الدولة السودانية عند التأسيس.. تشريع بلا عقد دستوري (1-2)
بقلم: عادل نصر الدين المحامي
عندما انتقل فيها السودان من الحكم الثنائي إلى الحكم الوطني، كان يفترض أن تبدأ عملية تأسيس دولة جديدة، لا مجرد استلام مؤسسات قائمة. لكن الانتقال السياسي سبق التأسيس الدستوري، فدخلت البلاد مرحلة الحكم الذاتي والاستقلال وهي تفتقر إلى وثيقة تأسيسية نابعة من إرادة شعبية حرة.
وبدلاً من أن يكون التشريع مدخلاً لبناء عقد اجتماعي جديد، أصبح أداة لإدارة الفراغ المؤسسي، لتولد دولة مستقلة سياسياً، لكنها تحمل في داخلها كثيراً من ملامح النظام الذي ورثته.
وكما تناولنا في الحلقات السابقة، شكّلت اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير لعام 1953 الإطار السياسي والقانوني لنقل السلطة من الحكم الثنائي إلى الوطني، عبر إنشاء الجمعية التشريعية، وتشكيل السلطة التنفيذية، وسياسة السودنة، والرقابة الدولية، وإجراء الانتخابات. غير أن تطبيق هذه الآليات في غياب إرادة تأسيسية حقيقية أسهم في تشكيل ملامح الخلل البنيوي للدولة الوليدة.
لذلك تبرز أهمية التوقف عند التشريع والهيكل الإداري باعتبارهما أداتين عمليتين أُديرت بهما البلاد خلال المرحلة الانتقالية بين 1953 و1956.
أولاً: فراغ دستوري في لحظة تأسيس الدولة
تقوم الدولة الحديثة، من الناحية السياسية والاجتماعية، على أكثر من الإقليم والسكان والسلطة؛ فهي تحتاج إلى عقد اجتماعي يجسده دستور يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويجيب عن أسئلة الهوية وشكل الحكم وطبيعة الدولة.
لكن السودان دخل مرحلة الحكم الذاتي والاستقلال من دون وثيقة تأسيسية توافقية نابعة من إرادة شعبية حرة. ولملء هذا الفراغ، استندت السلطة الوطنية إلى ثلاثة أطر تشريعية رئيسية:
اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير 1953.
قانون تنظيم الحكم الذاتي لسنة 1953.
دستور الاستقلال المؤقت لسنة 1956.
ومن خلال هذه الوثائق يمكن تتبع الطريقة التي انتقلت بها البلاد من الحكم الثنائي إلى الاستقلال، وكيف أسهمت طبيعة هذه النصوص في تكريس بعض الاختلالات التي سترافق الدولة السودانية لاحقاً.
ثانياً: اتفاقية الحكم الذاتي.. استقلال مؤجل وأسئلة مؤجلة
أبرمت اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير في 12 فبراير 1953 بين حكومتي مصر وبريطانيا، في غياب طرف سوداني موقع عليها.
وهنا تكمن إحدى الإشكالات الجوهرية: فالوثيقة لم تكن عقداً اجتماعياً سودانياً، وإنما ترتيباً سياسياً بين دولتين مستعمرتين لتنظيم عملية نقل السلطة.
نصت الاتفاقية على قيام حكم ذاتي يقوم على جمعية تشريعية منتخبة ومجلس وزراء، إلى جانب تشكيل لجنة ثلاثية لتنفيذ سياسة السودنة، وحددت فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات يعقبها استفتاء لتقرير المصير.
لكن الاتفاقية، وفق قراءة النص، أرست دعائم دولة مركزية صارمة، ولم تعالج بصورة كافية قضايا الجنوب والتنوع الثقافي والإدارات الأهلية. كما أرجأت حسم قضايا أساسية تتعلق بهوية الدولة وشكل نظام الحكم إلى ما بعد الاستقلال.
وهكذا، لم تُحل الأسئلة الكبرى التي تواجه الدولة الوليدة، وإنما جرى ترحيلها إلى المستقبل.
ثالثاً: قانون تنظيم الحكم الذاتي.:
في 18 أبريل 1953 صدر قانون تنظيم الحكم الذاتي بواسطة الجمعية التشريعية، ليقوم عملياً مقام الدستور المؤقت، وظل الوثيقة الدستورية الفعلية التي حكمت السودان خلال الفترة الانتقالية وحتى إعلان الاستقلال.
كرّس القانون تركيز السلطة في يد مجلس الوزراء، ومنحه سلطات تنفيذية وتشريعية واسعة، في وقت خلا فيه من نصوص واضحة بشأن حقوق الإنسان والحريات الأساسية، كما لم يحدد بصورة كافية شكل الدولة أو العلاقة بين المركز والأقاليم.
وبذلك لم يقدم القانون إجابة متكاملة عن سؤال الدولة، بقدر ما قدم آلية لإدارة السلطة.
والنتيجة، بحسب القراءة التي يقدمها هذا الفصل، كانت اختزال مفهوم الدولة في الحكومة، وترسيخ ثقافة التعيين السياسي، وتعزيز سلطة الجهاز التنفيذي على حساب المؤسسات الرقابية والتوازن المؤسسي.
رابعاً: دستور الاستقلال المؤقت:
في 5 يناير 1956 صدر دستور الاستقلال المؤقت، بوصفه إطاراً مؤقتاً إلى حين وضع دستور دائم.
لكن الدستور لم يصدر عبر استفتاء شعبي، الأمر الذي أبقاه بعيداً عن مفهوم العقد الاجتماعي التوافقي.
والأخطر أن المادة الثالثة منه قضت باستمرار العمل بالقوانين الاستعمارية السابقة، بما أبقى جانباً مهماً من النموذج الإداري القديم قائماً بعد الاستقلال.
وفي الوقت نفسه، ظل الدستور صامتاً عن قضايا جوهرية، من بينها الهوية وشكل الدولة ونظام الحكم وقضية الجنوب.
وبذلك لم يكن الاستقلال الدستوري قطيعة كاملة مع الماضي، وإنما حمل معه كثيراً من أدواته وترتيباته.
كما أن الصلاحيات الواسعة التي مُنحت لرئيس الوزراء، بما في ذلك حل البرلمان وإعلان الطوارئ، شكلت ـ وفق قراءة الفصل ـ بيئة مؤسسية ساهمت لاحقاً في إضعاف المسار الدستوري ومهدت لظاهرة الانقلابات العسكرية.
الخلاصة: دولة مستقلة بلا عقد تأسيسي
تكشف قراءة الوثائق الثلاث أن التشريع خلال الفترة 1953-1956 لم يكن عملية تأسيس مكتملة، بقدر ما كان محاولة لإدارة أزمة انتقال سياسي.
انتقلت السلطة من المستعمر إلى الوطني، لكن العقد الاجتماعي لم ينتقل معها.
وهكذا ولدت دولة 1956 من دون دستور توافقي، ومن دون حسم لسؤال الهوية، ومن دون تصور واضح للعلاقة بين المركز والأقاليم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان التشريع قد منح الدولة إطاراً قانونياً مؤقتاً، فمن الذي منحها جسدها الإداري؟ ومن الذي أمسك فعلياً بمفاصل السلطة في المديريات والأقاليم؟
فهناك، بعيداً عن نصوص الدساتير والقوانين، كان جهاز إداري كامل ينتظر الدولة الجديدة؛ جهاز لم يُعد بناؤه بقدر ما جرى تسليم أدواته إلى نخبة جديدة.
ومن هذه النقطة تبدأ الحلقة الثانية: الهيكل الإداري الذي ورثته الدولة السودانية، والمفتش الذي جمع في يده السلطة التنفيذية والقضائية والمالية، وكيف تحولت المركزية الإدارية من إرث استعماري إلى أداة تمكين للنخب وتهميش للأقاليم.

