الجمعة, يوليو 31, 2026
تقاريرسياسة

السودان أمام اختبار العدالة… تقرير يوثق جرائم الحرب والإفلات من العقاب

تقرير: حسين سعد

لم تعد الحرب بالسودان التي دخلت عامها الرابع مجرد مواجهة بين أطراف مسلحة، بل أصبحت مأساة إنسانية مفتوحة، تتسع كل يوم لتبتلع مزيداً من الأرواح والذكريات والأحلام. خلف الأرقام الباردة ملايين القصص التي لم تُروي بعد؛ أطفال فقدوا أسرهم، ونساء نجون من العنف ليواجهن النزوح والجوع، وشيوخ رحلوا وهم ينتظرون دواءً لم يصل، ومدن وقرى تحولت إلى أطلال بعد أن كانت تضج بالحياة. وفي ظل هذا المشهد القاسي، لم يعد السؤال كم قتيلاً سقط، بل كم إنساناً فقد حقه في الحياة والكرامة والعدالة.

ومع استمرار الحرب لأكثر من ثلاثة أعوام، تتراكم الانتهاكات بوتيرة غير مسبوقة، بينما تتراجع قدرة مؤسسات الدولة على حماية المدنيين أو إنصاف الضحايا، وتتسع دائرة الإفلات من العقاب. وبينما تنشغل أطراف النزاع بحسابات الميدان، يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر من دمائهم ومستقبلهم، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والحقوقية تعقيداً في العالم.

في هذا السياق، تكتسب التقارير الحقوقية المستقلة أهمية استثنائية، لأنها لا تكتفي بإحصاء الضحايا أو توصيف الانتهاكات، بل تحفظ ذاكرة المجتمع من النسيان، وتمنح الضحايا صوتاً في مواجهة الصمت، وتضع الحقائق الموثقة أمام العدالة والرأي العام الدولي. فهي وثائق تُكتب بألم الناجين، وبشهادات الشهود، وبإصرار المدافعين عن حقوق الإنسان على أن الحقيقة يجب أن تُقال، وأن الجرائم لا ينبغي أن تُطمس مهما طال الزمن.

ومن هذا المنطلق، قدّم المرصد السوداني لحقوق الإنسان والمركز الأفريقي للعدالة والسلام تقريراً مشتركاً إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ضمن مراجعة السودان لعام 2026، كاشفاً عن سجل واسع من جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، ومقيّماً في الوقت نفسه مدى التزام السودان بتنفيذ تعهداته الدولية في مجال حقوق الإنسان، في وقت يقف فيه السودان في واحدة من أخطر محطاته التاريخية، حيث باتت العدالة نفسها إحدى أبرز ضحايا الحرب.

وأوضح التقرير، الذي صدر الخميس 30 يوليو 2026، أن الحرب الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في ظل تدخلات خارجية، أدت إلى انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة في مناطق واسعة، وتراجع منظومة حماية المدنيين، مع اتساع نطاق الإفلات من العقاب واستمرار الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

واستعرض التقرير مدى تنفيذ السودان للتوصيات التي تلقاها خلال الدورة الثالثة للاستعراض الدوري الشامل، والتي قُدمت للحكومة السودانية في أغسطس 2022، مشيراً إلى أن معظم تلك التوصيات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، بل إن أوضاع حقوق الإنسان شهدت تدهوراً غير مسبوق خلال سنوات الحرب.

واعتمد التقرير على شهادات مباشرة، وتحقيقات ميدانية، وتقارير صادرة عن منظمات محلية ودولية، لرصد الانتهاكات التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد، حيث وثق عمليات قصف جوي استهدفت مناطق مأهولة بالسكان في ولايات كردفان ودارفور والجزيرة، إلى جانب هجمات واسعة على المدن والقرى في ولاية الجزيرة، وما نتج عنها من سقوط ضحايا بين المدنيين ونزوح أعداد كبيرة من السكان.

كما وثق التقرير حالات التعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري في عدد من الولايات، إضافة إلى استخدام العنف الجنسي كسلاح من أسلحة الحرب في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان، فضلاً عن استخدام الحصار والتجويع ضد المدنيين في مدينتي الفاشر وكادوقلي، واستمرار تطبيق العقوبات القاسية، واستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بالقتل والاعتقال والتعذيب، مع تحديد الجهة المسؤولة عن كل انتهاك وفقاً للوقائع التي أوردها التقرير.

وأشار التقرير إلى أن السودان أخفق في تنفيذ التوصيات المتعلقة بإصلاح قطاع العدالة، وحماية المدنيين، ومكافحة الإفلات من العقاب، وضمان الحريات العامة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، لافتاً إلى أن مؤسسات العدالة شهدت تراجعاً كبيراً نتيجة الحرب، مع ضعف استقلال القضاء وتوقف عمل العديد من النيابات والمحاكم في مناطق النزاع.

كما أبدى التقرير قلقه من استمرار العمل بتشريعات وصفها بأنها مقيدة للحريات والحقوق الأساسية، من بينها قانون جهاز المخابرات المعدل عام 2024، إلى جانب قوانين أخرى تفرض عقوبات قاسية، الأمر الذي اعتبره عائقاً أمام الوفاء بالتزامات السودان الدولية في مجال حقوق الإنسان.

ودعا المرصد السوداني لحقوق الإنسان والمركز الأفريقي للعدالة والسلام السلطات السودانية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين، وإجراء تحقيقات مستقلة في جميع الانتهاكات الجسيمة، ورفع الحصانات عن أفراد القوات النظامية المتورطين في الجرائم، ودعم آليات العدالة والمساءلة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق، إضافة إلى توفير الحماية للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وأكدت المنظمتان أن إنهاء الإفلات من العقاب يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق سلام مستدام واستعادة سيادة القانون، مشددتين على أهمية اضطلاع المجتمع الدولي بدور أكثر فاعلية في دعم جهود المساءلة وحماية المدنيين في السودان.

وفي النهاية، لا يقف هذا التقرير عند حدود توثيق الانتهاكات أو رصد حجم الكارثة الإنسانية، بل يضع المجتمع الدولي والسلطات السودانية أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل. فكل يوم تستمر فيه الحرب دون مساءلة يعني مزيداً من الضحايا، ومزيداً من الانتهاكات، وتآكلاً إضافياً لثقة المواطنين في العدالة وسيادة القانون.

إن ما يكشفه التقرير يؤكد أن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى عملية شاملة للعدالة والمحاسبة تضمن عدم الإفلات من العقاب، وتعيد للضحايا حقوقهم وكرامتهم، وتؤسس لمؤسسات عدلية مستقلة وقادرة على حماية الحقوق والحريات. فالسلام المستدام لا يتحقق بتوقف المعارك وحده، وإنما بإزالة الأسباب التي غذّت العنف، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وجبر ضرر الضحايا، وترسيخ مبادئ العدالة الانتقالية والمواطنة المتساوية.

وبين صفحات هذا التقرير تتجسد معاناة ملايين السودانيين الذين ينتظرون أكثر من بيانات الإدانة؛ ينتظرون إرادة حقيقية تنقل العدالة من الوعود إلى الواقع، وتعيد الاعتبار لقيمة الإنسان وحقه في الحياة والأمن والكرامة. ولعل الرسالة الأهم التي يحملها التقرير هي أن الحقيقة، مهما طال الزمن، ستظل أساس العدالة، وأن توثيق الجرائم اليوم هو الخطوة الأولى نحو مستقبل لا تتكرر فيه المأساة، ولا يبقى فيه الضحايا وحدهم في مواجهة النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *