الإثنين, أغسطس 31, 2026
اقتصادتقارير

العطش يلتهم زراعة الجزيرة.. تمويل متعثر وإدارة متدهورة (1-2)

تقرير: حسين سعد

مع الشهور الاولى للعروة الصيفية لمحصولات الذرة والقطن واتلفول السوداني بجانب الخضروات والطماطم والعدسية والكسبرة في مشروع الجزيرة والمناقل، تمددت أزمة خانقة في مياه ري المحصولات الزراعية حيث نشطت صفحات المزارعيين في الفيس في نشر صور وكتابة مناشدات عاجلة للتدخل وعندما استنطقت بعض المزارعيين اشتكوا بمرارة من خسارتهم الماوقعة للموسم الصيف الزراعي الذي ، لا تبدو أزمته مجرد مشكلة فنية تتعلق بانخفاض مناسيب المياه أو تأخر رية هنا أو انسداد قناة هناك؛ فالمسألة تمس جوهر العلاقة بين المزارع والأرض والمؤسسة التي يفترض أن توفر شروط الإنتاج وتحمي حق المزارعين في الزراعة.

فالماء في مشروع الجزيرة ليس خدمة إضافية يمكن الاستغناء عنها، وإنما هو شريان الحياة الزراعية، وغيابه أو تأخره يعني بصورة مباشرة تهديد محصول المزارع ودخله ومدخراته، وربما قدرته على الاستمرار في الزراعة خلال المواسم المقبلة.
وبينما تعلن إدارة المشروع استهداف زراعة نحو 1.2 مليون فدان في العروة الصيفية للموسم الزراعي 2026–2027، تتوالى شكاوى المزارعين من نقص مياه الري وتدهور الترع والقنوات وضعف عمليات التطهير والصيانة، في وقت يتحمل فيه المنتجون تكاليف مرتفعة للتحضير والمدخلات والوقود.
نا لا يعود السؤال: هل توجد مياه كافية فحسب؟ وإنما: هل تعمل منظومة الري التي يفترض أن توصل المياه إلى الحواشات؟ ومن يتحمل مسؤولية تعثرها عندما تفشل في أداء مهمتها؟
فالمزارع يستطيع أن يزرع، وأن ينفق من مدخراته، وأن يتحمل مخاطر السوق والحرب وارتفاع تكلفة الإنتاج، لكنه لا يستطيع بمفرده إدارة شبكة ري تمتد عبر مشروع بهذا الحجم.

1.2 مليون فدان في الخطة الرسمية:
وكان محافظ مشروع الجزيرة، المهندس إبراهيم مصطفى علي، أعلن استهداف مساحة تبلغ نحو 1.2 مليون فدان لزراعة محاصيل العروة الصيفية للموسم الزراعي 2026–2027، تشمل القطن والذرة والفول السوداني وفول الصويا والخضروات.
وبحسب المعلومات المعلنة، جرى الحديث عن توفير نحو 50 ألف طن من مدخلات الإنتاج عبر البنك الزراعي وبنك المزارع، إلى جانب توفير 200 ألف جالون من الجازولين، ورصد نحو 48 مليار جنيه لتأهيل منظومة الري.
كما تجري مساعٍ لتمويل زراعة نحو 100 ألف فدان بالقطن عبر دخول شركات ومصرف المزارع.
غير أن حجم الاستهداف الرسمي يضع منظومة الري أمام اختبار حقيقي؛ فزيادة المساحات المزروعة لا يمكن أن تتحول إلى إنتاج فعلي إذا لم تصل المياه إلى الحقول في الوقت المناسب وبالكميات المطلوبة.
فالزراعة لا تبدأ عند إعلان المساحات المستهدفة، ولا عند توفير المدخلات، وإنما عندما تصل المياه إلى الحقل.

نقص المياه يهدد المحاصيل
وقال المزارع والناطق الرسمي باسم تحالف المزارعين، عابدين برقاوي، إن هناك نقصاً في مياه ري المحاصيل الزراعية بالعروة الصيفية، خصوصاً الذرة والقطن والفول السوداني.
وأوضح برقاوي أن المشكلة لا ترتبط فقط بكمية المياه المتوفرة، وإنما تمتد إلى حالة شبكة الري، مشيراً إلى عدم تنفيذ عمليات كافية لتطهير ونظافة الترع، الأمر الذي يؤثر على انسياب المياه ووصولها إلى الأراضي الزراعية.
ويرى برقاوي أن استمرار نقص المياه في هذه المرحلة يهدد المحاصيل ويضع المزارعين أمام احتمال تكبد خسائر كبيرة، بعد أن أنفقوا مبالغ مرتفعة على التحضير والزراعة والمدخلات.

من 10 آلاف فدان إلى 4 آلاف
ويضرب برقاوي مثالاً على حجم التراجع الزراعي بما يحدث في مكتب استرحنا بتفتيش ود حبوبة، قائلاً إن المكتب كان يزرع في السابق أكثر من 10 آلاف فدان خلال العروة الصيفية.
لكن المساحة المزروعة حالياً، وفق إفادته، لا تتجاوز نحو 4 آلاف فدان، أي أقل من نصف المساحة التي كانت تزرع في السابق.
ولا تتوقف المشكلة عند تقلص المساحة؛ فالأراضي التي تمكن المزارعون من زراعتها تواجه بدورها خطر العطش، ما يعني أن المزارع يجد نفسه أمام خسارتين محتملتين: تقلص المساحة من جهة، وتهديد المحصول المزروع من جهة أخرى.
ويعكس ذلك، بحسب المزارعين، حجم الضغوط التي تواجه الزراعة في المشروع، بدءاً من تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصولاً إلى مشكلات الري وتدهور البنية التحتية وتعثر التمويل.

الاستثمار في الأرض:
ولا يرى المزارع عبد الحليم خالد، بترعة الخلفي بالقسم الشمالي، أن أزمة الموسم يمكن فصلها عن مجمل حالة الإهمال التي يقول إنها تضرب المشروع.
ويقول خالد إن من المؤسف أن يواجه مشروع قومي مثل مشروع الجزيرة هذا القدر من الإهمال، بينما يضع المزارع «كل مدخراته في الأرض»، ثم يجد نفسه أمام عدم التحضير الكافي، وعدم تطهير قنوات الري، إلى جانب تعثر التمويل.
ويشير إلى أن البنك الزراعي، الجهة المنوط بها تمويل المزارعين، «عجز عجزاً تاماً» عن توفير التمويل في الوقت المناسب، موضحاً أن المزارعين تقدموا بأوراقهم ومستنداتهم منذ نحو ثلاثة أشهر دون الحصول على التمويل حتى الآن.
ويقول إن المزارعين، كلما استفسروا عن أسباب التأخير، يتلقون رداً بأن المدخلات موجودة في بورتسودان وتنتظر الترحيل.
وينتقد خالد ما يصفه بغياب الشفافية في التعامل مع ملف التمويل، قائلاً إن البنك الزراعي «فشل ولا يريد أن يعترف بفشله»، ومعبراً عن مخاوفه من أن يدفع المزارعون ثمن هذا التعثر.
وتكشف إفادته أن أزمة الموسم لا تقف عند حدود المياه؛ فالمزارع قد يتمكن من الوصول إلى الأرض وزراعتها، لكنه يظل رهيناً لتمويل ومدخلات وخدمات لا يملك السيطرة عليها.

غياب التمويل وضعف الادارة:
وبدوره يضع الأستاذ حسن محمد الحسن، المزارع بترعة المحريبا بتفتيش المعيلق، أزمة المشروع في إطار أوسع، معتبراً أن المشكلة «إدارية بالمقام الأول»، إلى جانب ما وصفه بوجود فساد في مؤسسات المشروع.
ويشير الحسن إلى ما يعتبره مثالاً على المشكلات الإدارية داخل مؤسسات المشروع، مستشهداً بشركة الأقطان، قائلاً إن آخر مدير معين غادر منصبه بعد أن علم، بحسب إفادته، بما فيها.
وعلى مستوى الري، يتحدث الحسن عن وجود «مياجر غير مؤهلة لنقل المياه»، وقنوات لم يتم تطهيرها، فضلاً عن ضعف كفاءة «أبو عشرينات» في توصيل المياه إلى الحقول.
ويقول إن غياب التمويل دفع المزارعين إلى الاعتماد على إمكاناتهم الخاصة في الزراعة، بينما فضّل غالبية المزارعين عدم الزراعة تحسباً للمخاطرة والخسائر.
وهنا تتقاطع أزمات الري والتمويل والإدارة؛ فالمزارع الذي يخشى ألا تصل المياه إلى حقله، أو ألا يحصل على التمويل في الوقت المناسب، قد يجد أن عدم الزراعة أقل مخاطرة من استثمار ما يملك في محصول مهدد بالعطش.

ترع تختنق بالطمي والحشائش
وفي قسم أبوقوتة الزراعي، قسم عمليات الري عبد الماجد 34، مكتب بجيجة 46، تتكرر الشكوى من حالة الترع والقنوات.
ففي ترعة فريتقة عند قنطرة عجور بالكيلو 46، يقول مزارعون إن تراكم الطمي والحشائش يعيق انسياب مياه الري ووصولها إلى الحواشات.
ووجهت دعوات إلى روابط المزارعين للتكاتف من أجل معالجة المشكلة وإزالة العوائق، في محاولة لإنقاذ المحاصيل من آثار العطش.
لكن مشاركة المزارعين في إزالة الاختناقات تطرح سؤالاً أكبر: إلى أي مدى يمكن أن يتحول جهد المنتجين إلى بديل عن مسؤولية المؤسسة التي يفترض أن تتولى صيانة شبكة الري؟
فالترع والقنوات ليست منشآت هامشية، وإنما هي شرايين المشروع، وأي انسداد أو تراكم للرواسب والحشائش يمكن أن ينعكس مباشرة على وصول المياه، خصوصاً إلى الأراضي الواقعة في نهايات الترع.

الماء الذي يدفع المزارع ثمنه مرتين
وفي ترعة المحريبا بمكتب المعيلق، يروي المزارع أمام الطيب أمام جانباً آخر من الأزمة، قائلاً إن بعض المزارعين اضطروا إلى ري محصول البصل باستخدام طلمبات مستأجرة بسبب صعوبة وصول المياه عبر شبكة الري.
وبالنسبة للمزارعين، لا تمثل هذه المعالجة حلاً مستداماً، إذ تضيف تكلفة جديدة إلى العملية الزراعية، في وقت يعاني فيه المنتجون أصلاً من ارتفاع تكلفة المدخلات والوقود وتراجع فرص الحصول على التمويل.
وهكذا يصبح المزارع مطالباً بدفع تكلفة الزراعة، ثم دفع تكلفة إضافية للحصول على المياه التي يفترض أن تصل إليه عبر شبكة الري العامة.

أزمة تتجاوز الموسم
لا تتعلق أزمة الري في مشروع الجزيرة بالموسم الزراعي الحالي وحده، ولا بخسائر محصول بعينه؛ فهي ترتبط باستمرار قدرة المشروع على أداء دوره الاقتصادي والاجتماعي في ظل الحرب وتراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف المعيشة.
فالمزارع الذي يخسر محصوله بسبب العطش لا يخسر إنتاج موسم واحد فقط، وإنما قد يفقد مدخراته ويعجز عن سداد التزاماته، وقد يدخل الموسم التالي وهو أكثر فقراً وأقل قدرة على الاستثمار في الأرض.
وبالنسبة إلى السودان، فإن تراجع إنتاج الذرة والفول السوداني والقطن وغيرها من المحاصيل لا يعني خسارة للمزارعين وحدهم، بل يضغط على الأسواق والأمن الغذائي وفرص العمل ودخل الأسر.

السؤال الذي لا تستطيع الأرض الإجابة عنه
في مشروع الجزيرة، تبدو الأرض مستعدة لاستقبال البذور، والمزارع مستعداً لتحمل المخاطر، لكن الحلقة الأهم في العملية الزراعية تظل خارج سيطرة المنتج: المياه.
وكلما تأخرت المياه، اتسعت الفجوة بين الخطط الرسمية وواقع الحقول، وبين ما يُعلن من مساحات مستهدفة وما يستطيع المزارعون فعلياً زراعته وإنقاذه.
لكن أزمة المياه، كما تكشف إفادات المزارعين، ليست منفصلة عن التمويل ولا عن حالة الإدارة ولا عن وضع البنية التحتية. إنها أزمة تتداخل فيها مسؤوليات مؤسسات متعددة، بينما يتحمل المزارع النتيجة النهائية.
ومن هنا يبدأ السؤال الأصعب: إذا كان المزارع ليس مسؤولاً عن إدارة شبكة الري، فمن يتحمل مسؤولية وصول المياه؟ ومن يفسر تدهور الترع وتأخر التمويل وتراجع المساحات المزروعة؟
إنها أسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الحواشات العطشى، ولا المزارعون وحدهم.
وفي الحلقة الثانية، تنتقل القضية من العطش الذي يراه المزارع في حقله إلى المسؤولية التي يفترض أن تتحملها المؤسسات: من يدير المشروع؟ من يصون شبكة الري؟ أين تذهب مخصصات التأهيل؟ وما الذي يمكن فعله لإنقاذ الموسم الصيفي والاستعداد للشتوي قبل فوات الأوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *