الجمعة, أبريل 4, 2025
مقالات

ويسألونك عن الاستقرار في دارفور

بقلم: محمد بدوي

لعل السؤال المتبادر إلى الأذهان حول دوافع حوادث الاعتداء والنهب للمقر الرئيسي السابق لبعثة حفظ السلام المختلطة، مخازن منظمة الغذاء العالمي، المقرات التابعة لديوان الزكاة. ووزارة التربية والتعليم بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، الإجابة السهلة هي بغرض النهب لكنها تمثل أحد نتائج الاحداث وليست دوافع في حد ذاتها، للوصول للدوافع لابد من مناقشة الإطار الزمني منذ اغسطس ٢٠٢١، حيث تركزت الأحداث في ولايتي غرب وشمال دارفور حيث السجل يشير إلى احداث كولقي، جبل مون بتكرارها، مستري، كلبس، كرينك، بالقرب من معسكر زمزم للنازحين، طويلة، دونكي شطة، اليونامد، حادثة اختطاف موظفين من الشركة التركية للكهرباء، مخازن منظمة الأغذية العالمية، ومخازن ديوان الزكاة ووزارة التربية والتعليم، المشترك أن الولايتين تحت إشراف ولاة من الحركات الموقعة على إتفاق سلام السودان ٢٠٢٠، هذا يقود إلى نقطة هامة مرتبطة بالتحالفات التى تمت في سياق التفاوض بين بعض الحركات المسلحة وأطراف المكون العسكري في السلطة.

المشترك الآخر أن التدخل الذي تم شمل دفع ديات او مبالغ مالية لبعض أسر القتلى في حوادث (كولقي، وبشكل غير منتظم لبعض اسر ضحايا أحداث متفرقة بغرب دارفور) من الدعم السريع الذي اعلن في الأسبوع الثاني من ديسمبر ٢٠٢١ عن لجنة المصالحات القبلية تحت إشراف العقيد موسى حامد أمبيلو عقب أحداث كرينك، من حيث الأطراف فهناك مدنيون وهم غالب واطراف مسلحة من المجموعات الرعوية، واخرى مسلحة من المجموعة الزراعية تسلحت لحماية أرواحها بعد انسحاب بعثة حفظ السلام او اليونامد، بالإضافة إلى مجموعات من الحركات المسلحة من تحالف قوى التحرير تحت قيادة الطاهر حجر عضو المجلس السيادي، والتي كشف عن ذلك الكمين الذي تم في ١٢ اغسطس جنوبي الفاشر بشمال دارفور، و٥ ديسمبر بغرب دارفور من مجموعة التحالف السوداني بقيادة والي غرب دارفور خميس أبكر رغم تعدد قيادة القوات تحت التحالف الثوري بقيادة بحر كرامة والحركة الشعبية لتحرير السودان / السودان قيادة عبد الخالق دودين، إذا مجمل الأحداث تمثل سلسلة مترابطة لتراجع حالة الأمن بلغ عدد ضحياه المئات من المجموعتين الزراعية والرعوية بالإقليم في أعلى نسبة للضحايا في الفترة من ٢٠٠٩ الى ٢٠١٩.

سلسلة الأحداث نتجت عنها إعادة حالة النزوح للمجموعات التي عادت لمناطقها بعد سقوط نظام الحركة الإسلامية في أبريل ٢٠١٨، وما ترتب عليها من العودة الجزئية للبعض لممارسة الزراعة في مناطقها الأصلية التي نزحت منها قبل ٢٠٠٣، وهذا يعيد إثارة أسئلة إمكانية الاستقرار والعدالة وملكية الأرض وعلاقات الإنتاج، بالتالي نسف ذلك يتكامل مع حالة الاعتداء على مقر اليونامد ومخازن الأغذية العالمية في تغييب للبنية الرمزية التي كان يمكن استغلالها بشكل استراتيجي لتساهم في الاستقرار النسبي، لكن هل هذا مقصود لذاته؟ أي حالة عدم الإستقرار، في تقديري أن الإجابة نعم كصورة مرتبطة بمرحلة أخرى مختلفة في أطرافها وأهدافها عن الصراع الذي بدأ في ٢٠٠٣، حيث الجديد هو ما ارتبط بصعود بعض قادة الصراع في ٢٠٠٣ إلى قمة السلطة في الفترة الانتفالية واحتوائهم للحركات المسلحة التي كانت طرفاً في الحالة سابقاً تحت صيغة تحالفات في استغلال لحالة التسوية السياسية، أو اتفاق سلام السودان ٢٠٢٠ أو (جوبا)، وسبب التحالفات جاء نتيجة لضعف وتشظي الحركات من جهة، وضعف وسوء تمثيل المدنيين من جانب الحكومة الانتفالية في التفاوض، ومن جهة أخرى صراعات السلطة التي عبرت عن صورتها بجلاء القيادة المشتركة لإنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ التي قد تبدو ظاهرياً تحالفاً متماسكاً لكنه في سياق الطبيعة للشركاء تحمل عناصر ودوافع السيطرة على السلطة لكل طرف على حدة، وما حدث هو تحالف ارتبط بخيارات القوة مع النظر حول سيطرة طرف على الحالة النهائية.
هذا لا ينسف أن بعثة اليونامد والتصرف في الأصول تحت مسميات كثيرة بشكل مستمر؛ قد يضع مصالح محددة ضمن سياق محو آثار ما تم، فالمصالح ليست مرتبطة بالنطاق الوطني فقط بل قد يتعدى ذلك، وهو أمر يتطلب من الأمم المتحدة تحقيق شفاف وعاجل لكل ما ظل يثار وطريقة التعامل التي تمت في مزادات محلية، وعلاقتها بسليم العلاقة سواء الاتفاق بينها وحكومة السودان الذي بموجبه باشرت نشاطها في ٣١ ديسمبر ٢٠٠٧، او الطرق القانونية المتبعة في إدارة أصول بعثات حفظ السلام.

إذاً القوة المشتركة او جهود ولاة الأقاليم ليست سوى محاولة لإدارة جزء من الصراع اختير له جغرافيا بعيدة عن مركز السلطة، لتظل رهينة بمحاولات التعامل مع النتائج في ظل بقاء المسببات على ارتباط بمحور الصراع، لأن بعض هذه الأماكن المستهدفة ينظر الى دورها في السياق المحتمل لاستغلاله أو موارده من طرف في مواجهة الآخر في الصورة الكلية المحتملة لنتائج وجغرافية وتكتيكات تطور التصعيد المستمر بين الأطراف، في ذات الوقت هي رسائل إعلامية للفت الانتباه دولياً وإقليمياً إلى ما يجري، وعلاقته بحماية المدنيين وتحميل أحد الأطراف سبب ذلك، فيما يحاول الطرف الآخر الظهور بمظهر القادر على الحفاظ على حالة الأمن.

ختاماً: حالة الطوارئ وقراراتها لا تعبر عن حل مرتبط بأسباب الحالة ودوافعها، حيث يجدر الانتباه الى بعض الحركات التي لعبت دور الكومبارز، وتحملت النتائج البعيدة عن جوهر الدوافع، والتي تمحورت في سقف مخالفة القانون الجنائي السوداني ١٩٩١ الذي يجرم النهب والإتلاف لتبعد الأسباب دون وعي عن صورتها السياسية الأساسية، قد تستمر الأحداث بأشكال مختلفة ليظل الاستقرار رهين بحل يرتضيه الشارع السوداني في سياق التغيير في الفترة الإنتقالية بشكل كلي، لأن ما حدث في دارفور منذ ٢٠٠٣ تم وفق تخطيط وتنفيذ مرتبط بمركز السلطة السياسية في السودان، مع استصحاب التغيرات التي حدثت وهي غياب الطرف السياسي المؤتمر الوطني المحلول، وصعود وكلائه إلى قمة السلطة واحتوائهم للطرف المقابل، وهي الحركات المسلحة لتصبح معادلة الاستقرار في دارفور مرتبطة بتحقهه بشكل شامل في كل السودان، فلا سلام دون حكم مدني، ولا عدالة مع ترسانة الحصانات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *