اقتصاد المعرفة: من الثروة التقليدية إلى ثروة العقل والابتكار (1)
كتب: حسين سعد
صدر مؤخراً عن المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني كتاب جديد للأستاذة الجامعية الدكتورة بخيتة محمد عثمان بعنوان “اقتصاد المعرفة ومتطلبات تحقيقه”، وهو عمل أكاديمي يناقش أحد أبرز التحولات الاقتصادية في العصر الحديث.
في مقدمة كتابها، تؤكد المؤلفة أن المعرفة أصبحت اليوم ثروة دائمة التأثير لا تنضب، ما دام العقل البشري قادراً على الابتكار والتجديد. وهذا ما جعلها تتحول إلى عنصر أساسي في اقتصاد الدول، لما لها من تأثير مباشر على قيمة المنتجات والخدمات. ومن هنا ظهر مفهوم “اقتصاد المعرفة” الذي يعتمد على المعرفة كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي، ويُعد إضافة مهمة للأطر النظرية والتطبيقية في الفكر الاقتصادي الحديث.
وتوضح الدكتورة بخيتة أن العالم ما يزال يعاني من تقسيم غير عادل بين دول متقدمة تمتلك التكنولوجيا والصناعة، ودول نامية وأقل نمواً تعتمد على تصدير المواد الخام بأبخس الأسعار، ثم تستورد المنتجات المصنعة بتكاليف عالية. وقد أدى هذا الواقع إلى تعميق الفجوة التنموية، وإبقاء كثير من الدول النامية في دائرة التبعية، إضافة إلى هجرة العقول نحو الدول المتقدمة بحثاً عن فرص أفضل.
وترى المؤلفة أن تجاوز هذه الإشكالات لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تبني اقتصاد المعرفة، باعتباره مدخلاً أساسياً للتنمية، يقوم على توظيف المعرفة والتكنولوجيا في إنتاج سلع وخدمات مبتكرة ذات قيمة مضافة عالية، تفوق في كثير من الأحيان قيمة الثروات الطبيعية التقليدية.
وتضيف أن هذا الكتاب يأتي كمساهمة علمية موجهة لطلاب الاقتصاد والباحثين وصناع القرار، بهدف تعزيز الوعي بمفهوم اقتصاد المعرفة ومتطلبات تطبيقه، خاصة في الدول النامية التي تحتاج إلى نماذج اقتصادية جديدة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة واللحاق بركب التقدم.
كما تشير إلى أن الدافع الأساسي لتأليف الكتاب يتمثل في محدودية الدراسات السودانية في هذا المجال، إلى جانب إدراج اقتصاد المعرفة حديثاً ضمن مقررات التعليم العالي، فضلاً عن أهميته في مواجهة الأزمات الاقتصادية المزمنة التي يعاني منها السودان منذ الاستقلال، وفشل النماذج الاقتصادية التقليدية في تحقيق التنمية المنشودة.
ويضم الكتاب عشرة فصول، حيث يتناول الفصل الأول مفاهيم اقتصاد المعرفة من حيث التعريف والأهداف والخصائص والأهمية. ويستعرض الفصل الثاني نشأة وتطور المفهوم والفروق بين الاقتصاد التقليدي واقتصاد المعرفة. بينما يناقش الفصل الثالث مؤشرات بناء اقتصاد المعرفة والعوامل المؤثرة فيه.
أما الفصل الرابع فيركز على أسس ومقومات الاقتصاد المعرفي، في حين يتناول الفصل الخامس علاقة تكنولوجيا المعلومات باقتصاد المعرفة وتطبيقاتها في مجالات الإنتاج والتجارة والإدارة. ويعرض الفصل السادس أثر تكنولوجيا المعلومات على الدخل والإنتاجية وسوق العمل.
وفي الفصل السابع يناقش الكتاب علاقة اقتصاد المعرفة بالأنشطة الاقتصادية المختلفة، بينما يقدم الفصل الثامن نماذج وتجارب دولية ناجحة في هذا المجال. أما الفصلان التاسع والعاشر فيتناولان واقع تطبيق اقتصاد المعرفة في السودان، ومعوقاته، ومتطلبات نجاحه كمدخل أساسي لإصلاح الاقتصاد الوطني.
أولاً: مفهوم اقتصاد المعرفة اقتصاد المعرفة هو الاقتصاد الذي يقوم على إنتاج المعرفة وتوظيفها ونشرها بكفاءة في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وهو اقتصاد لا تقوم قيمته على الندرة، بل على القدرة المستمرة على الابتكار والتجديد.
ويُعد المعرفة فيه المورد الأساسي للنمو، حيث تتحول الأفكار والمعلومات إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة عالية. ويمكن التمييز بين “اقتصاد المعرفة” الذي يركز على إنتاج المعرفة، و“الاقتصاد القائم على المعرفة” الذي يركز على توظيفها في مختلف القطاعات.
ثانياً: أهداف اقتصاد المعرفة يهدف هذا الاقتصاد إلى تطوير القطاعات التقليدية عبر إدخال التكنولوجيا، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال، وزيادة القدرة التنافسية، وتحسين جودة الإنتاج والخدمات، إضافة إلى دعم الاستثمار في رأس المال البشري وبناء اقتصاد مرن قادر على التكيف مع المتغيرات العالمية.
ثالثاً: أركان اقتصاد المعرفة يقوم على أربعة أركان رئيسية: النظام المؤسسي، رأس المال البشري، البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، وأنظمة الابتكار، حيث يشكل التكامل بينها أساس بناء اقتصاد معرفي فعّال.
رابعاً: خصائصه يتميز اقتصاد المعرفة بأنه قائم على مورد غير ناضب، ويعتمد على الإبداع والابتكار، ويتسم بسرعة التغير والانفتاح العالمي، مع تراجع أهمية الحدود الجغرافية، وارتفاع دور المعرفة في الإنتاج.
خامساً: عناصره تشمل عناصره البنية التحتية الرقمية، نظم المعلومات، التجارة الإلكترونية، المؤسسات البحثية، والقوى العاملة المؤهلة، إضافة إلى عنصر الإبداع الذي يشكل جوهر العملية الإنتاجية.
سادساً: أهميته تبرز أهمية اقتصاد المعرفة في رفع الإنتاجية، خلق فرص عمل جديدة، زيادة الدخل القومي، تطوير التعليم وربطه بسوق العمل، وتعزيز الابتكار، بما يؤدي إلى تحول هيكلي في الاقتصاد الوطني (يتبع)

