الأربعاء, سبتمبر 9, 2026
تقاريرسياسة

المفقودون.. عقبات قانونية وسياسية تعرقل الوصول إلى الحقيقة (35)

كتب: حسين سعد

لا تعرف آلاف الأسر السودانية إن كانت تنتظر عودة أبنائها أم تودعهم إلى الأبد، سنوات طويلة مرت على اختفاء أشخاص في ظروف مختلفة؛ بعضهم اختفى في أقبية الأجهزة الأمنية، وآخرون خلال النزاعات المسلحة، بينما فُقد آخرون وسط الاحتجاجات الشعبية أو في أتون الحرب الدائرة منذ أبريل 2023. وبين الأمل والخوف، تواصل الأمهات والآباء والزوجات رحلة البحث عن إجابات لا تزال غائبة، وتُعد قضية المفقودين من أكثر الملفات الإنسانية والحقوقية تعقيداً في السودان، ليس فقط بسبب تعدد سياقات الاختفاء، وإنما أيضاً بسبب التحديات القانونية والمؤسسية والسياسية التي تعيق الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. فبعد عقود من الحروب والانتهاكات، ما تزال البلاد تفتقر إلى الآليات الفعالة القادرة على كشف مصير المفقودين وإنصاف أسرهم، ويرى حقوقيون ومدافعون عن حقوق الإنسان أن ملف المفقودين يواجه تحديات كبيرة على المستويين القانوني والمؤسسي، تبدأ بغياب التشريعات الوطنية الكافية ولا تنتهي عند ضعف الإرادة السياسية وانهيار مؤسسات العدالة بسبب الحرب.

وقال المدافع عن حقوق الإنسان والباحث محمد بدوي لـ”مدنية نيوز” إن من أبرز العقبات التي تواجه الكشف عن مصير المفقودين عدم وجود قانون وطني خاص بالمفقودين أو يجرّم الاختفاء القسري بصورة متكاملة، رغم مصادقة السودان عام 2021 على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وأضاف أن قضية المفقودين ظلت تاريخياً من القضايا المهملة، كما أن النصوص القانونية الحالية، بما فيها المادة (186) من القانون الجنائي، لا توفر معالجة قانونية كافية لهذا النوع من الجرائم، الأمر الذي يضعف فرص المساءلة ويعقد مسار العدالة، ويشير حقوقيون إلى أن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة للمفقودين يمثل إحدى أكبر العقبات أمام معرفة الحجم الحقيقي للمشكلة، حيث لا يوجد سجل مركزي يجمع المعلومات المتعلقة بحالات الاختفاء أو يربط بين البلاغات المختلفة الواردة من مناطق النزاعات أو المدن التي شهدت احتجاجات وأعمال عنف، .كما أدى النزاع المسلح المستمر إلى تدمير وإضعاف العديد من المؤسسات العدلية والقضائية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قدرة السلطات في إجراء التحقيقات أو ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات. ويضاف إلى ذلك غياب هيئة وطنية مستقلة تُعنى بالبحث عن المفقودين والتحقيق في حالات الاختفاء القسري.

حالات متكررة من الإختفاء :
ومن جهتها تؤكد المحامية والناشطة الحقوقية رانيا آدم أن السودان شهد عبر تاريخه السياسي حالات متكررة من الاختفاء القسري ارتبطت بالحكم الشمولي والنزاعات المسلحة، حيث تعرض ناشطون وسياسيون ومدنيون للاعتقال أو الاختفاء دون الكشف عن أماكن وجودهم أو السماح لأسرهم بمعرفة مصيرهم ، وأضافت أن نظام الإنقاذ استخدم الاختفاء القسري كوسيلة لقمع المعارضين والنشطاء السياسيين، مشيرة إلى أن عدداً من الحالات ما يزال مصيرها مجهولاً حتى اليوم، من بينها حالات لمعارضين وناشطين اختفوا في ظروف غامضة ولم تكشف السلطات عن مصيرهم..

وتوضح آدم أن الظاهرة لم تتوقف بعد سقوط النظام في أبريل 2019، إذ برزت حالات اختفاء جديدة عقب فض اعتصام القيادة العامة، كما سُجلت حالات أخرى بعد إجراءات 25 أكتوبر 2021. ومع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، توسعت دائرة الانتهاكات لتشمل مدنيين وشباباً ونساءً وأطفالاً في عدد من الولايات، فيما أفادت أسر في بعض الحالات بتعرضها لابتزاز مالي أو طلب فدية مقابل الكشف عن مصير ذويها ، ورغم مصادقة السودان على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، لا تزال الجهود الرسمية محدودة. وتشير آدم إلى أن اللجنة الوطنية التي شُكلت للنظر في بعض حالات الاختفاء واجهت تحديات عديدة، من بينها غياب قانون وطني شامل، وضعف الموارد، والتعقيدات السياسية التي أحاطت بعملها، وفي مقابل هذا الغياب الرسمي، برزت منظمات المجتمع المدني كفاعل رئيسي في توثيق الانتهاكات ودعم أسر المفقودين. فقد لعبت منظمات ومبادرات حقوقية دوراً مهماً في جمع المعلومات وتوثيق الحالات وتقديم الدعم القانوني والنفسي للأسر، إلى جانب رفع الوعي العام بخطورة جريمة الاختفاء القسري وآثارها الإنسانية، ويؤكد محمد بدوي أن المجتمع المدني والمنظمات الدولية أسهما بصورة كبيرة في جمع الأدلة والشهادات وتوثيق الانتهاكات، فضلاً عن ممارسة الضغوط على الأطراف المتصارعة من أجل تشكيل آليات للحقيقة والمساءلة، وتوفير الدعم الفني والخبرات اللازمة للتحقيق في الانتهاكات..

ويرى بدوي أن الكشف عن مصير المفقودين يمثل خطوة أساسية في أي عملية للعدالة الانتقالية، لأنه يمنح الأسر حقها في معرفة الحقيقة، ويساعدها على التعافي من آثار الصدمة، كما يسهم في بناء الثقة بين المجتمع والدولة وتعزيز فرص السلام المستدام، ويحذر حقوقيون من أن استمرار الإفلات من العقاب يشكل أحد أكبر التحديات أمام العدالة، إذ لم تشهد البلاد حتى الآن محاسبة فعالة للمسؤولين عن العديد من حالات الاختفاء التي ارتكبت خلال العقود الماضية. كما أن غياب التحقيقات المستقلة واستمرار النزاع المسلح يفاقمان من معاناة الأسر ويجعلان الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة، وتزداد هذه التحديات تعقيداً في ظل تنامي خطاب الكراهية والاستهداف على أسس عرقية وجهوية خلال الحرب الحالية، الأمر الذي يهدد بزيادة الانتهاكات ويصعّب جهود التوثيق والمساءلة مستقبلاً.

غياب التوثيق الرسمي:
إحدى العقبات الكبرى هي التي أشار لها الحقوقيون هيعدم وجود قاعدة بيانات وطنية للمفقودين، ما يجعل من الصعب حتى تقدير أعدادهم أو معرفة مصيرهم، كما إن سجلات المستشفيات والمراكز الأمنية غالباً ما تكون غير مكتملة أو غير متاحة، فضلاً عن غياب التوثيق الرسمي يزيد من معاناة الأسر ويجعل أي تحقيق قانوني مستقبلي أكثر صعوبة، بجانب ضعف المؤسسات الحكومية المختصة بما في ذلك وزارات الداخلية والعدل، تفتقر إلى آليات واضحة للتحقيق والمتابعة، وغياب الهيئة الوطنية المستقلة للتحقيق في حالات الاختفاء القسري، بالاضافة الي نقص الكوادر المؤهلة والخبرات القانونية لإدارة ملفات المفقودين، وتوقف بعض المؤسسات عن العمل بسبب النزاعات المسلحة وفقدان الأمن.

المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية:
في غياب الدولة، لعبت منظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية دوراً أساسياً في توثيق الحالات والدفاع عن حقوق الأسر، وجمع شهادات وشكاوى الأسر في مناطق النزاع، ونشر تقارير حقوقية ترفع الوعي الدولي بشأن الانتهاكات، والضغط على السلطات المحلية والدولية لإيجاد آليات لحماية المدنيين، لكن هذه الجهود تواجه قيوداً كبيرة منها الأمن غير المستقر، نقص التمويل، وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، و غياب المساءلة والإفلات من العقاب التي رسخت عبر عقود من الصراعات، حيث لم تتم محاسبة أي جهة بشكل فعال على اختفاء المدنيين خلال الحروب الماضية، كما لم تدرج حالات الاختفاء القسري لم كجريمة رسمية في أغلب القوانين المحلية. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *