أمبرو.. أطفال على حافة الموت والجوع يطارد النازحين
كتب: حسين سعد
في أقصى شمال غرب دارفور، حيث كان الناس يزرعون الأرض ويرعون الماشية ويقتسمون شحيح الماء في سنوات الجفاف، باتت الحياة اليومية معركة مفتوحة من أجل البقاء. هناك، لا يواجه الأطفال الجوع وحده، ولا تخشى الأمهات على صغارهن من القصف والنزوح فحسب، بل يواجهن أيضاً عجزاً متزايداً عن توفير الغذاء والدواء والمأوى، في منطقة أنهكتها الحرب وأثقلها الجفاف وغابت عنها المساعدات الإنسانية لأشهر طويلة. في محلية أمبرو، لم يعد السؤال كيف ستعيش الأسر غداً، بل كيف ستعبر هذا اليوم دون أن تفقد طفلاً أو مسناً أو مريضاً.
خلف هذه المعاناة، تكشف الأرقام وجهاً أكثر قسوة للأزمة الإنسانية. فتقرير صادر عن مجلس تنسيق غرف طوارئ محلية أمبرو، في أكتوبر 2026، يرسم صورة قاتمة لأوضاع مئات الآلاف من السكان، في ظل استمرار النزاع المسلح وفشل الموسم الزراعي والانقطاع شبه الكامل للمساعدات الإنسانية الدولية منذ مارس الماضي.
مواجهة الجوع بأجساد هزيلة:
أخطر ما يكشفه التقرير هو الوضع التغذوي للأطفال؛ إذ يعاني 53% من الأطفال دون سن الخامسة في المحلية سوء التغذية الحاد، بينهم 18% في حالات وخيمة تهدد حياتهم. وهي أرقام تتجاوز حدود الأزمة الغذائية المعتادة، لتضع حياة آلاف الأطفال أمام خطر حقيقي، في منطقة تعاني نقصاً حاداً في الخدمات الصحية والإمدادات الغذائية.
وعندما ينهك الجوع أجساد الأطفال الصغيرة، تصبح أبسط الأمراض تهديداً مضاعفاً لحياتهم، خصوصاً حين تغيب مراكز العلاج والأدوية والفحوصات الضرورية. ويزداد الخطر على الأطفال الذين يعيشون مع أسرهم في العراء، بعيداً عن الخدمات الصحية، فيما تكافح الأمهات لتوفير ما يسد الرمق وسط ظروف تفوق قدرتهن على الاحتمال.
ويشير التقرير إلى أن المسح التغذوي الذي أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» في ديسمبر 2025 رصد هذه المعدلات المرتفعة، قبل أن تتفاقم الأوضاع بفعل القتال والنزوح وتراجع فرص الحصول على الغذاء. كما أشار إلى أن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي حذر في فبراير 2026 من تجاوز أمبرو عتبة المجاعة في سوء التغذية الحاد، بينما تضع تقديرات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بعض السكان ضمن المرحلة الخامسة، وهي مرحلة الكارثة.
حياة معلقة تحت الأشجار:
لم يعد النزوح في أمبرو مجرد رحلة فرار من الرصاص، بل تحول إلى بداية معاناة جديدة، حيث يترك الناس منازلهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة الجوع والعطش والمرض والبرد.
ووفقاً لحصر مجلس التنسيق، نزحت حديثاً 6,237 أسرة تضم 36,347 شخصاً، بينهم 21,152 طفلاً، ويتوزع هؤلاء على 11 موقعاً شمال المحلية. ويعيش كثير منهم في الأودية وتحت الأشجار وفي كهوف الجبال، دون مأوى ملائم أو ضمانات للحصول على الغذاء والمياه النظيفة.
وراء كل رقم قصة أسرة اضطرت إلى مغادرة منزلها، وأم تحمل أطفالها بحثاً عن مكان أكثر أمناً، وأب يحاول حماية أسرته بعدما فقد مصدر دخله وأرضه وماشيته. ومع اتساع رقعة النزوح، تتقلص المساحات الآمنة وتزداد المنافسة على الموارد الشحيحة، فيما يصبح الوصول إلى المحتاجين أكثر صعوبة.
ولم تقتصر حركة الفرار على داخل السودان؛ فقد دفعت موجات العنف المتعاقبة أعداداً من السكان نحو تشاد المجاورة. ووثق التقرير موجات نزوح متكررة عبر الحدود، بينها موجة شهدت فرار 765 شخصاً في يوم واحد، في الثاني من أكتوبر الجاري، بحسب البيانات الواردة فيه.
وهكذا، يجد المدنيون أنفسهم عالقين بين حرب لا يعرفون متى تنتهي، وطرق نزوح محفوفة بالمخاطر، واحتياجات يومية لا تتوقف عند عبور الحدود، بل تبدأ أحياناً من جديد في أماكن اللجوء.
الحرب تطارد الناس حتى في ملاجئهم:
لم تكن أمبرو، التي تقع في منطقة ذات امتدادات اجتماعية عبر الحدود التشادية، بمنأى عن تداعيات الحرب التي اجتاحت دارفور. فقد استقبلت آلاف الفارين من مدينة الفاشر ومناطق أخرى، قبل أن تتحول هي نفسها إلى ساحة للقتال والنزوح المتكرر.
ويوثق التقرير هجوماً واسعاً شنته قوات الدعم السريع وحلفاؤها في 24 ديسمبر 2025 على مناطق في شمال غرب دارفور، أوردت بشأنه مصادر استشهد بها التقرير مقتل أكثر من 200 شخص وفقدان نحو 150 آخرين. كما نزحت آلاف الأسر من أمبرو ومناطق مجاورة، وسط ظروف بالغة القسوة، وتوقفت الخدمات الأساسية بعد خروج المستشفى الريفي عن العمل ونهب سيارة الإسعاف الوحيدة.
وبعد فترة من الهدوء الهش، تجدد القتال خلال يونيو 2026، مع هجمات طالت منطقة خزان أورشي وقرى مجاورة. ووفقاً للتقرير، تعرضت قرى للحرق والنهب، ودُمر خزان المياه، كما تعرض السوق للتخريب، ما ألحق أضراراً إضافية بمصادر رزق السكان وإمداداتهم الأساسية.
وفي ظل تغير السيطرة على المنطقة وتواصل الهجمات خلال الأشهر التالية، لم يعد المدنيون قادرين على الاطمئنان إلى مكان واحد. فالمنازل التي يعودون إليها قد تصبح هدفاً جديداً، والقرى التي يلجؤون إليها قد تضطرهم إلى النزوح مرة أخرى، لتتراكم الخسائر المادية والنفسية وتتبدد فرص استعادة الحياة الطبيعية.
جفاف يضاعف قسوة الحرب:
وإذا كانت الحرب قد دفعت السكان إلى مغادرة منازلهم، فإن الجفاف يهدد ما تبقى لهم من وسائل البقاء. فقد تأخرت الأمطار وتراجعت الموارد المائية والمراعي، وفشل الموسم الزراعي في مناطق من دار زغاوة، وفقاً للتقرير، ما يعني أن الأسر لن تجد الحصاد الذي اعتادت الاعتماد عليه لتخفيف الجوع خلال موسم الخريف.
ويعتمد سكان أمبرو، التي تضم أكثر من ثماني وحدات إدارية، ويقدر عدد سكانها بأكثر من 500 ألف نسمة وفق تقديرات محلية، على الزراعة المطرية والرعي والتجارة عبر الحدود. ولذلك، فإن تعطل الزراعة وتراجع المراعي لا يمثلان خسارة اقتصادية فحسب، بل يهددان منظومة الحياة بأكملها.
فالمزارع الذي فقد موسمه الزراعي يخسر الغذاء والدخل معاً، والراعي الذي تتراجع أمامه المياه والمراعي يصبح عاجزاً عن الحفاظ على ماشيته، فيما تواجه الأسر التي كانت تعتمد على التجارة ارتفاعاً في الأسعار وتكاليف النقل والوقود.
وعندما تجتمع هذه الخسائر مع النزوح وانعدام المساعدات، تتلاشى قدرة العائلات على تدبير احتياجاتها الأساسية، ويصبح الحصول على وجبة يومية تحدياً قد لا تستطيع كثير من الأسر التغلب عليه.
متطوعون في مواجهة الكارثة:
في قلب هذه الأزمة، يقف القطاع الصحي عاجزاً عن تلبية الاحتياجات المتزايدة. فخروج مستشفى أمبرو الريفي عن الخدمة حرم السكان من مرفق أساسي للرعاية والعلاج، في وقت ترتفع فيه معدلات سوء التغذية وتزداد الحاجة إلى الأدوية والفحوصات والخدمات الطبية.
وتواجه النساء الحوامل والمرضعات وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة مخاطر إضافية، خصوصاً أولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى نقاط توزيع المساعدات أو قطع المسافات الطويلة بحثاً عن العلاج والمياه.
ومع غياب المساعدات الغذائية والنقدية الدولية منذ مارس 2026، باستثناء إمدادات صحية وتغذوية محدودة وصلت خلال أبريل ومايو، باتت الاستجابة الإنسانية تعتمد بدرجة كبيرة على المبادرات المحلية.
ويشير التقرير إلى أن 12 غرفة طوارئ قاعدية، يديرها متطوعون من أبناء المنطقة، تواصل تقديم ما تستطيع من خدمات رغم شح الموارد المالية واللوجستية، وصعوبة الحركة، ووعورة الطرق، وانقطاع الاتصالات في مناطق واسعة.
إن هؤلاء المتطوعين، الذين يعملون وسط مخاطر الحرب ونقص الإمكانات، يمثلون خط استجابة بالغ الأهمية للسكان. لكن حجم الاحتياجات يفوق قدراتهم، ولا يمكن للجهود المحلية وحدها أن تعوض غياب الإغاثة الدولية أو توفر الغذاء والعلاج والمياه لعشرات الآلاف من النازحين.
مطالبات عاجلة:
أمام هذا التدهور، دعا مجلس تنسيق غرف طوارئ أمبرو المانحين والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لتوفير الغذاء للأسر النازحة، وإطلاق برامج علاج سوء التغذية، وتوفير المياه النظيفة وأوعية التخزين، وإرسال قوافل طبية وتنفيذ حملات تطعيم ضد الحصبة، إلى جانب تقديم تمويل مباشر لغرف الطوارئ القاعدية.
كما أوصى بحفر آبار جديدة وتأهيل الآبار المعطلة، وتوزيع الخيام والفرشات والبطانيات على الأسر النازحة قبل اشتداد برد الشتاء، وإجراء مسوح جديدة للتغذية والوفيات، والعمل على فتح ممرات إنسانية آمنة تتيح وصول المساعدات إلى المحتاجين.
وشدد التقرير على ضرورة حماية المدنيين ووقف استهداف الأسواق ومصادر المياه، وإجراء توثيق مستقل للانتهاكات وإحالة المعلومات إلى آليات الرصد المختصة.
إن الاستجابة المطلوبة لا تحتمل التأجيل؛ فكل يوم يمر دون غذاء أو علاج أو مياه نظيفة يضاعف معاناة الأسر، ويزيد المخاطر التي يواجهها الأطفال الأكثر ضعفاً.
في أمبرو، لا تطلب العائلات المستحيل؛ إنها تريد فقط ما يحفظ حياة أطفالها، وماءً يروي عطشهم، ودواءً يخفف آلامهم، ومأوى يحميهم من المطر والبرد. وبينما تواصل غرف الطوارئ المحلية بذل ما تستطيع، يبقى إنقاذ هؤلاء المدنيين مسؤولية إنسانية عاجلة، لا يجوز أن تنتظر حتى تتجاوز الكارثة قدرة الجميع على الاحتمال.

