السبت, يونيو 20, 2026
تقاريرسياسة

التعليم في مهب الحرب.. إضرابات المعلمين تكشف عمق الانهيار الاقتصادي في السودان

تقرير: حسين سعد

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، لم يعد قطاع التعليم مجرد ضحية جانبية للصراع، بل أصبح أحد أبرز تجليات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي يضرب البلاد. فالمعلمون، الذين يُفترض أن يشكلوا خط الدفاع الأول عن الوعي وبناء المستقبل، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة أزمة معيشية خانقة دفعت الآلاف منهم إلى الإضراب والاحتجاج للمطالبة بحقوقهم الأساسية.

وفي ظل تراجع مؤسسات الدولة وتآكل قدرتها على توفير الحد الأدنى من الحماية الاقتصادية للعاملين، تحوّل المعلم إلى موظف يكافح من أجل تأمين احتياجاته اليومية، بينما تتسع الفجوة بين تكلفة المعيشة والأجور بصورة غير مسبوقة. وبين مدارس مغلقة وفصول دراسية شبه خالية، تتكشف أزمة تتجاوز مطالب تحسين الرواتب لتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل التعليم في السودان.

تصعيد متسارع للإضرابات
خلال الأسابيع الأخيرة، اتسعت رقعة الاحتجاجات التعليمية في ولايات الجزيرة وكسلا والخرطوم، وسط مطالبات بتحسين الأجور وصرف المستحقات المالية المتأخرة، في وقت تتهم فيه لجان المعلمين السلطات باللجوء إلى الإجراءات الإدارية والأمنية بدلاً من معالجة جذور الأزمة.

وفي ولاية الجزيرة، دخل المعلمون في إضراب تدريجي منذ 14 يونيو 2026، مع اتجاه واضح نحو إضراب مفتوح. وتزامن ذلك مع قرارات شملت نقل 84 معلماً ومعلمة وإعفاء أكثر من 20 مدير مدرسة، وهي إجراءات اعتبرتها لجنة المعلمين السودانيين محاولة للضغط على الحراك المطلبي، بينما تؤكد السلطات أن القرارات ذات طابع إداري ولا ترتبط بالإضراب.

من جانبها، شددت منصة إعلام معلمي الجزيرة على أن القضية في جوهرها قضية حقوقية ومعيشية تتعلق بالأجور والمستحقات المتأخرة، وليست مرتبطة بالمناصب أو المواقع الإدارية.

أما في ولاية كسلا، فقد شمل الإضراب أكثر من 700 مدرسة بمشاركة آلاف المعلمين، وسط نسب التزام مرتفعة، حيث يؤكد المعلمون أن الأجور الحالية لم تعد تغطي حتى تكاليف المواصلات اليومية.

انهيار الأجور وتآكل القدرة الشرائية
تتزامن هذه الاحتجاجات مع تدهور اقتصادي واسع النطاق. فقد حذر مكتب النقابات بتحالف قوى التغيير الجذري من تفاقم الأزمة المعيشية نتيجة الحرب، مشيراً إلى أن ملايين العاملين أصبحوا عاجزين عن توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء والسكن.

وحمّل المكتب ما وصفه بـ”حكومة الأمر الواقع” مسؤولية استمرار التدهور الاقتصادي، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة الوطنية وتعدد الرسوم والجبايات دفعت شرائح واسعة من المواطنين نحو دائرة الفقر.

وتكشف بيانات لجنة المعلمين عن حجم الأزمة بصورة أكثر وضوحاً؛ إذ تراجعت رواتب المعلمين لتتراوح بين 17 و49 دولاراً شهرياً، مقارنة بما كان يعادل بين 181 و498 دولاراً قبل عام 2022، ما يعني فقدان أكثر من 90 في المئة من القيمة الحقيقية للأجور.

وترى اللجنة أن هذا الانهيار الحاد في القوة الشرائية جعل الاستمرار في مهنة التعليم أمراً بالغ الصعوبة، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء والسكن والعلاج والخدمات الأساسية.

استدعاءات أمنية وتوتر متزايد
لم تتوقف الأزمة عند حدود المطالب الاقتصادية، بل امتدت إلى مواجهات بين المعلمين والسلطات.

ففي الثالث من يونيو 2026، استدعت الأجهزة الأمنية في ولاية كسلا رئيس لجنة المعلمين للتحقيق على خلفية نشاطه النقابي، وهي خطوة أثارت ردود فعل واسعة في الأوساط التعليمية.

وأكدت لجنة المعلمين تمسكها بالوسائل السلمية في الدفاع عن حقوق العاملين في القطاع، ورفضها لأي تضييق على العمل النقابي، مشددة على أن معالجة الأزمة يجب أن تتم عبر الحوار والتفاوض.

وفي 16 يونيو، استنكرت اللجنة تصريحات منسوبة إلى جهات أمنية بولاية الجزيرة، ووصفتها بأنها تهديدات غير مقبولة للمعلمين المضربين. وحذرت من أن تحويل المطالب المهنية إلى ملف أمني من شأنه تعقيد الأزمة بدلاً من حلها، مؤكدة أن الإضراب جاء بعد استنفاد جميع الوسائل السلمية المتاحة.

أزمة تتجاوز التعليم
بحلول 17 يونيو 2026، واصل المعلمون إضرابهم للأسبوع الثاني على التوالي، وسط التزام واسع أدى إلى تعطّل العملية التعليمية بصورة شبه كاملة في عدد من الولايات.

وتقول لجنة المعلمين إن هذا الحراك يعكس إرادة جماعية للدفاع عن الحقوق المهنية والمعيشية، مؤكدة أن الحل يكمن في الاستجابة العاجلة لمطالب تحسين الأجور وصرف المستحقات المتأخرة.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم اللجنة، سامي الباقر، إن الإجراءات الإدارية والأمنية المتخذة ضد بعض المعلمين، بما في ذلك النقل والإعفاء والاستدعاءات، لن تسهم في معالجة الأزمة، بل تعكس غياب حلول حقيقية لمطالب العاملين في القطاع.

وأضاف أن اللجان القانونية التي تم تشكيلها ستتابع أي إجراءات تستهدف المعلمين أو القيادات التعليمية، مؤكداً أن الإضراب جاء بعد استنفاد فرص الحوار كافة، وأن المعلمين سيواصلون تحركاتهم حتى تحقيق مطالبهم.

وأشار الباقر إلى أن القضية لم تعد مجرد مطالب مهنية، بل أصبحت مرتبطة بتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان مستقبل العملية التعليمية في البلاد.

مستقبل التعليم على المحك
تكشف الإضرابات المتصاعدة في قطاع التعليم أن الأزمة تجاوزت حدود الخلاف حول الرواتب والمستحقات المالية، لتصبح مؤشراً على اختلال أعمق في البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة تحت وطأة الحرب.

فالمعلمون الذين يُفترض أن يقودوا عملية إعادة بناء المجتمع بعد الحرب، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع معيشي قاسٍ، في ظل غياب سياسات فعالة تضمن استقرارهم المهني وتحافظ على استمرارية العملية التعليمية.

ومع اتساع رقعة الإضرابات وتزايد التوتر بين النقابات والسلطات، يبرز سؤال جوهري حول قدرة السودان على حماية حق ملايين الأطفال في التعليم. فاستمرار هذا الوضع ينذر بأزمة تعليمية طويلة الأمد قد تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الحرب نفسها.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو معالجة جذور الأزمة شرطاً أساسياً لأي استقرار مستقبلي، بدءاً من وقف الحرب، مروراً بإصلاح منظومة الأجور وتحسين شروط الخدمة، وانتهاءً بإعادة الاعتبار للتعليم باعتباره أولوية وطنية لا يمكن تأجيلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *