الري في مشروع الجزيرة الماضي والحاضر والمستقبل والحلول (13)
كتب: حسين سعد
لم يكن الري في مشروع الجزيرة والمناقل مجرّد قنوات ماء تشقّ الأرض، بل كان شريان حياةٍ نابضًا، به قامت القرى، واستقرت الأسر، وتعلّم الناس أن يثقوا في انتظام المواسم كما يثقون في شروق الشمس. كان الماء يصل الحقل في موعده، هادئًا وواضحًا، فتزدهر الزراعة وتتماسك العلاقة القديمة بين الإنسان والنيل والأرض. غير أن هذا الشريان، مع مرور الزمن، أُهمل حتى اختنق، وتحوّل من رمزٍ للتنظيم والدقة إلى شاهدٍ صامت على التخريب والفوضى.
اليوم، تقف ترع وقنوات المشروع مثقلة بالطمي، محاصَرة بالحشائش، ومغلقة في كثير من مقاطعها، لا لقلّة الماء، بل لغياب الإرادة والصيانة. الماء موجود، لكن الطريق إليه مسدود. مواسم تمرّ، والمزارع ينتظر، بينما القنوات التي صُممت بعناية هندسية فريدة تُترك لتنهار تحت وطأة الإهمال، ويُفرّغ نظام الري من روحه التي جعلته يومًا أحد أعظم مشاريع الري الانسيابي في العالم.
هذه الورقة لا تنظر إلى الري بوصفه مسألة فنية فقط، بل كقضية عدالة وحقوق ومعيشة. فهي تحاول تفكيك كيف تم تخريب نظام الري في مشروع الجزيرة والمناقل، وكيف أدى تراكم الطمي وانتشار الحشائش وعدم نظافة الترع والقنوات إلى تعطيش الحقول، وخسارة المحاصيل، وإفقار المزارعين، وتهديد الاستقرار الاجتماعي نفسه. إنها قصة ماءٍ مُهدَر، وأرضٍ عطشى، ونظامٍ كان قادرًا على الإعطاء، لو لم يُترك ليموت ببطء
في هذه الحلقة نستعرض ورقة دكتور عادل محمد الخضر (ادارة الري في مشروع الجزيرة الماضي والحاضر والمستقبل والحلول ) التي قدمها في مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل في العام 2025م التي نفذها موقع الاقتصادي السوداني بالتضامن مع المركز السوداني الأمريكي للبحوث والدراسات الاقتصادية تحت شعار (مشروع الجزيرة الحصيلة والوجهة بعد مرور مئة عام من المسير ) يعتبر مشروع الجزيرة من أكبر المشروعات الزراعية المروية في إفريقيا والعالم، وقد أنشئ في السودان خلال فترة الحكم الثنائي عام 1925م بهدف زراعة القطن كمحصول نقدي رئيسي لتزويد مصانع النسيج البريطانية. يقع المشروع بين النيلين الأزرق والأبيض في مساحة تقارب 2.2 ملي ون فدان، ويعتمد على الري الانسيابي من خزان سنار عبر شبكة واسعة من القنوات الرئيسية والفرعية، يتميز المشروع بتنوع إنتاجه الزراعي، حيث يشمل القطن، القمح، الذرة، الفول السوداني ،إضافة إل محاصيل الخضر والفاكهة. كما أنه كان نموذجا متقدما لنظم الري والانضباط الإداري والاقتصادي، مما جعله أحد أعمدة الاقتصاد السوداني لعقود طويلة ، إلا أن المشروع تعرض في العقود الأخيرة لتدهور نتيجة مشكلات إدارية وتمويلية، وضعف الصيانة لشبكات الري، وتراجع الاهتمام الحكومي، مما أدى إل انخفاض الإنتاجية وتراجع دوره الاقتصادي. في هذه الورقة تم عرض مقترحات لتطوير وتحديث منظومة الري من تحسين نظام الري الحقلي، تحديث نظام التحكم في البوابات والمنظمات، وتطوير نظام تحديد وتطبيق طلبيات احتياجات الري في
المشروع وأخيرا العمل بنظام المتابعة والتقييم لعمليات الري بواسطة الأقمار الصناعية.
الكلمات المفتاحية:
مشروع الجزيرة الزراعة الروية الري الانسيابي التدهور الاداري تطوير وتحديث. وفي عام 1911 م تم عمل مزرعة استطلاعية لزراعة القطن بمنطقة طيبة شمال مدينة ود مدني مساحة قدرها 600 فدانا تروى بالطلمبات وتم استئجار الأراضي من السكان المحليينن وفي عام 1914 بعد نجاح التجربة الزراعية بمنطقة طيبة، تم بناء محطة ضخ أخرى في بركات 12 ميلا جنوب طيبة، بدأت المساحة في الازدياد عام بعد آخر حتي بلغت المساحة 22 ألف فدان في عام 1924.
تم افتتاح خزان سنار في عام 1925 ووصلت المساحة المروية في تلك المرحلة الي 300 ألف فدان ن وازدادت المساحة المروية حتى بلغت المليون فدان في عام 1943
زادت مساحة المشروع تدريجيا حتى حدثت القفزة الكبرى باكتمال امتداد المناقل في عام
1962 حيث تضاعفت المساحة ووصلت الي 2.2مليون فدان وصار المشروع يعرف بمشروع الجزيرة والمناقل، تم تصميم قنوات الري بحيث يتم ري نسبة محددة من الأراضي مثلا في حالة قطاع الجزيرة فإن نصف المساحات) 50%( فقط يمكن أن تروى خلال العروة، وقطاع المناقل ثلثي المساحة
)66%( وأي زيادة عن هذه النسبة تؤدي الي اختلال المنظومة.
• تم ضبط كمية مياه الري وفق حسابات هندسية دقيقة حسب المساحات المزروعة لكل ترعة.
2.1 ما هي الخطة الإستراتيجية لمشروع الجزيرة؟
تمهيد: مشروع الجزيرة لا يمتلك خطة استراتيجي ة
• ادارة مشروع الجزيرة كلفت المهندس الزراعي سامي حسن محمد برئاسة فريق يتكون من ممثلين من( ادارة مشروع الجزيرة، وزارة الري ولاية الجزيرة، المزارعين، جامعة الجزيرة والقطاع الخاص ) للقيام بعمل الTOR للخطة الاستراتيجية لمشروع الجزيرة لطرحه لبيوت خبرة متخصصة .
• الخطة الاستراتيجية لمشروع الجزيرة ضرورية لتحقيق الاتي /
i. وضع رؤية تحقق احلام المزارعين وكل الشركاء) الإدارة، الزراعيين ، المهندسين، والمزارعين، القطاع الخاص(. كما تجمع وتوحد كل العاملين على تحقيق هدف واحد .
ii. إيجاد التناغم والتنسيق والانسجام بين وظائف الإدارات المختلفة كجسم واحد.
iii. يعمل على حل جميع المشاكل من جذورها:
iv. معالجة ضعف الإنتاجية + تعزيز زيادة العائدات + زيادة كفاءة الري .
2- الوضع الراهن للري بالمشروع
2.1 انهيار البنية التحتية للمشروع
• تعرض مشروع الجزيرة لانهيار شبه تام للبنية التحتية
• فقدان الكادر الفني تقرير لجنة 2013 يتلخص في الاني:
i. تعرضت الادارة الزراعية للهيكلة المخلة حيث يتكون المشروع من
114تفتيش زراعي بعدد كلي 433 من الزراعيين ii.
تم تقليص العدد من 433 الي 48 زراعي في عام 2009.
iii. وتقليصه مرة اخري من 48 الي 21 زراعي في عام 2011.
iv. زاد العدد في 2018 الي حوالي 145 زراعي في الغيط )مدراء اقسام 18
+ 118زراعي لكل تفتيش + اخصائيي وقاية وارشاد(
. شبكات الري والصرف، وتتكون من الاتي
➢ :الشبكة العليا ويقصد بها الشبكة الناقلة (الترع ‘الرئيسة والفروع والمواجر).
➢ الشبكة الدنيا ويقصد بها الشبكة الموزعة (الترع الفرعية والدبلات
➢ القنوات الحقلية ويقصد بها القنوات المباشرة للحقل (أبوعشرين وأبوستة
➢ شبكة المصارف بأنواعها المختلفة من مصارف حماية ومصارف جامعة
وطالبت الورقة بتحديد هوية المشروع : تنموي ، ، تابع للدولة ام استثماري قطاع خاص شركة كما في الماضي، ووضع الخطة الاستراتيجية وربطها بالبرنامج الوطني ضرورة تمليه علينا حل مشاكل مشرو الجزيرة والمناقل بصورة متكاملة وكما انها تجمع وتوحد كل العاملين على تحقيق هدف واحد، لنظر في الاسباب التي أدت الي حدوث أي مشكلة فنية مثلا: ما هو دور كل من المزارع ، والمهندس ألزراعي, ومهندس الري ( مستخدمين أداة تحليل جذور المشكلة ، وإعادة النظر في كيفية عمل البنيات الاساسية بصورة متكاملة للمشروع مثل ادارة الهندسة الزراعية ودورها في تحضير الأراضي وكفاءة عمليات الري، وإنشاء الهيكل التنظيمي لتحديد مسئوليات كل من المزارع والزراعي ومهندس الري وغيرهم.
إعادة تنظيم تنظيمات المزارعين، لاسيما هناك كثير من المساحات مزروعة خارج الدورة الزراعية والتي تستهلك كميات مياه زائدة عن المياه المخصصة للمحصول او المحاصيل. في المنطقة المعينة وهذا يؤدي الي عطش مناطق اخري لان الحصص المخصصة لها تصلها ناقصة. وانهيار البنية التحتية لمشروع الجزيرة مثل سكك حديد الجزيرة والهندسة الزراعية والمحالج وكذلك منظومة الري والتي تشمل قنوات الري ومنشئات التحكم لمياه الري. وشددت الورقة علي ضرورة إعادة المفتشين الزراعيين بعدد حوالي 433 وهو العدد المطلوب لتغطية العدد الكلي للتفاتيش الزراعية، وهي 114 تفتيش وذلك لضبط المساحات المزروعة وضبط التركيبة المحصولية وضبط ادارة المياه على مستوي الحقل ومن اجل تفصيل نظام الطلبيات وفق الاسس المطلوبة، ومراجعة قوانين التشغيل للقناطر المختلفة وكل بوابات منشئات الري الأخرى.
الحل الجذري لمشاكل الري
طالبت الورقة بتفعيل دور المفتشين الزراعيين كما موضح اعلاه، وإعادة تنظيم تنظيمات المزارعين
الزام المزارعين بزراعة المساحات المصدقة حسب التركيبة المحصولية وحسب مواعي د الزراعة المحددة. كما يجب تقييد المزارعين بزراعة النمرة في وقت واحد ومحصول واحد على ان تتم عملية ري النمرة في فترة اقصاها اسبوع على أن يتم التناوب في الري مع نمرة اخري، وادخال عملية التسطيح للأرض الزراعية (Land Leveling) وإلزام مهندسي الري بتنفيذ طلبات مياه الري في الوقت والمكان المطلوبين.
التوصيات
وفي ختام الورقة أوصت بإجراء عمل مسح أولي (لتحديد مستوي التدخلات) ثم بعد ذلك عمل دراسة فنية تغطي مرحلتي التأهيل والتحديث لمشروع الجزيرة والمناقل لتحقيق الاهداف الأتية/
زيادة الكثافة المحصولية لمشروع الجزيرة ( مثلا من 05% الي 75%) ولمشروع المناقل ) مثلا من
6.66% الي 100%، وهذا يتطلب:
أ- زيادة السعة التصميمية لترعتي الجزيرة والمناقل الرئيسيتين واعادة تصميمهما.
ب- اعادة تصميم كل منشئات الري والقنوات في المشروعين .
ت- يمكن ان تكون الدراسة الفنية للمشروعين كاملة لكن يمكن ان ينفذ مشروع الجزيرة اولا —
2- مرحلة التحديث الأولي: يمكن ان تشمل مرحلة التحديث مشروع الجزيرة فقط والتي تتضمن الاتي /
i. تطوير وتحديث نظام الري الحقلي وذلك بعد دراسة مستفيضة
ii. ادخال نظام التحكم الالي أو الهايدروميكانيكي لمنشئات الري التي تقع علي طول القناة الرئيسية فقط.
iii. بالإضافة لإدخال نظام التحكم الالي أو الهايدروميكانيكي لمنشئات الري لاحد المواجر بكل
فروعة (كمرحلة اولي) على ان تشمل باقي المشروع (كمرحلة ثانية )
3- مرحلة التحديث الثانية: يمكن ان تشمل مرحلة التحديث الثانية لمشروع الجزيرة ادخال نظام التحكم الالي لبوابات التحكم عند خزان سنار لترعتي الجزيرة 14(بوابه) والمناقل 11(بوابة)
4- مرحلة التأهيل : يمكن ان تشمل مرحلة التأهيل لمشروع المناقل و باقي مشروع الجزيرة علي ان يتضمن الاتي:/
i. تطوير وتحديث نظام الري الحقلي لمشروع المناقل ذلك بعد دراسة مستفيضة ايضا.
ii. زيادة السعة التصميمية لمنشئا ت الري والقنوات في مشروع الجزيرة واعادة تصميمها وتأهيلها نسبة لزيادة الكثافة المحصولية
iii. يمكن تأهيل منشئات الري في مشروع المناقل بالقيم التصميمية الجديدة بعد زيادة الكثافة المحص ولية.
.يمكن العمل بنظام المتابعة و التقييم لعمليات الري بواسطة الاقمار الصناعية
لمشروع الجزيرة و المناقل بعد تحديث نظام الري الحقلي و الغاء نظام الانقايا
لزيادة كفاءة الري في مشروع الجزيرة و المناقل لابد من التركيز علي بناء القدرات و التدريب علي مستوي مهندسي الري و الزراعيين و حتي المزارعين في اطار روابط مستخدمي المياه. ولتطوير و تحديث المشروع لابد من عمل دراسات فنية علي المستوي الهندسي والمستوي الزراعي (يتبع)

