست مجرد قائمة أسعار، وإنما صورة مصغرة لتآكل الدخل الحقيقي للأسرة السودانية. ومع استمرار ارتفاع الغذاء والطاقة والنقل، تضطر الأسر إلى تقليل الطعام، وتأجيل العلاج، وتقليص الإنفاق على التعليم، والتخلي عن الاحتياجات غير الأساسية، أو اللجوء إلى الديون والمساعدات والتحويلات.
وهنا يتحول التضخم من مؤشر اقتصادي إلى آلية لإعادة إنتاج الفقر.
الإنتاج هو الحلقة المفقودة
من الخطأ اختزال انهيار الجنيه في نشاط السوق الموازية أو المضاربة على الدولار. فالسوق الموازية، في جانب كبير منها، هي نتيجة لأزمة أعمق: اقتصاد لا ينتج ما يكفي من السلع ولا يولد ما يكفي من النقد الأجنبي.
لقد أخرجت الحرب مساحات واسعة من الزراعة والصناعة من دائرة الإنتاج المنتظم، وعطلت النقل والأسواق، وأضعفت قدرة المنتجين على الوصول إلى المدخلات والتمويل والأسواق.
فمعالجة أزمة النقد الأجنبي لا يمكن أن تقوم على ملاحقة السوق فقط، وإنما تحتاج إلى توسيع القاعدة الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات.
لكن المفارقة الكبرى هي: كيف يمكن زيادة الإنتاج بينما الحرب تدمر شروط الإنتاج نفسها؟
فالمنتج يحتاج إلى الأمن والمياه والري والتمويل والطاقة والمدخلات وطرق النقل والأسواق، وهي جميعاً عناصر تعرضت للاضطراب بدرجات مختلفة بفعل الحرب.
ولذلك فإن معالجة أزمة الدولار تبدأ في نهاية المطاف من الحقول والمصانع والموانئ والأسواق، وليس من سوق الصرف وحده.
تتجسد خطورة انهيار الإنتاج الزراعي بصورة صارخة في مشروع الجزيرة، الذي لا يمثل مجرد نشاط زراعي، بل جزءاً من البنية الاقتصادية والغذائية والاجتماعية للسودان.
فتعطل الإنتاج بسبب الحرب والنهب والدمار ومشكلات الري والتمويل والمدخلات يعني فقدان إنتاج كان يمكن أن يساهم في الغذاء والدخل والتشغيل وتوليد النقد الأجنبي. وإذا أضيف إلى ذلك خطر أزمة المياه وعطش المشروع، فإن التداعيات قد تتجاوز موسماً زراعياً واحداً إلى الأمن الغذائي وقدرة السودان على استعادة اقتصاده بعد الحرب.
الدولة التي تعاني من شح الدولار تحتاج إلى زيادة صادراتها الزراعية، لكنها لا تستطيع تحقيق ذلك من دون مياه وري وتمويل ومدخلات وأمن وطرق وأسواق.
وهنا يصبح مشروع الجزيرة مثالاً مكثفاً على المأزق السوداني: الاقتصاد يحتاج إلى الإنتاج للخروج من الأزمة، بينما الحرب تعطل الشروط اللازمة للإنتاج.
الضرائب والجبايات.. اقتصاد يدفع ثمن الحرب
في المقابل، تواجه التجارة ضغوطاً إضافية بسبب الضرائب والرسوم والجبايات. وتكشف احتجاجات وإضرابات التجار في بعض الولايات، مثل عطبرة بولاية نهر النيل والدويم بولاية النيل الأبيض، عن سؤال يتجاوز العلاقة بين التجار والسلطات:
كيف تمول الدولة نفسها في اقتصاد حرب تتراجع فيه القاعدة الإنتاجية؟
عندما تنخفض الإيرادات الطبيعية وتتوقف قطاعات واسعة من الاقتصاد، قد تلجأ السلطات إلى زيادة التحصيل من القطاعات التي لا تزال تعمل. لكن زيادة الضرائب والجبايات في اقتصاد منهك قد تنتج أثراً عكسياً؛ فالتاجر ينقل جزءاً من التكلفة إلى المستهلك، فترتفع الأسعار وتتراجع القدرة الشرائية، وينخفض الطلب والمبيعات، وقد تتوقف بعض الأنشطة أو تنتقل إلى الاقتصاد غير الرسمي.
وهكذا تدخل الدولة في حلقة خطرة:
إيرادات أقل وجبايات أعلى تكلفة تجارة أكبر و أسعار أعلى طلب أقل و نشاط تجاري أضعف و قاعدة ضريبية أصغر.
وبذلك قد تتحول السياسة المالية من أداة لدعم الاقتصاد إلى جباية من اقتصاد يتقلص باستمرار.
فالجنيه السوداني لا يواجه أزمة سعر صرف منفصلة عن بقية أزماته، وإنما أزمة اقتصادية تتغذى من الحرب وتعيد بدورها إنتاج آثارها.
انهيار الجنيه، التضخم، تآكل القوة الشرائية، ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، تراجع الإنتاج، اضطراب التجارة، وتزايد الجبايات، ليست أزمات منفصلة؛ إنها حلقات في سلسلة واحدة.
لكن الوجه الأخطر للأزمة لم يظهر بالكامل بعد.
خلف انهيار الجنيه توجد معركة أكبر حول النقد الأجنبي والذهب وحصائل الصادرات وتجارة العملة، وحول قدرة الدولة نفسها على السيطرة على موارد الاقتصاد وإدارة السوق.
ومع استمرار الحرب، لا يتراجع الاقتصاد المنتج فقط، بل يتسع أيضاً اقتصاد موازٍ ترتبط فيه شبكات التجارة والمصالح بصورة متزايدة بالواقع العسكري للحرب.
وهنا ينتقل السؤال من:
لماذا انهار الجنيه؟
إلى سؤال أكثر خطورة:
من يملك الاقتصاد السوداني في زمن الحرب؟ ومن يسيطر على موارده؟ ومن يدفع ثمن استمرار هذا الانهيار؟
هذه هي الأسئلة التي تقود إلى الحلقة الثانية، حيث ننتقل من تشخيص انهيار العملة وارتفاع الأسعار إلى تفكيك اقتصاد الحرب نفسه، ودور الذهب والسوق الموازية، وأزمة الدولة، واختلال سعر الصرف، وصولاً إلى الثمن الاقتصادي والسياسي لغياب التسوية.

