الأحد, مارس 15, 2026
مقالات

مؤانسة رمضانية (24).. تجربة صحيفة الخرطوم (2)

بقلم: فيصل محمد صالح

بدأنا العمل بالقاهرة كما ذكرت، في ظروف صعبة: كيف نجد أخبارًا سودانية كل يوم ونحن بعيدون عن الوطن؟ كيف نملأ صفحات الرياضة والثقافة والمنوعات وصفحات الرأي بمواد سودانية يومية، ونحن صحيفة حديثة الصدور لم يختبرنا ويعرفنا الناس بعد، والبعض كانت لديه شكوك كثيرة حولنا؟

المهم توكلنا على الله وبدأنا الصدور في مارس 1993. كانت المواد تأتي من الخرطوم بطرق مختلفة، ومعها مخزون من المواد الثقافية والفنية والمنوعات جئنا به من السودان، ثم بدأنا محاولة بناء شبكات من المراسلين في مناطق مختلفة من العالم. وبدون قصد بدأنا تجربة غير مألوفة في الصحافة السودانية، وهي صفحة ثقافية يومية بحكم توفر المواد، استمرت لفترة طويلة جدًا.

وبدأت المواد تصلنا من أي مكان تصل إليه الجريدة، وأكثرها تحديدًا من السعودية، ثم قطر والإمارات ولندن. وظلت الصحيفة لفترة طويلة المصدر الأول لأخبار السودان للسودانيين في المغتربات والمهاجر. ثم، وبدون قصد مسبق، أصبحت المصدر الأساسي لأخبار المعارضة، بسبب وجودنا في مكان واحد، ثم التصنيف الذي اعتمدته حكومة الإنقاذ للصحيفة باعتبارها معادية.

كما تحولت بعد فترة قصيرة إلى أهم منبر حوار فكري وسياسي سوداني؛ فعلى صفحاتها انشقت أحزاب، وتكوّنت أحزاب وتحالفات، ثم انفضّت.

عندما انشق الخاتم عدلان وخالد الكد من الحزب الشيوعي، كان هناك حوار تمهيدي مع الخاتم أجراه الأستاذ بدر الدين حسن علي، ثم قدم لنا الأستاذ معاوية حسن يس من لندن تغطية واسعة للمؤتمر الصحفي. وبعد حضور الخاتم والباقر العفيف إلى القاهرة، أجريت معهما حوارًا مطولًا من أربع حلقات، كان سببًا في غضب أستاذي التجاني الطيب مني ومقاطعته لي لفترة.
جاءت المصالحة بعد شهور؛ إذ جلست بجانبه في ندوة بدار التجمع، فمال عليّ وسألني: إنت بعد خليت الناصريين مشيت حق..؟” أجبته: “لا.” “خاتي رأسك مع ناس حق؟” قلت: “لا، الخاتم صاحبك؟.” هنا أجبته: “نعم.”
هزّ رأسه وابتسم ابتسامة خفيفة، فعرفت أنها علامة انتهاء الخصام. والحقيقة أنني كنت أعرف الخاتم والتقيته أول خروجه من السودان، لكن موضوع “الصحوبية” كان ادعاءً من جانبي.
كانت هناك تيارات متقاطعة من الاتحاديين في القاهرة والخليج، وبحكم تاريخ الدكتور الباقر أحمد عبد الله في الحزب الاتحادي كانوا يتصرفون باعتبار الصحيفة ملكًا للاتحاديين، ويغضبون من المواد الناقدة للحزب وقياداته، وتتوالى شكاواهم منا للباقر.

أذكر أنني كتبت مقالًا ساخنًا ضد السيد أحمد الميرغني ردًا على تصريح له، فاتصل بي الدكتور الباقر من جدة صائحًا:
“يا أخي أحرجتوني مع كل الاتحاديين وما خليتوا لي وجه أقابلهم به.. كمان وصلت بيت مولانا الميرغني؟”

كان مكتبنا بالخرطوم يقوم بعمل خارق؛ يتقصّون الأخبار بطريقة صعبة، ويأخذون التقارير والمستندات الحكومية العادية ويصنعون منها تقارير إخبارية مدعمة بالمعلومات والإحصائيات. وأذكر سلسلة تقارير عن انهيار القطاعات الصناعية المختلفة: الزيوت، الجلود، الصناعات الغذائية، السكر… إلخ، كادت أن تقودهم إلى السجن رغم أنها مأخوذة من تقارير حكومية ملقاة على أرفف المكاتب.
وعندما انعقد مؤتمر القضايا المصيرية في يونيو 1995، كنت مع الصديق فتحي الضو، المقيم في أسمرا مراسلًا لعدد من الصحف والقنوات العربية، الصحفيين الوحيدين اللذين حضرا بصفتهما الاحترافية، بينما كان هناك صحفيون آخرون جزءًا من الوفود الحزبية المشاركة في الاجتماع.

كان كل صحفيي الجريدة لهم مواقف معارضة للإنقاذ بدرجات مختلفة، لكن رغم ذلك كنا نحاول أن نقدم عملًا مهنيًا معقولًا ومقبولًا، وإن لم يخلُ الأمر من التباسات هنا وهناك.
أذكر أنه وعلى هامش مؤتمر القضايا المصيرية جاء الخاتم عدلان وقدم طلبًا للانضمام للتجمع الوطني، وكذلك فعل الدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى باسم اتحاد القوى الوطنية الديمقراطية، لكن تم رفض طلبهما.
أجريت معهما حوارًا حول الموضوع وردّهما على قرار الرفض، وقد أشارا، من باب المفارقة، إلى أنهما الوحيدان الموقعان على ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي بالداخل في أكتوبر 1989؛ حيث وقع الخاتم عن الحزب الشيوعي، ومحمد يوسف عن اتحاد القوى، بينما وقع عن الأحزاب الأخرى شخصيات لم تكن حاضرة في مؤتمر أسمرا.

ما إن نُشرت المقابلة حتى وصلت قصاصات منها إلى المؤتمرين في أسمرا، وانهالوا عليّ باللوم والعتاب، واتهمني البعض بمحاولة تخريب المؤتمر و”عدم الالتزام بقرار قيادة التجمع”.
أخذت وقتًا لمناقشة من كان يمكنني مناقشتهم بأنني صحفي وهذا عملي، وأنني رغم تأييدي للتجمع كموقف سياسي، إلا أن لدي التزامًا تجاه القارئ وتجاه المجتمع السوداني، وأنني تخليت عن أي التزام حزبي لأتفرغ للعمل الصحفي.

استمرت التداعيات، وهي مشروع كتاب بالمناسبة، لكن سنختم هذه الكتابة غدًا.
(كما توقعت وصلني أكثر من صوت لوم من أصدقاء وزملاء أعزاء على أنني تغافلت عن بعض الزملاء والكتاب ولم أشر إليهم، وأعترف بأنني قطعًا فعلت هذا من غير تعمد.. فضيق المساحة، وضعف الذاكرة، والعجلة، والكتابة عفو الخاطر تورد المهالك.. أرجو أن يقبلوا اعتذاري).

الصور:
التجاني الطيب، الخاتم عدلان، دكتور محمد يوسف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *