ثلاث سنوات من النزوح.. عودة مسني دار «الضو حجوج».. رحلة الحرب والانتظار والحنين
الخرطوم بحري: منى النور
لم تكن لحظة عادية تلك التي عاشها سكان حي الديوم بمدينة الخرطوم بحري، وهم يقفون لساعات طوال في انتظار موكب صغير يحمل على متنه رجالاً أنهكتهم السنوات والحرب معاً.
كانوا ينتظرون عودة مسني دار «الضو حجوج» لرعاية وكفالة المسنين، الذين أمضوا سنوات الحرب الثلاث وقد فقدوا فيها بعض فراقهم قبل أن يشدوا رحالهم نحو مدينة شندي بعد أن أجبرتهم الحرب التي اندلعت في السودان عام 2023 على مغادرة دارهم.
على مدخل الدار، وقف سكان الحي في صمت تتخلله همسات الترحيب، بينما كانت الحافلة تتوقف وكأنما ثرى الدار يبتسم للمقدم. واحداً تلو الآخر، نزل المسنون ببطء، بعضهم يستند إلى عكازه، وآخرون إلى أكتاف شباب الحي الذين تطوعوا لمساعدتهم.
كل الأجواء كانت مشحونة بشيء من الشجن، فوزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية، المشرفة على الدار، وبعض المنظمات الخيرية قاموا بتنظيم احتفائية بمناسبة مقدم عودة اهل الدار، حضرها عدد كبير من الاهالي الذين ظلوا يعتبرون هؤلاء المسنين جزءاً من نسيج الحي وذاكرته. بيد انه من خلف مظاهر الترحيب والفرح تلك، كانت تقف هنالك حكايات طويلة من الألم والفقد والانتظار.
قرابة القرن:
تعد دار «الضو حجوج» واحدة من أقدم دور رعاية المسنين في السودان، إذ تأسست عام 1928 بمدينة الخرطوم بحري. وهي تستقبل عادة المسنين الذين تجاوزت أعمارهم 65 عاماً، بعد إجراءات قانونية محددة تتم عبر الشرطة والنيابة، لضمان عدم وجود أسرة تتكفل برعايتهم. كذلك توجد بعض الحالات النادرة، حيث يتم قبول مسنين برفقة أقاربهم، أو ممن يرفضون العودة إلى أسرهم لأسباب اجتماعية أو إنسانية.
على مدى عقود طويلة، كانت الدار ملاذاً آمناً لمن تقطعت بهم السبل، لكنها لم تنجُ هي الأخرى من آثار الحرب الأخيرة، فالجدران التي كانت شاهدة على حياة مئات المسنين تشققت بفعل القصف، بينما تضرر سقف المبنى بعد سقوط قذيفة في محيطه. ورغم أعمال الصيانة البسيطة التي أُجريت، ما تزال آثار الحرب واضحة على المكان.
وجوه تحمل تعب السنين:
رغم الفرح الظاهر على وجوه المسنين وهم يعودون إلى دارهم، إلا أن ملامحهم كانت تحكي قصة أخرى. وجوه نحيلة، وعيون غارقة في مسافات بعيدة من التعب، بعضهم لم يتمالك دموعه، بينما بدا آخرون كأنهم غير مصدقين أنهم عادوا فعلاً.
وسط هذا المشهد، كان المسن (بيتر) وهو من أبناء دولة جنوب السودان يتجول ببصره في زوايا الدار، يتوقف بين الحين والآخر لتحية بعض سكان الحي الذين يبدو أنهم يعرفونه جيداً.
يقول بيتر في حديثه لـ«مدنية نيوز»: “خرجنا من الخرطوم بعد معاناة طويلة تحت القصف ليل نهار”، ويضيف: “بمبادرة من أحد أبناء بحري تم نقلنا إلى مدينة شندي. كنا حينها قرابة ثلاثين مسناً، “لكن الرحلة لم تكن سهلة. يتوقف قليلاً قبل أن يقول بصوت خافت: “توفي منا ثمانية… وعدنا اليوم واحداً وعشرين فقط”، مشيرا الى انه “عندما كان يمرض أحدنا ويذهب إلى المستشفى، كنا على يقين تام أنه قد لا يعود، لكن رغم كل شيء، العودة إلى دارنا هنا تجعلنا نشعر براحة كبيرة”.
قصة التخلي:
على أحد المقاعد الخشبية داخل الدار جلس الحاج محمد، الذي يقترب عمره من الثمانين عاماً، قصته بدأت قبل سنوات عندما قدم إلى الخرطوم من دارفور بحثاً عن العلاج، لكن أسرته، بحسب روايته، تركته في المستشفى واختفت، يقول بصوت هادئ: “جئت إلى الخرطوم للعلاج… لكن أهلي تركوني في المستشفى ولم يعودوا.”
وبعد فترة، تكفل بعض فاعلي الخير بإحضاره إلى دار المسنين، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الدار بالنسبة له البيت الوحيد الذي يعرفه. ويقول: “هذه الدار أصبحت منزلي… هنا أعرف الناس، وهنا أعيش”.

بكاء عند باب الدار:
لم تكن لحظة العودة سهلة بالنسبة للجميع، فما إن وصل المسن سلمان سليمان إلى مدخل الدار حتى انهار في بكاء شديد، مما اضطر أحد الشباب إلى حمله إلى الداخل، بينما كان يردد بصوت مرتجف: “أنا في حلم أم حقيقة؟”. وبحسب أحد المشرفين في الدار، فإن سلمان يعاني من فشل كلوي حاد، وكان يتلقى العلاج طوال فترة النزوح في شندي. لذلك العودة إلى المكان الذي عاش فيه سنوات طويلة كانت بالنسبة له لحظة غامرة بالمشاعر.
الاعتقال والمرض:
أما الحاج عثمان، فقد انضم إلى المسنين أثناء وجودهم في شندي بعد تجربة قاسية عاشها خلال الحرب، يروي عثمان أنه تعرض للاعتقال من قبل قوات الدعم السريع بعد اتهامه بالانتماء إلى القوات المسلحة. يقول:
“تم اعتقالي وتعذيبي لأسابيع رغم أنني مريض بالسكري”، ويضيف بأسى: “كانت أسوأ أيام حياتي”، فخلال تلك الفترة، تدهورت حالته الصحية بشكل كبير، ما أدى لاحقاً إلى بتر جزء من قدمه بعد إصابته بجرح لم يجد العلاج المناسب.
أكثر ما يؤلم:
لكن رغم الأمراض وآثار الحرب، فإن أكثر ما يؤلم هؤلاء المسنين هو الفراق الطويل عن أسرهم. يقول أحدهم:”آخر ما أتمناه قبل أن أموت هو أن أرى أبنائي”.
لم تعد لهؤلاء المسنين بيوت ينتظرون العودة إليها، ولا أحياء يعرفونها كما كانت. لكنهم عادوا إلى مكان يعرف أسماءهم، مكان ما زالت جدرانه، رغم تشققاتها، تتذكر خطواتهم وأصواتهم، لم يعودوا من الحرب منتصرين،
ولا حتى ناجين بالكامل.. عادوا فقط بأجساد أنهكها الطريق، وذكريات أثقل من حقائبهم الصغيرة.
في دار المسنين بالخرطوم بحري، لم تكن العودة احتفالاً بقدر ما كانت مواجهة هادئة مع ما تبقى من العمر. فهنا، لا تُقاس الخسارات بعدد البيوت التي سقطت بل بعدد الأسماء التي لم تعد تُنادى. في زمن الحرب، ضاع كثيرون في الطرقات. أما هؤلاء… فبعد شتات طويل، عادوا لا بحثاً عن جدران، بل بحثاً عن معنى. ولعل أعمق أشكال العودة أن تجد من يقول لك ببساطة: “حمد لله على السلامة”.

