الخميس, مارس 19, 2026
أخبارسياسة

جيل على حافة الضياع: حرمان 280 ألف طالب من حقهم في التعليم

كتب: حسين سعد

في بلدٍ كان التعليم فيه يومًا بوابةً للنجاة من الفقر والنزاعات، باتت الفصول الدراسية اليوم صامتة، والسبورات خاوية، والأحلام معلّقة على حافة المجهول. في بلادي ، لم تعد الحرب مجرد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى معولٍ يهدم مستقبل جيلٍ كامل، حُرم من أبسط حقوقه الإنسانية: الحق في التعليم. خلف كل رقم من أرقام الضحايا، هناك قصة طالبٍ كان يحلم بأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا، أو محاميا فإذا به اليوم يواجه مصيرًا غامضًا بلا مدرسة ولا امتحان ولا أفق واضح.

في هذا السياق، دُشّنت مساء الثلاثاء المبادرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية 2026” عبر مؤتمر صحفي، في خطوة وُصفت بأنها لحظة فارقة في تاريخ التعليم بالسودان، حيث تستهدف معالجة أوضاع نحو 280 ألف طالب وطالبة حُرموا من الجلوس للامتحانات لثلاث سنوات متتالية بسبب الحرب. هذا الرقمٌ لا يعكس فقط حجم الأزمة، بل يكشف عن كارثة إنسانية تتجاوز حدود التعليم إلى تهديد النسيج الاجتماعي برمته.

المبادرة، بحسب القائمين عليها، ليست مجرد استجابة طارئة، بل صرخة وطنية في وجه الانهيار. فقد أكد الأستاذ شمس الدين ضو البيت في افتتاح المؤتمر أن ما يجري يتطلب تحركًا عاجلًا يتجاوز الحسابات الضيقة، مشددًا على أن إنقاذ العام الدراسي والامتحانات يمثل واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا. ودعا إلى ضرورة توافق جميع الأطراف لضمان انعقاد الامتحانات في بيئات آمنة، أينما وُجد الطلاب، في ظل واقع النزوح والتشتت الذي تعيشه البلاد.

وطالب ضو البيت، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته المبادرةإسفيريًا، بتأجيل امتحانات الشهادة المقرر إقامتها في أبريل المقبل إلى حين التوصل إلى اتفاق حول إقامتها في جميع أرجاء البلاد.

ودعا جميع الجهات إلى السماح للتلاميذ والتلميذات بالجلوس لامتحانات الشهادة في مناطقهم،
وأوضح أن العملية التعليمية هي الأولى والأحق بالتوصل حولها إلى اتفاقات.

وأكد أن المبادرة درست جميع الخيارات اللازمة لجلوس التلاميذ لامتحانات الشهادة هذا العام، وتوصلت إلى أن الخيار الوحيد المناسب هو إقامة مراكز للامتحانات في جميع مناطق وجود الطلاب. وأشار إلى إمكانية تنفيذ هذا الخيار والاستفادة من معالجات سابقة تمت في هذا الشأن.
كما أكد شمس الدين ضو البيت أن هناك منظمات دولية عاملة في مجال التعليم يمكن أن تساهم في هذا الأمر.
ودعا جميع الأطراف إلى التوقيع على مذكرة أعدتها المبادرة حول هذا الأمر.

لكن الأزمة، كما أوضح الدكتور صديق أمبدة ، ليست وليدة الحرب وحدها، بل هي امتداد لتراكمات تاريخية من التهميش وعدم العدالة في توزيع فرص التعليم بين المركز والأقاليم. فالحرب لم تخلق الأزمة بقدر ما كشفت هشاشتها، وعمّقت فجواتها. وحذّر أمبدة من أن استمرار حرمان هذا العدد الهائل من الطلاب من حقهم في التعليم لن يؤدي فقط إلى ضياع مستقبلهم، بل سيُعيد إنتاج الصراع ذاته في أشكال أكثر تعقيدًا وخطورة.

وتزداد الصورة قتامة عندما نعلم أن نحو 65% من المتضررين هن من الفتيات، ما يعكس حجم التأثير الاجتماعي العميق للأزمة. فحرمان الفتيات من التعليم لا يعني فقط فقدانهن للفرص، بل يفتح الباب أمام ظواهر خطيرة مثل زواج القاصرات، ويقوّض مكتسبات طويلة في مجال تمكين المرأة. وفي مناطق مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق، تتقاطع مأساة التعليم مع واقع هشّ يتسم بتنامي الجريمة، والتجنيد القسري، وانعدام الحماية.

وأوضح صديق أمبدة إن الأزمة الحالية أسبابها متعددة، وأهمها التفاوت في التعليم. وأضاف في عام ١٩٨٥ كانت نسبة الاستيعاب للثانوي في كل من الخرطوم والإقليم الشمالي حوالي اربعة في الميه و في دارفور كانت النسبة سبعة في المية.

وقال إن طلاب الخرطوم فقط في كلية الطب جامعة الخرطوم كانوا ٦٩٪؜ مقابل ٩٪؜ لولايات دارفور وكردفان والشرق و سنار مجتمعة ) وتابع ( ⁠وفي الصيدلة جامعة الخرطوم طلاب الخرطوم 60٪؜ (ستين في المائة) مقابل ٨،٧% لولايات دارفور و كردفان والشرقي ، وفي هندسة الخرطوم ٧٣٪؜ من الخرطوم و ٩٪؜ من ولايات دارفور وكردفان والشرق وسنار مجتمعة.

⁠واكد تقرير لليونسيف عام ٢.١٤ أن عدد الأطفال في عمر التعليم وهم خارج المدرسة ٣ مليون طفل، اما بالنسبة للرحل تحديدا فان نحو ٧٦٪؜ من أطفالهم في عمر المدرسة هم خارج المدرسة.

وحذر عدد من المتحدثين من أن يؤدي حرمان التلاميذ من الجلوس لامتحانات الشهادة إلى تزايد ظاهرة زواج القاصرات وتفشي المخدرات والتجنيد وغيرها، كما حذروا من أن عقد امتحانين للشهادة الثانوية قد يكرّس لانقسام البلاد.

ويرى مدافعون عن حقوق الإنسان إن ما يحدث في السودان اليوم يمثل انتهاكًا صارخًا لواحد من أهم الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية، وهو الحق في التعليم. فهذا الحق لا يسقط في أوقات الحرب، بل يصبح أكثر إلحاحًا، باعتباره وسيلة للحماية وبناء السلام. وعندما يُحرم مئات الآلاف من الطلاب من الجلوس للامتحانات، فإن ذلك لا يعني فقط تعطيل مسارهم الأكاديمي، بل انتزاع جزء من إنسانيتهم وكرامتهم.

وفي محاولة لتدارك الكارثة، كشف منظمو المبادرة عن تحركات للتواصل مع منظمات دولية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، من أجل دعم إجراء الامتحانات بصورة عادلة، إلى جانب فتح قنوات تواصل مع أطراف النزاع والقوى السياسية لتأمين العملية التعليمية. كما دعت المبادرة إلى تأجيل الامتحانات المعلنة مؤقتًا، لإتاحة الفرصة لتنظيم امتحان موحد يضمن تكافؤ الفرص لجميع الطلاب، بعيدًا عن الانقسام والتسييس.

وفي ختام المؤتمر، ارتفعت الأصوات بنداء وطني جامع، موجّه إلى القوى السياسية والمجتمعية والإعلامية، بضرورة الالتفاف حول قضية التعليم باعتبارها أولوية لا تحتمل التأجيل أو المساومة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في ميادين القتال، بل في إنقاذ عقول وقلوب هذا الجيل من الضياع.

في السودان اليوم، لا يحتاج الطلاب إلى معجزات، بل إلى فرصة عادلة ليجلسوا على مقاعد الامتحان، ويكتبوا أسماءهم في دفاتر المستقبل بدلًا من أن تُكتب أسماؤهم في سجلات الضياع. إن إنقاذ التعليم ليس ترفًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل هو معركة كرامة وحق وحياة. فإما أن ينتصر المجتمع لحق أبنائه في التعلم، أو يتركهم فريسةً لحربٍ لا ترحم… ولا تترك خلفها سوى جيلٍ مكسور الحلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *