السبت, يونيو 20, 2026
اقتصادتقارير

الإنتاج يتراجع والديون تتراكم.. هل دخل مشروع الجزيرة مرحلة الخطر الاقتصادي (2-2)

كتب: حسين سعد

لم يعد الحديث عن تعثر الموسم الزراعي في مشروع الجزيرة مجرد شكوى متكررة من المزارعين أو خلاف حول التمويل والري، بل أصبح جرس إنذار يدق بقوة بشأن مستقبل الأمن الغذائي والاقتصاد السوداني بأكمله. فالأرقام التي كشف عنها تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل ترسم صورة قاتمة لأحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في إفريقيا؛ إنتاجية متدنية، وتكاليف إنتاج متصاعدة، وديون متراكمة، ورسوم وجبايات متزايدة، في وقت ما تزال فيه الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على القطاع الزراعي.

وبينما كان يُنتظر من مشروع الجزيرة أن يقود جهود التعافي الاقتصادي ويوفر الغذاء لملايين السودانيين، تشير المؤشرات إلى أنه يواجه واحدة من أخطر أزماته منذ عقود. فهل أصبح المشروع على أعتاب مرحلة الخطر؟ وهل تقود السياسات الحالية إلى تراجع أكبر في الإنتاج وخروج المزيد من المزارعين من دائرة الزراعة؟ أم أن الفرصة ما زالت متاحة لإنقاذ المشروع قبل أن تتحول الأزمة الزراعية إلى أزمة غذائية وطنية واسعة النطاق؟

تناقص الإنتاجية:
أيضا لفت بيان تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل الي تدني الإنتاجية إلى مستويات غير مسبوقة،حيث بلغت إنتاجية المحاصيل في العروة الصيفية والشتوية بمتوسط إنتاج الذرة (4) جوالات فقط للفدان، بينما بلغت إنتاجية محصول القمح (5) جوالات للفدان، والعدسية (3)جوالات للفدان ، والفول السوداني (12) جوال للفدان ، والقطن (7) قنطار ، والكبكبي (3) جوالات ، والفول المصري (3) جوالات .
وأشار البيان إلي إن إسعار المحصولات التي انتجها المزارع لا تغطي التكلفة وهي كالاتي:

جوال القمح 120 الف جنيه – الذرة 120 الف جنيه – الكبكبي 220 الف جنيه والعدسية 250 الف جنيه – الفول المصري 350 الف جنيه وقنطار القطن 250 الف جنيه – الفول السوداني 50 الف جنيه.
هذه الأرقام تعني أن الإنتاجية الفعلية أصبحت أقل بكثير من المعدلات الاقتصادية المطلوبة لتحقيق الربح وعندما تنخفض الإنتاجية بينما ترتفع التكاليف، فإن النتيجة الطبيعية هي تحول العملية الزراعية من نشاط اقتصادي مربح إلى نشاط خاسر، وهذا ما يفسر خروج عدد كبير من المزارعين من دائرة الإنتاج ودخولهم في دوامة الديون.

غياب سعر التركيز للقمح:
واحدة من أهم المشكلات التي أشار إليها البيان هي غياب سعر تركيزي لمحصول القمح، حيث قال بيان تحالف المزارعين ( مما زاد من تكلفة الإنتاج ، بالإضافة لم يكن هنالك سعر تركيز لمحصول القمح حتى يستطيع المزارع عبره ببيع محصوله بسعر مجدي يغطي التكلفة ويرفع فاتورة ربحه بل ترك للتجار وسعر السوق واصبح عرضة للابتزاز والخسارة الفادحة التي أدخلت كثير من المزارعين في ديون ، خاصة الذين تم تمويلهم من البنك الزراعي ، وبعضهم خرج من دائرة الإنتاج نهائيا بسبب ذلك).

وفي معظم الدول الزراعية تتدخل الحكومات لحماية المنتجين من تقلبات السوق عبر تحديد أسعار تشجيعية للمحاصيل الإستراتيجية، ويهدف هذا التدخل إلى ضمان تحقيق حد أدنى من الربحية للمزارع، لكن في حالة مشروع الجزيرة، وجد المزارعون أنفسهم تحت رحمة التجار وآليات السوق في وقت ارتفعت فيه التكاليف بصورة غير مسبوقة أشرنا لها أعلاه. والنتيجة كانت بيع المحاصيل بأسعار لا تغطي التكلفة الحقيقية للإنتاج، ما أدى إلى تراكم الديون وخروج بعض المنتجين من الدورة الزراعية، وتراجع المساحات المزروعة.

الرسوم والجبايات:
البيان أثار قضية أخرى شديدة الحساسية تتعلق بالرسوم المفروضة على المزارعين، حيث قال البيان:(بالرغم من القصور الواضح من إدارة المشروع وإدارة الري والحكومة إلا أنهم قاما بفرض ضرائب ورسوم باهظة جدا على المزارعين من غير وجه حق من الذي فرض هذه الرسوم العالية بواقع الفدان (45) الف جنيه ،لم تنعكس خدمة للمزارعين في ترعهم وأبو عشريناتهم وتم تحصيلها قسرا ، من غير مراعاة لظروف الحرب وظروف المجاعة التي اقرتها تقارير منظمات الأمم المتحدة وهذه الرسوم تم زيادتها في العروة الشتوية بواقع الفدان (50) الف جنيه الجملة في المشروع تساوي مع عدد الافدنة التي تمت زراعتها في مليون وستمائة الف فدان اكثر من (70) مليار جنيه بالجديد ،ما يعادل بالدولار اكثر من (17) مليون دولار)

وفي الوقت الذي كان المزارع ينتظر دعماً حكومياً لمواجهة آثار الحرب، وجد نفسه مطالب بدفع رسوم بلغت عشرات الآلاف من الجنيهات ، وتسببت هذه الرسوم الباهظة في زيادة تكلفة الإنتاج وتقليل القدرة التنافسية للمنتج الزراعي، فإذا صحت تقديرات التحالف بشأن تحصيل أكثر من (70) مليار جنيه من الرسوم ، فإن السؤال المشروع يتمثل في مدى انعكاس هذه الموارد على الخدمات الزراعية، فالرسوم والضرائب تُبرر عادة عندما تقابلها خدمات عامة مثل تطهير القنوات وصيانة البنية التحتية وتوفير الإرشاد الزراعي. أما عندما تُفرض الرسوم دون تحسن في الخدمات، فإنها تتحول إلى عبء إضافي يضعف القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي، تداعيات الحرب الكارثية لا تتوقف عند حدود المزارعين وحدهم، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله، فانخفاض إنتاج الذرة والقمح والبقوليات يعني تراجع المعروض الغذائي المحلي، وزيادة احتمالات ارتفاع الأسعار، واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي. كما أن خروج المزارعين من دائرة الإنتاج يقلل من فرص التعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب، ويزيد الاعتماد على الواردات الغذائية في وقت تعاني فيه البلاد من شح العملات الأجنبية.

أخيراً هل دخل المشروع مرحلة الخطر؟
ما يميز بيان تحالف المزارعين أنه لا يتحدث فقط عن موسم زراعي فاشل، بل يحذر من مستقبل أكثر قتامة. فالمزارعون يؤكدون أنهم يدخلون الموسم الجديد في ظروف أسوأ من العام السابق، مع استمرار آثار الحرب وغياب التمويل وتدهور البنية التحتية.

وهذا يعني أن الأزمة الحالية قد تتحول من أزمة إنتاج موسمية إلى أزمة هيكلية طويلة الأمد تهدد استدامة المشروع نفسه، فخروج أعداد متزايدة من المزارعين من دائرة الإنتاج، وتراجع القدرة على تمويل المواسم الزراعية، واستمرار ضعف الخدمات الأساسية، كلها مؤشرات على أن المشروع يقترب من مرحلة الخطر الاقتصادي،
فالموسم الزراعي المتعثر لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل بين آثار الحرب، وغياب الصيانة المبكرة لشبكات الري، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف التمويل، وغياب السياسات السعرية الداعمة للمزارعين.
وتشير المؤشرات الواردة في البيان إلى أن استمرار هذه الأوضاع قد يقود إلى تقلص أكبر في المساحات المزروعة خلال الموسم المقبل، وإلى خروج أعداد إضافية من المنتجين من دائرة الزراعة، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي ويضع الاقتصاد السوداني أمام تحديات أكثر تعقيداً.

لذلك فإن معالجة الأزمة لم تعد خياراً تنموياً فحسب، بل أصبحت ضرورة اقتصادية وأمنية تتطلب مراجعة شاملة لإدارة مشروع الجزيرة وسياسات دعم الإنتاج الزراعي قبل أن تتحول أزمة الموسم الحالي إلى أزمة غذاء وطنية واسعة النطاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *