السبت, أكتوبر 17, 2026
تقاريرسياسة

قصف المعدّنين.. اختبار السيادة

كتب: حسين سعد

أعاد القصف الجوي الذي استهدف المعدّنين السودانيين في منطقة شمال الوادي قضية السيادة الوطنية وحماية المدنيين والموارد السودانية إلى واجهة المشهد السياسي. وفي مؤتمر صحفي، أدان تحالف قوى التغيير الجذري ما وصفه بالاعتداء، وطالب بتحقيق مستقل وشفاف يكشف ملابساته ويحدد المسؤوليات ويضمن محاسبة المتورطين، مؤكداً أن حماية أرواح السودانيين وسيادة البلاد لا ينبغي أن تكونا رهناً بالحرب والاستقطاب السياسي.

إدانة القصف والمطالبة بالتحقيق
وطالب تحالف قوى التغيير الجذري في مؤتمرته الصحفي طالب بالكشف عن حقيقة ما جرى، وحصر الضحايا والمصابين والمفقودين، ومحاسبة المسؤولين، واتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة لحماية السيادة الوطنية والموارد السودانية.

وفي مستهل المؤتمر، تمت تلاوة بيان التحالف الصادر في 10 أكتوبر 2026، والذي أدان بأشد العبارات ما وصفه بالقصف المصري الذي استهدف المعدّنين السودانيين في شمال السودان، مما أدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا داخل الأراضي السودانية.

ووصف البيان الحادثة بأنها مأساة إنسانية بالغة الخطورة وامتحان وطني وأخلاقي، يستوجب موقفاً موحداً وواضحاً
وأكد التحالف أن دماء السودانيين ليست رخيصة ولا مستباحة، وأن الأراضي السودانية ليست ساحة مفتوحة لانتهاك السيادة أو الاعتداء على المواطنين والموارد، داعياً إلى توحيد الإرادة الشعبية وبناء جبهة جماهيرية واسعة للدفاع عن السيادة الوطنية بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

وفي مداخلته، أكد الأستاذ الهادي هباني أن التحالف يرفض بصورة قاطعة استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر، سواء كانوا سودانيين أو غير سودانيين، وسواء كان نشاط التعدين قانونياً أو غير قانوني.

وأشار إلى أن المنطقة المستهدفة تضم، بحسب المعلومات التي طرحها في المؤتمر، ما بين 12 ألفاً و15 ألف معدّن يعملون فيها منذ سنوات، واصفاً القصف بأنه انتهاك صارخ للسيادة ووحدة الأراضي السودانية.

ورفض هباني الادعاءات المصرية بأن الحادثة وقعت داخل الأراضي المصرية، مطالباً بتحقيق شفاف تجريه جهة محايدة لحسم موقع الاعتداء وتحديد المسؤوليات.
وربط القضية بملف الحدود بين البلدين، محذراً من محاولات فرض واقع جديد في المنطقة، ومستحضراً قضية حلايب وشلاتين باعتبارها إحدى القضايا العالقة في العلاقات السودانية المصرية.

كما أكد هباني أن الثروات المعدنية الموجودة داخل الأراضي السودانية تمثل حقاً للشعب السوداني، وطالب بنشر الاتفاقيات المتعلقة بالحدود والموارد والتعاون العسكري، ورفض أي اتفاقيات سرية بين سلطة الحرب والسلطات المصرية.

وقال الهادي إن التحالف أعد مذكرة وجهت إلى الأمم المتحدة للتحذير من أي محاولات للاستيلاء على الأراضي والموارد السودانية في ظل ظروف الحرب.

وفي الوقت ذاته، شدد هباني على ضرورة التمييز بين الشعب المصري والسلطات المصرية، رافضاً أي تحريض ضد الشعب المصري، ومذكّراً بالمواقف التاريخية للسودان الداعمة لمصر.
ودعا إلى مراجعة شاملة للعلاقات التجارية والاقتصادية مع مصر ووضع قواعد إشرافية صارمة، كما طرح موقفاً من اتفاقية الكوميسا، داعياً إلى النظر في جدوى استمرار السودان فيها.

«السيادة الوطنية ليست رخصة للقتل»
من جانبه، وضع الأستاذ بشرى الفكي القضية في إطار أوسع، معتبراً أن الحادثة لا تتعلق بمجرد خلاف حدودي، وإنما تمس كرامة الشعب السوداني وسيادة الوطن والحق الأساسي في الحياة.

وطرح سؤالاً جوهرياً حول مشروعية استخدام الطيران الحربي ضد المعدّنين، حتى على فرض وقوع المخالفة داخل الأراضي المصرية، مؤكداً أن «السيادة الوطنية ليست رخصة للقتل».

وقال بشري إن الحقيقة التي يؤكدها التحالف هي أن القصف وقع داخل الحدود السودانية، الأمر الذي يجعله، وفق هذا الطرح، اعتداءً على السيادة وعلى أرواح المواطنين في آن واحد.

وتساءل عن نتائج التحقيقات السابقة المتعلقة بغارات يونيو الماضي، مشيراً إلى تكرار الاعتداءات دون محاسبة واضحة.
ووجّه الفكي مطالب إلى السلطات المصرية، شملت تقديم إجابات رسمية، والكشف عن العمليات العسكرية، والتعاون مع تحقيق مستقل، وضمان محاسبة المسؤولين.

كما طالب السلطات السودانية بحصر الضحايا والمصابين والمفقودين، وتوفير العلاج، ونشر نتائج التحقيقات، واتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة.

وربط الفكي بين مأساة المعدّنين والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها السودان، قائلاً إن المعدّنين لجأوا إلى التعدين لأنهم لم يجدوا في بلدهم فرص عمل محترمة ولا حياة آمنة.

ووصف الحادثة بأنها جريمة ضد الإنسانية، مطالباً بمساءلة قانونية دولية، ومؤكداً أن استعادة السيادة الوطنية، من وجهة نظره، لن تتحقق بصورة كاملة إلا عبر وقف الحرب وإنهاء عسكرة الدولة واستعادة السلطة المدنية الديمقراطية.

وأثار الصحفيون والحضور خلال المؤتمر عدداً من الأسئلة والمقترحات بشأن المسار القانوني والسياسي للحادثة.
وطُرح مقترح بتبني قضية قانونية بالتنسيق مع أسر الضحايا، وفتح مسار قانوني لإثبات وقوع الاعتداء داخل الأراضي السودانية.

كما طالب مشاركون برفع القضية إلى المنظمات الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، فيما اقترح آخرون تشكيل لجنة قانونية متخصصة لجمع المعلومات والأدلة وتحديد الإطار القانوني للتحرك.

وشدد مشاركون على أهمية تحديد موقع الاعتداء بدقة عبر الإحداثيات الجغرافية، خصوصاً منطقة جبل العقيدات، لإثبات موقع القصف وفق قواعد القانون الدولي.

وفي السياق ذاته، دعا مشاركون إلى تفعيل ميثاق الموارد والحدود الصادر في ديسمبر 2025، والعمل من أجل تحرك دولي بشأن القضية، بما في ذلك طرح إمكانية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

لم يخلُ النقاش من جدل حول التعدين الأهلي ومستقبل قطاع الذهب في السودان.

حيث تسأل الاستاذ كمال كرار عن إمكانية تبني التحالف قضية قانونية مع أسر الضحايا ضد النظام المصري، وفتح مسار قانوني يثبت أن الاعتداء وقع داخل الأراضي السودانية.

ومن جهته دعا عصام عثمان إلى معالجة التعدين الأهلي ضمن إطار قانوني منظم يربطه بالدولة، مع رفع قضية القصف إلى المنظمات الدولية.

وفي المقابل أشار المهندس وليد مصطفى إلى أهمية تشكيل لجنة قانونية متخصصة، مستنداً إلى أن التعدين الأهلي يمثل نسبة كبيرة من إنتاج الذهب في السودان، وأن تنظيمه يجب ألا يتحول إلى مبرر لاستهداف المدنيين.
وبدوره حذر الصادق عبد الباقي من انحراف النقاش نحو قضية التعدين الأهلي على حساب القضية الأساسية، وهي قصف المدنيين، داعياً إلى إصدار بيان مشترك مع مختلف القوى المدنية التي أدانت الحادثة وتوسيع نطاق التحرك السياسي.

كما طرحت سلمى محمد سؤالاً حول مستقبل قطاع التعدين بعد الحرب، وكيفية استعادة السيطرة على عائدات الذهب وتحويلها إلى خزينة البنك المركزي بدلاً من ذهابها إلى الاقتصاد الموازي.

نحو جبهة مدنية موحدة
اتفق النقاش في المؤتمر على ضرورة تجاوز الانقسامات السياسية وتوحيد القوى المدنية حول قضية حماية المواطنين والسيادة والموارد.

وفي هذا الاتجاه، اقترح المؤتمر تشكيل لجنة سياسية وحقوقية داخل التحالف لجمع المعلومات والتواصل مع أسر الضحايا والناجين وإعداد تقارير متابعة دورية.

كما شملت المقترحات التعاون مع المحامين والمنظمات الحقوقية لإعداد ملف موثق ورفعه إلى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ومخاطبة الاتحاد الأفريقي من أجل تحرك وقائي عبر آلياته المعنية بالسلم والأمن ومنع النزاعات.

وطُرح كذلك تطوير مذكرة الموارد والحدود الصادرة في ديسمبر 2025 بالتعاون مع خبراء القانون الدولي، وإعادة تقديمها في نسخة محدثة.

كما دعا المؤتمر إلى إطلاق حملة لاستخراج جثامين الضحايا وتكريمها وتسليمها إلى ذويها، بالتزامن مع توثيق شهادات الناجين والأدلة المتعلقة بالحادثة.

وشدد المشاركون على أهمية إصدار بيان مشترك من القوى السياسية والنقابية ولجان المقاومة للدفاع عن السيادة الوطنية وأرواح المواطنين، بعيداً عن الاستقطاب.

ويفتح القصف، بحسب النقاش الذي دار في المؤتمر، أسئلة أكبر من حدود الحادثة نفسها: كيف تُحمى الحدود السودانية في ظل استمرار الحرب؟ وكيف تُدار الموارد الطبيعية بعيداً عن الاقتصاد الموازي؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية المواطنين؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرار الاعتداءات دون تحقيق ومساءلة؟

كما يعيد الحادث النقاش حول طبيعة العلاقات السودانية المصرية، والاتفاقيات المتعلقة بالحدود والموارد والتعاون الاقتصادي والعسكري، ومدى شفافية هذه العلاقات أمام الشعب السوداني.

وفي ظل الحرب، تبدو قضية المعدّنين جزءاً من أزمة أوسع تتداخل فيها قضايا السيادة والموارد والفقر وغياب الدولة والحماية القانونية للمدنيين.

يبقى حسم حقيقة ما جرى في شمال الوادي رهناً بتحقيق مستقل وشفاف يحدد موقع القصف، وحجم الخسائر، والجهة المسؤولة، ويضع الوقائع أمام الرأي العام بعيداً عن الروايات المتضاربة. لكن حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن أي اعتداء ليست قضية قابلة للتأجيل، كما أن الدفاع عن السيادة لا ينبغي أن يتحول إلى وقود لمزيد من الاستقطاب.

وبينما يطالب تحالف قوى التغيير الجذري بتحرك قانوني ودولي وجبهة مدنية موحدة، تظل القضية في جوهرها اختباراً لقدرة السودانيين على حماية أرواح مواطنيهم وموارد بلادهم، وعلى تحويل المأساة من حادثة عابرة إلى مسار جاد نحو المساءلة وسيادة القانون والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *