شفافية ورقابة وأمل.. الإعلام كرافعة حياة للنازحين واللاجئين
كتب: حسين سعد
في أزمنة الكوارث الكبرى، عندما تتعثر الدولة وتتراجع مؤسساتها عن أداء أدوارها الأساسية، يصبح الإعلام أكثر من مجرد ناقل للأخبار؛ يتحول إلى ضميرٍ حيّ، وعينٍ ساهرة تراقب مسارات الحياة والموت. وفي السودان، حيث تتقاطع الحرب مع الجوع والمرض والنزوح، يبرز دور الإعلام بوصفه خط الدفاع المدني الأول عن حق الناس في الغذاء والدواء، ووسيلة المجتمع لمساءلة من يملكون القرار والموارد، فعندما ينقطع الصوت، تُحتجز المساعدات في الظل، وحين يغيب الضوء، تتسع مساحات الفساد والعبث، وتُسرق المعاناة من أصحابها، إن مراقبة إيصال الغذاء والدواء إلى مستحقيهما ليست مهمة إدارية فحسب، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية بامتياز، هنا يتقدم الإعلام ليملأ الفراغ، حاملاً قصص الجوعى والمرضى من أطراف المدن ومخيمات النزوح إلى واجهة المشهد العام. فالكاميرا التي توثق، والكلمة التي تشهد، والتقرير الذي يتقصى، كلها أدوات تُعيد الإعتبار للإنسان، وتمنع تحويل الإغاثة إلى أرقام باردة أو صفقات سياسية، في بلد يواجه أزمة كارثية متعددة الأبعاد مثل السودان، يصبح الإعلام جسراً بين المحتاجين والعالم، ووسيلة ضغط سلمية لضمان وصول المساعدات دون تمييز أو استغلال، وفي ظل إنقطاع الكهرباء، وشبكات الاتصال، وتوقف أغلب الخدمات الحكومية، صار الإعلام قوة حيوية لتوفير المعلومات الدقيقة عن مواقع المساعدات، وتحذير المدنيين من المخاطر، ورصد الانتهاكات، ومكافحة التضليل الذي يعطل وصول الإغاثة للمستحقين، فالتغطية الصحفية الفاعلة تكشف عن أي تلاعب بالموارد، وتوثق حالات توزيع المساعدات غير العادل، وتضمن احترام المبادئ الإنسانية، وحماية المدنيين في مناطق النزاع.
الإعلام والجهود الإنسانية:
ويلعب الإعلام هذا الدور حين يلتزم بالشفافية والمهنية الرفيعة؛ حين يتحقق من مصادره، ويوازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة، ويحمي كرامة الضحايا بدلاً من استهلاك آلامهم، الإعلام المهني لا يكتفي بنقل الشكوى، بل يتتبع مسار المساعدة من المخزن إلى المستفيد، يكشف مواطن الخلل، ويسلط الضوء على التجاوزات دون تحريض أو تشويه، واضعاً المصلحة العامة فوق كل اعتبار. وبهذا النهج، لا يكون الإعلام طرفاً في الصراع، بل رقيباً مدنياً مستقلاً، يُسهم في بناء الثقة بين المجتمع والمنظمات الإنسانية، ويمنح المتضررين إحساساً بأن معاناتهم مرئية ومسموعة، في السودان اليوم، دمرت الحرب كل شيء من حولها، تقف ملايين الأسر السودانية على حافة البقاء، تتلمس طرق النجاة بين أنقاض المدن والقرى، وحالات النزوح التي لا تعرف حدودًا، ولجوء أصبح في كثير من الأحيان امتدادًا لمعاناة لا تنتهي، منذ اندلاع الحرب الكارثية في أبريل 2023، لم تعد الحياة اليومية للسودانيين مجرد صراع مع القصف والنزوح والجوع، بل صراع مزدوج مع صمت العالم، ومع إهمال المؤسسات الدولية التي تُرِكت ملايين الأرواح للضياع، في هذا المشهد الكارثي، يظهر الإعلام بوصفه قوة إنسانية حقيقية، ليس فقط لنقل الأخبار، بل كرافعة حياة، وجسر يربط المساعدات الإنسانية بالمحتاجين، ويشكل سلطة رقابة على الجهات المنفذة للإغاثة، من حكومات ومنظمات دولية ومحلية. الإعلام يوثق توزيع المساعدات، يفضح أي تلاعب أو فساد، يرفع صرخات النساء والأطفال والنازحين إلى الرأي العام العالمي، ويحول المعلومات من مجرد بيانات إلى أدوات إنقاذ، قادرة على توجيه الدعم لمن هم في أمس الحاجة إليه، في هذا التقرير نستعرض الورقة التي قدمها الصحفي حسين سعد عن دور الإعلام في العمل الإنساني وإيصال الإغاثة للمحتاجين في السودان في مؤتمر الإغاثة والعمل الإنساني الذي إنهي جلساته وأصدر توصياته في ديسمبر الماضي.
أهمية مؤتمر الإغاثة:
وأحصت الورقة أهمية إنعقاد مؤتمر الإغاثة الذي وصفته بإنه يمثل خطوة إستراتيجية لتوحيد الجهود الإنسانية، وتحديد الأولويات الوطنية بعد الحرب، وحشد التمويل الدولي، وتعزيز الثقة بين الأطراف السودانية والدولية، ووضع آليات للرقابة والمساءلة. كما يشكل المؤتمر فرصة لجمع كافة الأطراف المعنية—منظمات دولية، مبادرات شعبية، ممثلين حكوميين وخبراء—لتقديم خطة وطنية للتعافي المبكر وإعادة الإعمار، بما يشمل البنية التحتية، الخدمات الأساسية، والزراعة، وتمكين المجتمعات المحلية، وأوضحت الورقة إن مؤتمر الإغاثة يوفر فرصة ثمينة لتأسيس رؤية جديدة تربط بين التعافي الفوري والتنمية المستدامة، فإعادة الإعمار ليست مجرد بناء حجارة، بل هي إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والثقة، ويمكن للمؤتمر أن يفتح الطريق لوضع خطة وطنية تأخذ في الإعتبار إحتياجات الزراعة، البنية التحتية، التعليم، الخدمات، وتمكين المجتمعات المحلية، بما يعزز الإستقرار على المدى البعيد ويخلق بيئة داعمة للسلام، وجذب التكنولوجيا والخبرات الدولية العديد من الدول والمنظمات لديها خبرات في إعادة الإعمار بعد الحروب، الاستفادة من هذه الخبرات يتيح للسودان أفضل الممارسات العالمية في البناء، إدارة الموارد، إعادة الخدمات، والتحول الرقمي، وبناء شراكات استراتيجية يجمع المؤتمر ممثلين عن الدول، المنظمات الدولية، القطاع الخاص، والمجتمع المدني، ما يتيح تأسيس شراكات طويلة الأمد في مجالات الإعمار، التنمية، والخدمات؟.
تحديات الإعلام:
لكن على الرغم من هذا الدور الحاسم، فإن الصحفيين والوسائل الإعلامية في السودان يعملون تحت تهديد مباشر، وسط معارك دائمة، وانقطاعات كهرباء واتصالات، وضغوط سياسية تحاول تسييس العمل الإنساني، وكل ذلك في وقت تتقاعس فيه القوى الدولية عن الوفاء بالتزاماتها هنا، في هذا الواقع، يتحول الإعلام من مجرد وظيفة مهنية إلى واجب أخلاقي، وسلاح ضد النسيان، وضامن للوصول العادل للمساعدات، وحارس على الكرامة الإنسانية لملايين السودانيين الذين لم يطلبوا سوى البقاء على قيد الحياة في وطن آمن، يواجه الصحفيون في السودان مخاطر مباشرة، بما في ذلك القتل حيث قتل أكثر من (30) صحفي وصحفية ، وفقدان أكثر من ألف صحفي وصحفية لعملهم ، وإصابة العشرات منهم فضلاً عن الإعتقال، والإستهداف، والعمل وسط القصف والمعارك، كما يعاني الإعلام من ضعف البنية التحتية، انقطاع الكهرباء والإنترنت، ضعف التدريب المتخصص في التغطية الإنسانية، وغياب التنسيق مع المنظمات الإنسانية، إلى جانب الضغوط السياسية التي تحاول تسييس العمل الإنساني والتأثير على نزاهة التغطية الإعلامية.
توصيات لتعزيز دور الإعلام في العمل الإنساني.
طالبت الورقة في توصياتها بإنشاء منصات إعلامية مشتركة بين الصحفيين والمنظمات الإنسانية ولجان النازحين، لنشر معلومات دقيقة ومحدثة حول أماكن توزيع المساعدات واحتياجات المدنيين، وتدريب الصحفيين على التغطية الإنسانية، بما يشمل السلامة المهنية، القانون الإنساني الدولي، والتحقق من المعلومات، وتوفير حماية وحركة آمنة للصحفيين في مناطق النزاع، وإشراكهم في الزيارات الميدانية، وتطوير صحافة البيانات الإنسانية لاستثمار المعلومات في تخطيط الإغاثة، ورصد مسارات النزوح، ودعت الورقة إلي دعم الإعلام المحلي في المناطق الريفية، وتمكين المراسلين المحليين والإذاعات المجتمعية، وإعتماد سياسات شفافية ونشر تقارير أسبوعية عن المساعدات، لضمان متابعة دقيقة وتوزيع عادل، وإنشاء منصات رقمية لتوثيق الانتهاكات الإنسانية، ونشر بيانات رسمية حول توزيع المساعدات، وتفعيل مشاركة المجتمع المدني والشباب في رصد وصول الإغاثة، وإطلاق حملات توعية وتحريك الضغوط لفتح الممرات الإنسانية.
الخاتمة.. الإعلام المنقذ:
في ظروف الحرب السودانية، يمثل الإعلام العمود الفقري للعمل الإنساني من دونه، تصبح المساعدات عرضة للفساد، وتضيع أصوات المحتاجين، وتتراجع الثقة بين المنظمات والمجتمع المدني، إن تبني توصيات هذه الورقة يتيح تعزيز الشفافية، وبناء الثقة، وتطوير قدرات الإعلاميين، وربط الجهود الإنسانية بخطط مستدامة لإعادة الإعمار. الإعلام هنا ليس دورًا ثانويًا، بل ضرورة حيوية لضمان وصول الإغاثة، وحماية المدنيين، وتحريك المجتمع الدولي نحو استجابة فعلية للأزمة السودانية، ويعتبر الإعلام المهني والمستقل أحد أعمدة الحق في الحياة والكرامة، خصوصاً في سياق الأزمات الإنسانية، فعندما يراقب الإعلام مسارات الغذاء والدواء، فإنه لا يحمي المساعدات فحسب، بل يحمي حقوق الناس في البقاء، ويصون العدالة في توزيع الموارد، ويمنع تطبيع الجوع والمرض كقدرٍ لا يُسأل عنه أحد، إن الكلمة الصادقة، عندما تُكتب بمسؤولية، قادرة على إنقاذ حياة، وعلى إحداث فرق حقيقي في ميزان القوة بين الضعيف ومن يحتكر القرار، فالإغاثة بلا رقابة لن تصل لمستحقيها، والسلام بلا حقيقة هشّ، والعدالة بلا شهادة ناقصة، ومن هنا، فإن تمكين الإعلام ليقوم بدوره في المراقبة والتوثيق والمساءلة، هو إستثمار في إنسانية المجتمع، وضمانة بأن تصل المساعدات إلى أصحابها، وأن تظل معاناة الناس حاضرة في الوعي العام، لا تُدفن تحت ركام الحرب ولا تُختزل في الصمت؟.

